الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        المسألة الثانية : إذا قال لعبيده : أحدكم حر ، أو اثنان حران ، أو أعتقت أحدكم ، فله حالان ، أحدهما : أن ينوي معينا فيؤمر ببيانه ، ويحبس عليه . فإن قال : أردت هذا ، عتق ، ولغيره أن يدعي عليه أنك أردتني ، ويحلفه ، وإن نكل السيد ، حلف هو وعتق . ولو عين واحدا ، وقال : أردت هذا ، بل هذا ، أعتقا جميعا ، مؤاخذة له . ولو قتل واحدا منهم ، لم يكن ذلك بيانا ، بل يبقى الأمر بالبيان . فلو قال : أردت المقتول ، لزمه القصاص . ولو جرى ذلك في إماء ، أو أمتين ، ثم وطئ واحدة ، لم يكن الوطء بيانا ، بل لو بين العتق فيها ، تعلق به الحد والمهر لجهلها بأنها معتقة . ولو مات قبل البيان ، قام وارثه [ ص: 153 ] مقامه على المذهب ; لأنه خليفته ، وربما علمه . وقيل : قولان ، فإن أقمناه ، فبين أحدهم ، عتق ، ولغيره تحليفه على نفي العلم ، فإن لم يكن وارث ، أو قال الوارث : لا أعلم ، فالصحيح أو المشهور أنه يقرع بينهم .

                                                                                                                                                                        وفي وجه أو قول : لا يقرع ، بل يوقف . ولو قال المعتق : نسيت من أعتقته ، أمر بالتذكر . قال الأصحاب : يحبس عليه ، قال الإمام : وفيه احتمال . وإن مات قبل التذكر ، ففي بيان الوارث والقرعة الخلاف ، وهكذا الحكم لو سمى واحدا وأعتقه ثم قال نسيته .

                                                                                                                                                                        الحال الثاني : أن لا ينوي معينا ، فيؤمر بالتعيين ، ويوقف عنهم ، إلى أن يعين ، ويلزمه الإنفاق عليهم ، فإذا عين أحدهم ، عتق ، وليس لغيره أن ينازع فيه إن وافق على أنه لم ينو معينا . وإذا قال : نويت هذا ، عتق الأول ، ولغا قوله للثاني ; لأن العتق حصل في الأول ، بخلاف قوله : نويت هذا ، بل هذا ; لأنه إخبار . ثم العتق في المبهم هل يحصل عند التعيين ، أم يتبين حصوله من وقت اللفظ المبهم ؟ وجهان سبق نظيرهما في الطلاق ، وخرج على الخلاف أنه لو مات أحدهم فعينه ، فهل يصح ؟ إن قلنا : يحصل العتق عند التعيين ، فلا ; لأن الميت لا يقبل العتق ، فعلى هذا لو كان الإبهام بين عبدين ، فإذا بطل التعيين في الميت ، تعين الثاني للعتق ، ولا حاجة إلى لفظ .

                                                                                                                                                                        وإن قلنا الإبهام ، صح تعيينه . ولو جرى ذلك في أمتين أو إماء ، فهل يكون الوطء تعيينا لغير الموطوءة ؟ وجهان كما في الطلاق . قال ابن الصباغ : وكونه تعيينا هو قول أكثر الأصحاب . وإذا لم نجعله تعيينا ، فعين العتق في الموطوءة ، فلا حد . وبنى البغوي حكم المهر على أن العتق يحصل عند التعيين ، أم باللفظ المبهم ؟ إن قلنا بالأول ، لم يجب ، وإلا وجب . والوطء فيما دون الفرج والقبلة واللمسة بشهوة مرتب على الوطء إن لم يكن تعيينا ، فهذا أولى ، وإلا فوجهان .

                                                                                                                                                                        والاستخدام مرتب على [ ص: 154 ] اللمس ، والمذهب أنه ليس بتعيين ، قال الإمام : هذا يوجب طرد الخلاف في أن الاستخدام في زمن الخيار ، هل يكون فسخا أو إجازة ؟ والعرض على البيع كالاستخدام . ولو باع بعضهم ، أو وهبه وأقبضه أو أجره ، قال البغوي : فيه الوجهان كالوطء ، والإعتاق ليس بتعيين . ثم إن عين فيمن أعتقه ، قبل ، وإن عين في غيره ، عتقا . وقتل السيد أحدهم ليس تعيينا ، ثم إن عين في غير المقتول ، لم يلزمه إلا الكفارة ، وإن عين في المقتول ، لم يجب القصاص ، للشبهة . وأما المال ، فإن قلنا : العتق يحصل عند التعيين ، لم يجب ، وإن قلنا : عند الإبهام ، لزمه الدية لورثته .

                                                                                                                                                                        وإن قتل أجنبي أحدهم ، فلا قصاص إن كان القاتل حرا ، ثم إن عين في غير المقتول ، لزمه القيمة ، وإن عين فيه وقلنا : العتق يحصل عند التعيين ، فكذلك ، كما لو نذر إعتاق عبد بعينه ، فقتل . وإن قلنا : عند الإبهام ، لزمه الدية لورثة المقتول . ولو مات قبل التعيين ، فهل للورثة التعيين ؟ قولان ، ويقال : وجهان ، أظهرهما : نعم .

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية