الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 357 ]

294 . والخلف في مبتدع ما كفرا قيل : يرد مطلقا ، واستنكرا      295 . وقيل : بل إذا استحل الكذبا
نصرة مذهب له ، ونسبا      296 . (للشافعي) ، إذ يقول : أقبل
من غير خطابية ما نقلوا      297 . والأكثرون -ورآه الأعدلا-
ردوا دعاتهم فقط ، ونقلا      298 . فيه ( ابن حبان ) اتفاقا ، ورووا
عن أهل بدع في الصحيح ما دعوا

التالي السابق


اختلفوا في رواية مبتدع لم يكفر في بدعته ، على أقوال :

فقيل : ترد روايته مطلقا; لأنه فاسق ببدعته . وإن كان متأولا فترد كالفاسق من بغير تأويل ، كما استوى الكافر المتأول ، وغير المتأول .

وهذا يروى عن مالك ، كما قال الخطيب في “ الكفاية “ . وقال ابن الصلاح : إنه بعيد مباعد للشائع عن أئمة الحديث . فإن كتبهم طافحة بالرواية عن المبتدعة غير الدعاة ، كما سيأتي .

والقول الثاني : أنه لم يكن ممن يستحل الكذب في نصرة مذهبه ، أو لأهل مذهبه قبل ، سواء دعى إلى بدعته . أو لا ؟ وإن كان ممن يستحل ذلك لم يقبل ، وعزا [ ص: 358 ] الخطيب هذا القول للشافعي ، لقوله : أقبل شهادة أهل الأهواء ، إلا الخطابية من الرافضة ; لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم . قال : وحكي هذا أيضا عن ابن أبي ليلى ، والثوري ، وأبي يوسف القاضي . وروى البيهقي في “ المدخل “ عن الشافعي ، قال : ما في أهل الأهواء قوم أشهد بالزور من الرافضة .

والقول الثالث : أنه إن كان داعية إلى بدعته ، لم يقبل ، وإن لم يكن داعية قبل . وإليه ذهب أحمد ، كما قال الخطيب . قال ابن الصلاح : وهذا مذهب الكثير ، أو الأكثر . وهو أعدلها وأولاها . قال ابن حبان : الداعية إلى البدع لا يجوز الاحتجاج به عند أئمتنا قاطبة ، لا أعلم بينهم فيه اختلافا . وهكذا حكى بعض أصحاب الشافعي أنه لا خلاف بين أصحابه أنه لا يقبل الداعية ، وإن الخلاف بينهم فيمن لم يدع إلى بدعته .

فقولي : ( ونقل فيه ابن حبان اتفاقا ) ، أي : في رد رواية الداعية ، وفي قبول غير الداعية أيضا . واقتصر ابن الصلاح على حكاية الاتفاق عنه في الصورة الأولى . وأما [ ص: 359 ] الثانية فإنه قال في تاريخ الثقات في ترجمة جعفر بن سليمان الضبعي : ليس بين أهل الحديث من أئمتنا خلاف أن الصدوق المتقن إذا كان فيه بدعة ، ولم يكن يدعوا إليها أن الاحتجاج بأخباره جائز . فإذا دعى إلى بدعته سقط الاحتجاج بأخباره . وفي المسألة قول رابع لم يحكه ابن الصلاح ، أنه تقبل أخبارهم مطلقا ، وإن كانوا كفارا ، أو فساقا بالتأويل . حكاه الخطيب عن جماعة من أهل النقل ، والمتكلمين .

وقولي : ( ورآه الأعدلا ) ، أي : ابن الصلاح . وهي جملة معترضة بين المبتدأ والخبر . وفي الصحيحين كثير من أحاديث المبتدعة غير الدعاة ، احتجاجا واستشهادا . كعمران بن حطان ، وداود بن الحصين ، وغيرهما . وفي تاريخ نيسابور للحاكم في ترجمة محمد بن يعقوب بن الأخرم أن كتاب مسلم ملآن من الشيعة .

وقولي : ( والخلف في مبتدع ما كفرا ) ، احتراز عن المبتدع الذي يكفر ببدعته ، كالمجسمة إن قلنا بتكفيرهم على الخلاف فيه . فإن ابن الصلاح لم يحك فيه خلافا . وحكاه الأصوليون ، فذهب القاضي أبو بكر إلى رد روايته مطلقا ، كالكافر المخالف ، [ ص: 360 ] والمسلم الفاسق . ونقله السيف الآمدي عن الأكثرين وبه جزم أبو عمرو بن الحاجب . وقال صاحب المحصول : الحق أنه إن اعتقد حرمة الكذب ، قبلنا روايته ، وإلا فلا; لأن اعتقاد حرمة الكذب يمنعه منه ، والله أعلم .




الخدمات العلمية