الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        فصل

                                                                                                                                                                        تبرعات المكاتب وتصرفاته المحظرة كالهبة والإبراء والإنفاق على الأقارب ، والإقراض والقراض والبيع بمحاباة وبنسيئة ، وتعجيل [ ص: 281 ] المؤجل ونحوها ، إن جرت بإذن السيد ، فمنقول المزني والمنصوص في " الأم " صحتها .

                                                                                                                                                                        ونقل الربيع قولا آخر بالمنع . ونص أن اختلاع المكاتب بالإذن لا يجوز ، فقال الجمهور : في الجميع قولان . أظهرهما : الصحة .

                                                                                                                                                                        وقيل : يصح ما سوى الخلع قطعا ، ولا يصح هو . وعن ابن سلمة القطع بصحة الخلع أيضا . ولو وهب للسيد أو لابنه الصغير فقبل له السيد ، أو أقرضه ، أو باعه نسيئة أو بمحاباة أو عجل له دينا مؤجلا غير النجوم ، فالمذهب أنه على الخلاف فيما إذا وهب لغيره بإذنه .

                                                                                                                                                                        وقيل : يصح قطعا ، واختاره الشيخ أبو محمد ؛ لأن للمكاتب أن يعجز نفسه ، فيجعل جميع ما في يده لسيده ، فجواز الهبة أولى .

                                                                                                                                                                        ولو وهب بإذن السيد ، فرجع عن الإذن قبل إقباض الموهوب لم يكن له إقباضه . ولو اشترى قريبه بإذن السيد ، ففي صحته القولان في الهبة ، فإن صححناه يكاتب عليه .

                                                                                                                                                                        وعن أبي إسحاق : القطع [ بالصحة ] ؛ لأنه قد يستفيد من أكسابه ، وفيه صلة الرحم .

                                                                                                                                                                        ولو أعتق المكاتب عبده عن سيده ، أو عن غيره بإذنه ، فهو كتبرعه بالإذن . ولو أعتق عن نفسه بإذن السيد ، لا يصح على المذهب ؛ لتضمنه الولاء ، والمكاتب ليس أهلا لثبوت الولاء له كالقن ، فإن صححناه ، فلمن يكون ولاء العتيق ؟ قولان .

                                                                                                                                                                        أحدهما : للسيد ؛ لأن المكاتب ليس أهلا للولاء ، ووقف الولاء بعيد ، وأظهرهما : يوقف ؛ لأن الولاء لمن أعتق ، والسيد لم يعتق ، فإن عتق المكاتب كان له ، وإن مات رقيقا كان لسيده ، وإن عجزه ورق ، فحكى الإمام أنه يبقى التوقف ؛ لأنه يرجى عتقه من جهة أخرى .

                                                                                                                                                                        والصحيح الذي قطع به الأصحاب أن يكون للسيد بلا توقف ؛ لانقطاع الكتابة ، فإن جعلنا الولاء للسيد ، فعتق المكاتب بعد ذلك ، ففي انجرار الولاء إليه وجهان ، حكاهما أبو علي الطبري وصاحب " التقريب " أصحهما : المنع ، وكأن [ ص: 282 ] السيد أعتقه .

                                                                                                                                                                        وإن قلنا بالتوقف ، فمات العتيق قبل موت المكاتب وعوده إلى الرق ، فهل يوقف الميراث أيضا ، أم يكون للسيد ، أم لبيت المال ؟ أقوال .

                                                                                                                                                                        أظهرها : الأول . ولو كاتب المكاتب عبده بإذن السيد ، فهو كتنجيز العتق نص عليه في " المختصر " ، وقاله الأصحاب ، فيعود الطريقان في صحة الكتابة والقولان في الولاء تفريعا على الصحة إذا عتق المكاتب الثاني قبل الأول . وإن عتق الأول ثم الثاني ، فولاء الثاني للأول .

                                                                                                                                                                        وفي نكاح المكاتب بإذن السيد طريقان .

                                                                                                                                                                        أحدهما : قولان ، كتبرعه ؛ لأنه يبذل المهر والنفقة لا في مقابلة مال .

                                                                                                                                                                        والثاني . وهو المذهب عند الجمهور : القطع بالصحة ؛ لأنه إذا صح نكاح القن بالإذن ، فالمكاتب أولى ؛ لأنه أحسن حالا منه ؛ ولأنه يحتاج إليه للتحصين وغيره ، بخلاف الهبة ونحوها .

                                                                                                                                                                        وتزويج المكاتبة بإذنها صحيح على الصحيح . وقال القفال : لا تزوج أصلا لضعف ملك السيد ونقصها ، فلا يؤثر إذنها .

                                                                                                                                                                        ولو أذن السيد للمكاتب في التسري بجارية ، لم يصح على المذهب . ولو أذن له في التكفير بالإطعام أو بالكسوة ، فقولان ولو أذن في التكفير بالإعتاق لم يجزئه على المذهب .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        اشترى المكاتب من يعتق على سيده ، أو أوصى له به فقبل صح ، وملكه المكاتب . فإن رق المكاتب ، صار القريب للسيد ، وعتق عليه ولو اشترى بعضه ، أو اتهبه ، أو قبل الوصية به ، صح أيضا . وإذا رق ، عتق ذلك الشقص على السيد .

                                                                                                                                                                        وهل يسري إلى الباقي ؟ إن كان السيد موسرا ، ينظر إن عجز المكاتب نفسه بغير اختيار السيد لم يسر كما لو ورث بعض قريبه ، وإن عجزه السيد ، فوجهان لأن المقصود فسخ الكتابة ، والملك يحصل قهرا . ولو اتهب [ ص: 283 ] العبد القن من يعتق على سيده بغير إذن بني على أن اتهابه بغير إذن السيد ، هل ينفذ ؟ وفيه خلاف سبق .

                                                                                                                                                                        إن قلنا : لا ، فلا كلام . وإن قلنا : نعم وهو الصحيح ، فإن خيف وجوب النفقة على السيد في الحال ، فإن اتهب زمنا والسيد موسر ، لم يصح قبوله [ لأن فيه ] إضرارا بالسيد .

                                                                                                                                                                        وإن لم تجب النفقة في الحال ؛ لكون القريب كسوبا ، أو السيد فقيرا صح القبول ، وعتق الموهوب على السيد .

                                                                                                                                                                        ولو اتهب بعض من يعتق على السيد بغير إذنه ، وصححنا اتهابه بغير إذنه ، ولم يتعلق به لزوم النفقة صح القبول على الأظهر ، ولا يسري ؛ لحصول الملك قهرا .

                                                                                                                                                                        والثاني : لا يصح . قال الشيخ أبو علي : وخرج ابن سريج على هذين القولين ما إذا اشترى المريض أباه بألف لا يملك غيره ، وعليه دين مستغرق ففي قول : لا يصح الشراء ؛ لأنه لو صح لعتق ، وبطل حق الغرماء .

                                                                                                                                                                        وفي الثاني : يصح ، ولا يعتق ويباع في ديونهم . وفي " الوسيط " وجه أنه يصح ، ويعتق ويسري ، ويجعل اختيار العبد كاختياره كما جعل قبوله كقبوله .

                                                                                                                                                                        ولم أجد هذا الوجه في " النهاية " وإذا صححنا اتهاب القن بغير إذن سيده دخل الموهوب في ملك السيد ، قهرا كما لو احتطب . وهل للسيد رده بعد قبول السيد ؟ وجهان .

                                                                                                                                                                        أحدهما : نعم ؛ لأن تمليك الرشيد قهرا بعيد . وأصحهما : المنع ، كالملك بالاحتطاب ، فعلى الأول هل ينقطع ملكه من وقت الرد ، أم يتبين أنه لم يدخل في ملكه ؟ وجهان وفائدتهما ، لو كان الموهوب عبدا ، ووقع هلال شوال بين قبول العبد ورد السيد في الفطرة .

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية