الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        الحالة الثانية : إذا طرأ الموت قبل البيان أو التعيين ، ففيه صورتان :

                                                                                                                                                                        [ ص: 109 ] إحداهما : أن تموت الزوجتان أو إحداهما ، ويبقى الزوج ، فتبقى المطالبة بالبيان أو التعيين . وقيل : إذا ماتتا ، سقط التعيين ، وإن ماتت إحداهما ، تعين الطلاق في الأخرى ، ونسب هذا إلى الشيخ أبي محمد وهو بعيد ، والصواب : الأول ، ويوقف له من تركة كل واحدة ميراث زوج ، حتى يبين أو يعين ، فإذا بين أو عين ، لم يرث من المطلقة إن كان الطلاق بائنا ، سواء قلنا : يقع الطلاق عند اللفظ أو عند التعيين ، ويرث من الأخرى ، ثم إن نوى معينة ، فبين ، وقال ورثة الأخرى : هي التي أردتها ، فلهم تحليفه ، فإن حلف فذاك ، وإن نكل ، حلفوا ومنع ميراثها أيضا . وإن لم ينو معينة ، وعين ، لم يتوجه لورثة الأخرى دعوى ، لأن التعيين إلى اختياره . وقال الشيخ أبو محمد تفريعا على ما اختاره : يرث من كل واحدة ميراث زوج وهو ضعيف .

                                                                                                                                                                        قال ابن كج : وإذا حلفه ورثة الأخرى التي عينها للنكاح ، أخذوا جميع المهر إن كان بعد الدخول ، وإلا أخذوا نصفه وفي النصف الثاني ، وجهان ، أحدهما : يأخذونه أيضا عملا بتصديقه ، والثاني : لا ، لأنها مطلقة قبل الدخول بزعمهم ، ولو كذبه ورثة التي عينها للطلاق وغرضهم استقرار جميع المهر إذا كان قبل الدخول ، فلهم تحليفه وهم مقرون له بإرث لا يدعيه .

                                                                                                                                                                        الصورة الثانية : أن يموت الزوج قبل البيان أو التعيين ، ففي قيام الوارث مقامه في البيان والتعيين قولان ، وقيل : يقوم في البيان قطعا ، والقولان في التعيين ، وقيل : لا يقوم في التعيين والقولان في البيان ، لأنه إخبار يمكن الاطلاع عليه ، بخلاف التعيين ، فإنه اختيار شهوة ، فلا يحلفه الوارث ، كما لو أسلم على أكثر من أربع نسوة ومات ، وقال القفال : إن مات والزوجتان حيتان ، لم يقم الوارث قطعا لا في البيان ولا في التعيين ، إذ لا غرض له في ذلك ، فإن الإرث لا يختلف بزوجة وزوجتين ، وإن ماتت إحداهما ، ثم الزوج ، ثم الأخرى ، وعين [ ص: 110 ] الوارث الأولى للطلاق ، قبل قوله قطعا ، لأنه يضر نفسه ، وإن عين الأولى للنكاح ، أو مات الزوج وقد ماتتا ، ففيه القولان ، ثم يعود الترتيب المذكور في البيان والتعيين ، والأظهر حيث ثبت قولان : أنه يقوم ، وحيث اختلف في إثبات القولين ، المنع .

                                                                                                                                                                        فإذا قلنا : لا يقوم ، أو قلنا : يقوم فقال : لا أعلم ، فإن مات الزوج قبلهما ، وقف ميراث زوجة بينهما حتى يصطلحا ، أو يصطلح ورثتهما بعد موتهما ، وإن ماتتا قبل موت الزوج ، وقف من تركتهما ميراث زوج ، وإن توسط موته بينهم ، وقف من تركة الأولى ميراث زوج ، ومن تركة الزوج ميراث زوجة ، حتى يحصل الاصطلاح .

                                                                                                                                                                        وإن قلنا : لا يقوم ، أو قلنا : يقوم الوارث مقامه ، فإن مات الزوج قبلهما ، فتعين الوارث كتعينه وإن مات بعدهما ، فإذا بين الوارث واحدة ، فلورثة الأخرى تحليفه أنه لا يعلم أن الزوج طلق مورثتهم ، وإن توسط موته بينهما ، فبين الوارث الطلاق في الأولى قبلناه ، ولم نحلفه لأنه ضر نفسه ، وإن بين في المتأخرة ، فلورثة الأولى تحليفه أنه لا يعلم أن مورثه طلقها ، ولورثة الثانية تحليفه على البت أنه طلقها .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        شهد اثنان من ورثة الزوج ، أن المطلقة فلانة ، فيقبل شهادتهما إن مات الزوج قبل الزوجتين لعدم التهمة ، ولا يقبل إن ماتتا قبله ، وإن توسط موته ، نظر إن شهدا بالطلاق للأولى قبل وإلا فلا .

                                                                                                                                                                        [ ص: 111 ] فصل

                                                                                                                                                                        قال : إن كان هذا الطائر غرابا ، فعبدي حر ، وإن لم يكن ، فزوجتي طالق ، أو دخل جماعة ، فقال : إن كان أول من دخل زيد ، فعبدي حر ، وإلا فزوجتي طالق ، وأشكل الحال ، ففي وجه حكاه ابن القطان : يقرع بين العبد والزوجة ، كما إذا مات الحالف ، فإن خرجت قرعة العبد ، ثم قال : تبينت أن الحنث كان في الزوجة ، لم ينقض العتق ، وحكم بالطلاق أيضا ، والصحيح الذي قطع به الجمهور ، أنه لا يقرع ما دام الحالف حيا لتوقع البيان ، لكن يمنع من الاستمتاع بالزوجة ، واستخدام العبد ، والتصرف فيه ، وعليه نفقة الزوجة إلى البيان ، وكذا نفقة العبد على الأصح . وقيل : يؤجره الحاكم ، وينفق عليه من أجرته . فإن فضل شيء ، حفظه حتى يبين الحال . وإذا قال الزوج : حنثت في الطلاق ، طلقت . فإن صدقه العبد ، فذاك ولا يمين عليه على الصحيح ، وحكى الحناطي وجها ، أنه يحلف لما فيه من حق الله تعالى ، وإن كذبه وادعى العتق ، صدق السيد بيمينه ، فإن نكل ، حلف العبد ، وحكم بعتقه ، وإن قال : حنثت في العتق ، عتق العبد ، ثم إن صدقته المرأة ، فلا يمين ، وفيه الوجه المذكور ، وإن كذبته ، حلف ، فإن نكل ، حلفت وحكم بطلاقها . وقوله : لم أحنث في يمين العبد ، في جواب دعواه ، وفي غير الجواب كقوله : حنثت في يمين العبد ، ولو قال : لا أعلم في أيهما حنثت ، ففي " الشامل " وغيره ، أنهما إن صدقاه ، بقي الأمر موقوفا ، وإن كذباه ، حلف على نفي العلم ، فإن حلف ، فالأمر موقوف ، وإن نكل ، حلف المدعي منهما وقضى بما ادعاه .

                                                                                                                                                                        وإن ادعى أحدهما أنه حنث في يمينه ، فقال في جوابه : لا أدري ، لم يكن إقرارا بالحنث في الآخر ، فإن عرضت عليه اليمين فحلف على نفي ما يدعيه ، كان مقرا بالحنث في الآخر . وإن كان التعليق لطلاق نسوة ، وادعين الحنث [ ص: 112 ] ونكل عن اليمين ، فحلف بعضهن دون بعض ، حكم بطلاق من حلف دون من لم يحلف . ولو ادعت واحدة ، ونكل عن اليمين ، فحلفت ، حكم بطلاقها ، وله أن يحلف إذا ادعت أخرى ، ولا يجعل نكوله في واحدة نكولا في غيرها .

                                                                                                                                                                        واعلم أن ما سبق من الأمر بالبيان أو التعيين ، والحبس والتعزير عند الامتناع ، قد أشاروا إلى مثله هنا ، لكن إذا قلنا : إنه إذا قال : لا أدري ، يحلف عليه ويقنع منه بذلك ، يكون التضييق إلى أن يبين أو يقول : لا أدري ، ويحلف عليه ، وهكذا ينبغي أن يكون الحكم في إبهام الطلاق بين الزوجتين .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        إذا مات الزوج قبل البيان ، ففي قيام الوارث مقامه طريقان ، أحدهما : على الخلاف السابق في الطلاق المبهم بين الزوجتين ، والثاني : القطع بأنه لا يقوم ، للتهمة في إخباره بالحنث في الطلاق ليرق العبد ويسقط إرث الزوجة ، ولأن للقرعة مدخلا في العتق ، وسواء ثبت الخلاف أم لا ، فالمذهب أنه لا يقوم . قال السرخسي في " الأمالي " : هذا الخلاف إذا قال الوارث : حنثت في الزوجة ، فإن عكس ، قبل قطعا لإضراره بنفسه وهذا حسن .

                                                                                                                                                                        قلت : قد قاله أيضا غير السرخسي ، وهو متعين . والله أعلم .

                                                                                                                                                                        فإن لم يعتبر قول الوارث ، أو قال : لا أعلم ، أقرعنا بين العبد والمرأة ، فإن خرجت على العبد ، عتق ويكون عتقه من الثلث إن كان التعليق في مرض الموت ، وترث المرأة إلا إذا كانت قد ادعت الحنث في يمينها وكان الطلاق بائنا . وإن خرجت القرعة على المرأة ، لم تطلق ، لكن الورع أن تترك الميراث ، [ ص: 113 ] وهل يرق العبد ؟ وجهان : أحدهما : نعم ، فيتصرف فيه الوارث كيف شاء . وأصحهما : لا ، لأن القرعة لم تؤثر فيما خرجت عليه ، فغيره كذلك ، وعلى هذا ، يبقى الإبهام كما كان . وقال ابن أبي هريرة : لا نزال نعيد القرعة حتى تخرج على العبد ، قال الإمام : هذا القول غلط يجب إخراج قائله من أحزاب الفقهاء ، وينبغي لقائله أن يقطع بعتق العبد ، ويترك تضييع الزمان بالقرعة . فالصواب بقاء الإبهام ، وإن اعتبرنا قول الوارث فقال : الحنث في العبد ، عتق وورثت الزوجة ، وإن عكس ، فللمرأة تحليفه على البت ، وللعبد أن يدعي العتق ، ويحلفه أنه لا يعلم حنث مورثه فيه .

                                                                                                                                                                        ونقل الحناطي وجها عن ابن سريج ، أنه إذا لم يبين الورثة وقف حتى يموتوا ، ويخلفهم آخرون ، وهكذا إلى أن يحصل بيان ، ووجها ، أن الوارث إذا لم يبين حكم عليه بالعتق والطلاق ، وهذان ضعيفان ، والصواب الذي عليه الأصحاب ، ما تقدم وهو الإقراع إذا لم يبين ، وبالله التوفيق .

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية