الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        المسألة السابعة : سبق أن المؤلي من علق بالوطء مانعا منه ، من حنث في يمين ، أو عتق أو طلاق ونحوها ، فلو لم يتعلق الحنث بالوطء ، بل كان مقربا منه ، فقولان ، المشهور وهو الجديد ، وأخرى قولي القديم : لا يكون مؤليا . والثاني من قولي القديم : يكون مؤليا ، فإذا قال لأربع نسوة : والله لا أجامعكن ، لم يحنث إلا بجماعهن كلهن ، وإذا وطأهن ، لزمه كفارة واحدة ، لأن اليمين واحدة . ولو مات بعضهن قبل الوطء ، انحلت اليمين ، لأنه تحقق امتناع الحنث ، ولا نظر إلى تصور الإيلاج بعد الموت ، فإن اسم الوطء يقع [ ص: 238 ] مطلقه على ما في الحياة . وقيل : إن البر والحنث ، يتعلقان بوطء الميتة . وأشار بعضهم إلى وجه فارق بين ما قبل الدفن وبعده ، ولا أثر لموت بعضهن بعد الوطء ، قال الإمام : والذي أراه أن الوطء في الدبر كهو في القبل في حصول الحنث .

                                                                                                                                                                        قلت : هذا الذي قاله الإمام متفق عليه ، صرح به جماعات من أصحابنا ، وقد نقله صاحب " الحاوي " و " البيان " عن الأصحاب في القاعدة التي قدمتها ، أن الأصحاب قالوا : الوطء في الدبر كهو في القبل ، إلا في سبعة أحكام أو خمسة ، ليست اليمين منها . - والله أعلم .

                                                                                                                                                                        ولو طلقهن أو بعضهن قبل الوطء ، لم تنحل اليمين ، بل تجب الكفارة بالوطء بعد البينونة وإن كان زنا ، هذا حكم اليمين ، وأما الإيلاء ، ففيه طرق ، المذهب منها : لا يكون مؤليا في الحال ، فإن وطئ ثلاثا منهن ، صار مؤليا من الرابعة .

                                                                                                                                                                        وفي قول : يكون مؤليا من الجميع في الحال . فعلى المذهب : لو مات بعضهن قبل الوطء ، ارتفع حكم الإيلاء على الصحيح ، لحصول اليأس من الحنث . ولو مات بعضهن بعد الوطء ، لم يرتفع ، ولو طلق بعضهن قبل الوطء أو بعده ، فكذلك ، حتى لو أبان ثلاثا منهن ووطأهن في البينونة زانيا ، صار مؤليا من الباقية . ولو أبان واحدة قبل الوطء ، ووطئ الثلاث في النكاح ، ثم نكح المطلقة ، ففي عود الإيلاء قولا عود الحنث ، وحكم اليمين باق قطعا ، حتى لو وطئها ، لزمه الكفارة .

                                                                                                                                                                        وإذا قلنا بالضعيف : إنه مؤل في الحال ، ضربنا المدة ، ولجميعهن المطالبة بعد المدة . فإن وطأهن أو طلقهن ، تخلص من الإيلاء ، وإن وطئ بعضهن ، ارتفع الإيلاء في حق من وطئها ، ولا يرتفع في حق المطلقة ، بل إذا راجعها ضربت المدة ثانيا .

                                                                                                                                                                        [ ص: 239 ] فرع

                                                                                                                                                                        قال للنسوة الأربع : والله لا أجامع كل واحدة منكن ، قال الأصحاب : يكون مؤليا من كل واحدة ، ويتعلق بوطء كل واحدة الحنث ولزوم الكفارة ، قالوا : تضرب المدة في الحال ، فإذا مضت ، فلكل واحدة المطالبة بالفيأة أو الطلاق ، فإن طلقهن ، سقطت المطالبة ، فإن راجعهن ، ضربت المدة ثانيا ، وإن طلق بعضهن ، فالباقيات على مطالبتهن .

                                                                                                                                                                        وإن وطئ إحداهن ، انحلت اليمين في حق الباقيات ، وارتفع الإيلاء فيهن على الأصح عند الأكثرين . وقيل : لا تنحل ولا ترتفع ، وجعلوا على هذا الخلاف ما لو قال : والله لا كلمت واحدا من هذين الرجلين ونظائره ، هذا كلام الأصحاب ، ولك أن تقول : إن أراد بقوله : لا أجامع كل واحدة تخصيص كل واحدة بالإيلاء على وجه لا يتعلق بصواحبها ، فالوجه بقاء الإيلاء في الباقيات ، وإلا فينبغي أن يكون حكم هذه الصورة حكم قوله : والله لا أجامعكن على ما سبق .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        قال : والله لا أجامع واحدة منكن ، فله ثلاثة أحوال .

                                                                                                                                                                        أحدها : أن يريد الامتناع عن كل واحدة ، فيكون مؤليا منهن كلهن ، ولهن المطالبة بعد المدة ، فإن طلق بعضهن ، بقي الإيلاء في حق الباقيات ، وإن وطئ بعضهن ، حصل الحنث ، لأنه خالف قوله : لا أطأ واحدة منكن ، وتنحل اليمين ، ويرتفع الإيلاء في حق الباقيات .

                                                                                                                                                                        الحال الثاني : أن يقول : أردت الامتناع عن واحدة منهن لا غير ، فيقبل قوله ، لاحتمال اللفظ . وقال الشيخ أبو حامد : لا يقبل ، للتهمة ، والصحيح الأول ، ثم قد يريد معينة ، وقد يريد مبهمة ، فإن أراد معينة ، فهو مؤل منها ، ويؤمر بالبيان كما في الطلاق ، فإذا بين ، وصدقه الباقيات ، فذاك ، فإن ادعت غير [ ص: 240 ] المعينة أنه أرادها ، وأنكر ، صدق بيمينه ، فإن نكل ، حلفت المدعية ، وحكم بأنه مؤل منها أيضا ، فلو أقر في جواب الثانية أنه نواها ، وأخذناه بموجب الإقرارين ، وطالبناه بالفيأة أو الطلاق ، ولا يقبل رجوعه عن الأولى ، وإذا وطأهما في صورة إقراره ، تعددت الكفارة ، وإن وطأهما في صورة نكوله ويمين المدعية لم تتعدد الكفارة ، لأن يمينها لا تصلح لإلزامه الكفارة .

                                                                                                                                                                        ولو ادعت واحدة أولا ، أنك أردتني ، فقال : ما أردتك أو ما آليت منك ، وأجاب بمثله الثانية والثالثة ، تعينت الرابعة للإيلاء ، وإن أراد واحدة مبهمة ، أمر بالتعيين . وقال السرخسي : ويكون مؤليا من إحداهن لا على التعيين ، فإذا عين واحدة ، لم يكن لغيرها المنازعة ، ويكون ابتداء المدة من وقت اليمين ، أم من وقت التعيين ؟ وجهان بناء على الخلاف في الطلاق المبهم إذا عينه ، هل يقع من اللفظ أم من التعيين ؟ وإن لم يعين ، ومضت أربعة أشهر فقالوا : تطالب إذا طلبن بالفيأة أو الطلاق ، وإنما يعتبر طلبهن كلهن ليكون طلب المؤلي منها حاصلا ، فإن امتنع ، طلق القاضي واحدة على الإبهام ، ومنع منهن إلى أن يعين المطلقة ، وإن فاء إلى واحدة أو ثنتين ، أو ثلاث ، أو طلق ، لم يخرج عن موجب الإيلاء . وإن قال : طلقت التي آليت منها ، خرج عن موجب الإيلاء ، لكن المطلقة مبهمة ، فعليه التعيين ، هذا هو المذهب في الحال الذي نحن فيه ، ووراءه شيئان . أحدهما : قال المتولي : إذا قال : أردت مبهمة ، قال عامة الأصحاب : تضرب المدة في حق الجميع ، فإذا مضت ، ضيق الأمر عليه في حق من طالب منهن ، لأنه ما من امرأة إلا ويجوز أن يعين الإيلاء فيها ، وظاهر هذا أنه مؤل من جميعهن ، وهو بعيد . الثاني : حكى الغزالي وجها ، أنه لا يكون مؤليا من واحدة منهن ، حتى يبين إن أراد معينة ، أو يعين إن أراد مبهمة ، لأن قصد الإضرار حينئذ يتحقق .

                                                                                                                                                                        وحكى الإمام هذا الوجه عن الشيخ أبي علي على غير هذه الصورة ، فقال : روى وجها : أنه إذا قال : أردت واحدة ، لا يؤمر بالبيان ، ولا بالتعيين ، بخلاف إبهام الطلاق ، لأن المطلقة خارجة عن النكاح ، فإمساكها منكر ، بخلاف الإيلاء .

                                                                                                                                                                        [ ص: 241 ] الحال الثالث : أن يطلق اللفظ ، فلا ينوي تعميما ولا تخصيصا ، فهل يحمل على التعميم ، أم على التخصيص بواحدة ؟ وجهان . أصحهما : الأول ، وبه قطع البغوي وغيره .

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية