الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                      التسليف في الحيتان والطير قلت : أرأيت التسليف في الحيتان الطري أيجوز أن يسلف فيه في قول مالك أم لا ؟

                                                                                                                                                                                      قال : نعم إذا سميا جنسا من الحيتان واشترط من ذلك ضربا معلوما صفتها كذا وكذا وطولها كذا وكذا ، فلا بأس بذلك إذا سلفت في ذلك قدرا معروفا أو وزنا معروفا .

                                                                                                                                                                                      قلت : فإن سلف في صنف من الحيتان الطري وهو ربما انقطع من أيدي الناس هذا الصنف الذي سلف فيه ؟

                                                                                                                                                                                      قال : لا ينبغي أن يسلف فيه في قول مالك إذا كان هكذا إلا في إبانه الذي يكون فيه أو قبل إبانه ، وشرط الأخذ في إبانه مثل ما وصفت لك في الثمار الرطبة التي تنقطع من أيدي الناس . قلت : فإن سلف في هذا الصنف من الحيتان فلما حل الأجل أراد أن يأخذ غيره من جنوس الحيتان أيجوز ذلك أم لا ؟

                                                                                                                                                                                      قال : نعم ، وهذا مثل ما وصفت لك في اللحم والشحم وجميع لحم الحيوان .

                                                                                                                                                                                      قلت : ما قول مالك في السلف في الطير ؟ .

                                                                                                                                                                                      قال : قال مالك : لا بأس بالسلف في الطير وفي لحومها بصفة معلومة وجنس معلوم .

                                                                                                                                                                                      قلت : وكذلك لو سلف في لحم الدجاج فحل الأجل كان له أن يأخذ لحم الطير كله إذا أخذ مثله وهو مثل ما وصفت لي في التسليف من لحم الحيوان أو لحم الحيتان ؟

                                                                                                                                                                                      قال : نعم .

                                                                                                                                                                                      قلت : أرأيت إن سلف في دجاج أو في إوز فلما حل الأجل أخذ منه مكان ذلك طيرا من طير الماء ؟ .

                                                                                                                                                                                      قال : لا يجوز .

                                                                                                                                                                                      قلت : فإن سلفت في دجاج فلما حل الأجل أخذت مكانها إوزا أو حماما ؟

                                                                                                                                                                                      قال : لا بأس بذلك . [ ص: 67 ] قلت : لم جوز مالك إذا سلفت في دجاج أن آخذ مكانها إذا حل الأجل إوزا أو حماما ولم يجوز لي إذا سلفت في دجاج أن آخذ مكانها إذا حل الأجل طيرا من طير الماء ؟

                                                                                                                                                                                      قال : لأن طير الماء إنما يراد به الأكل ، وإنما هو لحم ، وإنما نهى عنه مالك من وجه أنه لا يباع الحيوان باللحم .

                                                                                                                                                                                      قال أشهب : هو جائز .

                                                                                                                                                                                      قلت : ولم جوز مالك لي إذا سلفت في دجاج فحل الأجل أن آخذ به حماما أو إوزا أو ما أشبه ذلك من الداجن المربوب عند الناس ؟

                                                                                                                                                                                      قال : لأنك لو سلفت الذي كنت أسلفت في الدجاج في هذا الإوز والحمام لجاز ، فنحن إذا ألغينا الدجاج وجعلنا سلفك في هذا الحمام وهذا الإوز كان جائزا فلذلك جاز ، ولأنك لو أنك أخذت دجاجة بدجاجتين يدا بيد جاز ذلك وليس هذا من اللحم بالحيوان ، وكذلك العروض كلها ما خلا الطعام والشراب ، فإن الطعام والشراب إذا سلفت فيهما لم يصلح أن تبيعهما من صاحبهما ولا من غير صاحبهما الذي عليه الطعام حتى تستوفي الطعام إلا أن تأخذ من صنفه أو من جنسه من الذي عليه الطعام إذا حل أجله . قلت : ولم كان هذا عند مالك خلاف السلع ؟ قال : للأثر الذي جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يباع الطعام حتى يستوفى قال الليث بن سعد ، عن يحيى بن سعيد أنه قال : إذا سلفت في ريطة فأعطاك قميصا أو قميصين أو قطيفة أو قطيفتين فلا بأس إن وجد تلك الريطة التي أسلمت فيها أو لم يجدها لأنك لو أسلفت الريطة بعينها فيما أخذت منه لم يكن بذلك بأس . قال : وأخبرني عن إبراهيم بن نشيط أنه سأل بكير بن الأشج عن السلف في الحيتان أعطيه الدنانير على أرطال مسماة قال : خذ منه إذا أعطاك بسعر مسمى . قال : وأخبرني عن الليث بن سعد عن ربيعة أنه قال في رجل أسلف صيادا دنانير على صنف من الطير كل يوم كذا وكذا طائرا فجاءه فلم يجد عنده من ذلك الصنف شيئا ، ووجد عنده عصافير فأعطاه عشرة عصافير بطائر واحد مما اشترط عليه قال ربيعة : عشرة من الطير بواحد حلال ، وأنا أرى ذلك حلالا كله السلف للصياد وعشرة بواحد .

                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية