الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        المسألة الثامنة : قال : والله لا أجامعك سنة إلا مرة ، فقولان ، أظهرهما وهو الجديد ، وأحد قولي القديم : لا يكون مؤليا في الحال ، لأنه لا يلزمه بالوطء الأول شيء ، فإن وطئها ، نظر ، إن بقي من‌ السنة أكثر من أربعة أشهر ، فهو مؤل من يومئذ ، وإن بقي أربعة فأقل ، فهو حالف وليس بمؤل ، والقول الثاني : يكون مؤليا في الحال ، فيطالب به بعد مضي المدة . فإن وطئ ، فلا شيء عليه ، لأن الوطأة الأولى مستثناة ، وتضرب المدة ثانيا إن بقي من السنة مدة الإيلاء ، وعلى هذا القياس لو قال : لا أجامعك إلا عشر مرات ، أو عددا آخر ، فعلى الأظهر : لا يكون مؤليا في الحال ، وإنما يكون مؤليا إذا وطئ ذلك العدد وبقي من السنة مدة الإيلاء ، وعلى الضعيف : يكون مؤليا في الحال ، ولو قال : إن أصبتك ، فوالله لا أصبتك ، فقيل : بإجراء القولين في كونه مؤليا في الحال ، والمذهب : القطع بالمنع .

                                                                                                                                                                        والفرق أن هناك عقد اليمين في الحال ، واستثنى وطأة ، وهنا اليمين غير منعقد في الحال ، وإنما ينعقد إذا أصابها ، وإثبات الإيلاء قبل اليمين ممتنع ، ويجري الخلاف فيما لو قال : إن وطئتك ، فوالله لا دخلت الدار .

                                                                                                                                                                        ولو قال : والله لا أجامعك سنة إلا يوما ، فهو كقوله : إلا مرة . ولو قال : لا أجامعك في السنة إلا مرة ، فتعريف السنة بالألف واللام يقتضي السنة العربية التي هو فيها ، فإن بقي منها مدة الإيلاء ، ففيه القولان ، كما لو قال : سنة ، وإلا فلا إيلاء قطعا .

                                                                                                                                                                        [ ص: 242 ] فرع

                                                                                                                                                                        قال : لا أجامعك سنة إلا مرة ، فمضت سنة ولم يطأ ، فهل تلزمه كفارة لاقتضاء اللفظ الوطء ، أم لا ، لأن المقصود منع الزيادة ؟ وجهان حكاهما ابن كج .

                                                                                                                                                                        قلت : أصحهما : لا كفارة . - والله أعلم .

                                                                                                                                                                        فلو وطئ في هذه الصورة ، ونزع ، ثم أولج ثانيا ، لزمه كفارة بالإيلاج الثاني ، لأنه وطء جديد ، هذا هو الصحيح ، وفي وجه : لا كفارة ، لأنه وطء واحد عند أهل العرف .

                                                                                                                                                                        فصل

                                                                                                                                                                        قال : والله لا جامعتك ، ثم قال لضرتها : أشركتك معها ، أو أنت شريكتها أو مثلها ، ونوى الإيلاء ، لم يصر مؤليا من الثانية ، لأن اليمين إنما تكون باسم الله تعالى أو صفته ، حتى لو قال به : لأفعلن كذا ، وقال : أردت بالله تعالى ، لم ينعقد يمينه ، ولو ظاهر منها ثم قال للضرة : أشركتك معها ، صار مظاهرا من الثانية أيضا على الأصح .

                                                                                                                                                                        وإن آلى منها بالتزام طلاق أو عتاق ، وقال للضرة : أشركتك معها ، سألناه ، فإن قال : أردت أن الأولى لا تطلق إلا إذا أصبت الثانية مع إصابة الأولى وجعلتها شريكتها في كون إصابتها شرطا لطلاق الأولى ، لم يقبل . وإذا وطئ الأولى ، طلقت ، وإن قال : أردت أني إذا أصبت الأولى طلقت الثانية أيضا ، قبل ، لأن الطلاق يقع بالكناية ، فإذا وطئ الأولى ، طلقتا ، وفي الحالتين لا يكون مؤليا من الثانية .

                                                                                                                                                                        وإن قال : أردت تعليق طلاق الثانية بوطئها بنفسها ، كما علقت طلاق الأولى بوطئها ، ففي صحة هذا التشريك وجهان . أصحهما : الصحة ، وبه قال الشيخ أبو حامد ، والقاضي أبو الطيب وغيرهما ، فعلى هذا ، يكون مؤليا من الثانية ، إذا قلنا : ينعقد الإيلاء بغير اسم الله تعالى ، ويجري [ ص: 243 ] هذا التفصيل ، فيما لو علق طلاق امرأة بدخول الدار وسائر الصفات ، ثم قال لأخرى : أشركتك معها ، ولو قال : إن دخلت الدار ، فأنت طالق ، لا بل هذه ، وأشار إلى امرأة أخرى ، فإن قصد أن يطلق الثانية إذا دخلت الأولى الدار ، طلقتا جميعا بدخول الأولى ، سواء قصد ضم الثانية إلى الأولى ، أو قصد طلاق الثانية عند دخول الأولى . وإن قال : أردت تعليق طلاق الثانية بدخول نفسها ، ففي قبوله وجهان ، كما ذكرنا في لفظ الإشراك في اليمين .

                                                                                                                                                                        واختار القفال منهما : أنه لا يقبل ، ويحمل على تعليق طلاقها بدخول الأولى ، حتى إذا دخلت ، طلقتا جميعا . قال : ولو علق طلاق واحدة بدخول الدار ، وقال لأخرى : أشركتك معها ، وقلنا : لا يصح التشريك ، لم تطلق بدخول الدار .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        قال رجل لآخر : يميني في يمينك ، قال البغوي وغيره : إن أراد أنه إذا حلف الآخر صرت حالفا ، لم يصر حالفا بحلف الآخر ، سواء حلف بالله تعالى أم بالطلاق .

                                                                                                                                                                        وإن كان الآخر قد طلق زوجته ، أو حنث في يمين الطلاق ، فقال : أردت أن امرأتي طالق كامرأته ، طلقت : وإن أراد متى طلق امرأته طلقت امرأتي ، فإذا طلق الآخر ، طلقت هذه .

                                                                                                                                                                        فصل

                                                                                                                                                                        ذكرنا في كتاب الطلاق ، أنه إذا قال : أنت علي حرام ، ونوى الطلاق ، أو الظهار ، وقع ما نوى ، وأنه لو نوى تحريم عينها ، لزمه كفارة يمين . وأن الصحيح وجوب تلك الكفارة في الحال . وفي وجه : إنما يجب إذا وطئها ، وأنه على هذا الوجه يكون مؤليا ، وأنه لو قال : أردت به الامتناع من الوطء ، ففي قبوله وجهان . أحدهما : يكون مؤليا في الحال ، وأصحهما : لا يكون مؤليا ، لأن اليمين بالله تعالى لا تنعقد إلا باسم معظم ، فعلى هذا يلزمه الكفارة [ ص: 244 ] في الحال إذا قلنا : إن مطلق هذه اللفظة يوجبها . ولو قال : أردت بقولي : أنت علي حرام إن وطئتك ، فأنت علي حرام ، لم يقبل منه على المذهب ، وبه قطع الجمهور ، لأنه يريد تأخير الكفارة ، وهذا اللفظ يقتضي وجوبها في الحال . وفي " التتمة " أنه مبني على أن للإمام أن يأمره بإخراج الكفارة ، فأما إن قلنا : ليس له الأمر بإخراج الكفارة ، فلا يتعرض له .

                                                                                                                                                                        ورأى صاحب " الشامل " و " التتمة " ، أن يؤاخذ بموجب الإيلاء لإقراره بأنه مؤل .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        قال : إن جامعتك ، فأنت علي حرام ، فإن أراد الطلاق أو الظهار ، كان مؤليا إذا فرعنا على الجديد ، وإن أراد تحريم عينها ، أو طلق وقلنا : مطلقه يوجب الكفارة ، فمؤل ، وإن قلنا : لا يوجبها ، فلا .

                                                                                                                                                                        فصل

                                                                                                                                                                        الإيلاء يقبل التعليق ، فإذا قال : إن دخلت الدار ، فوالله لا أجامعك ، صار مؤليا عند دخول الدار . ولو قال : والله لا أجامعك إن شئت ، وأراد تعليق الإيلاء بمشيئتها ، اشترط في كونه مؤليا مشيئتها ، وتعتبر مشيئتها على الفور على الأصح ، كما يعتبر في الطلاق على الفور على المذهب ، وإنما اختلف الترجيح ، لأن الطلاق في معنى التمليك ، فتأكد اشتراط الفور كالبيع ، ولو علق لا على سبيل خطابها ، بأن قال : والله لا أجامع زوجتي إن شاءت ، أو قال لأجنبي : والله لا أجامع زوجتي إن شئت ، لم يعتبر الفور على الأصح . ولو قال : إن شاء فلان ، أو قال لها : متى شئت ، لم يعتبر الفور قطعا ، وكل هذا كما سبق في الطلاق .

                                                                                                                                                                        فأما إذا أراد تعليق فعل الوطء بمشيئتها ، كأنه قال : لا أجامعك إن شئت أن لا أجامعك ، فلا يكون مؤليا ، كما لو قال : لا أجامعك إلا برضاك ، لأنها متى رغبت فوطئها لا يلزمه شيء . قال الإمام : ولو قال : لا أجامعك متى شئت ، [ ص: 245 ] وأراد أني أجامعك إذا أردت أنا ، لم يكن مؤليا ، لأنه تصريح بمقتضى الشرع ، قال : فإن أطلق ، ففي تنزيله على تعليق الإيلاء وجهان . ولو قال : لا أجامعك إلا أن تشائي ، أو ما لم تشائي ، وأراد الاستثناء عن اليمين ، أو تعليقها ، ففي " التهذيب " وغيره ، أنه يكون مؤليا ، لأنه حلف وعلق رفع اليمين بالمشيئة .

                                                                                                                                                                        فإن شاءت أن يجامعها على الفور ، ارتفع الإيلاء ، وإن لم تشأ أو شاءت بعد وقت المشيئة ، فالإيلاء بحاله ، وكذا الحكم لو قال : لا أجامعك حتى يشاء زيد ، فإن شاء أن يجامعها قبل مدة الإيلاء أو بعدها ، ارتفعت اليمين ، وإن لم يشأ المجامعة حتى مضت مدة الإيلاء ، سواء شاء أن لا يجامعها ، أم لم يشأ شيئا ، فهل يكون مؤليا لحصول الإضرار في المدة ؟ فيه وجهان سيأتيان إن شاء الله تعالى في نظائرها .

                                                                                                                                                                        وإن مات زيد قبل المشيئة ، صار مؤليا ، ثم إن قلنا : في حال حياته إذا مضت المدة بلا مشيئة يجعل مؤليا ، فهنا تحسب المدة من وقت اللفظ ، فإن مات زيد بعد تمامها ، توجهت المطالبة في الحلال . وإن قلنا هناك : لا يجعل مؤليا ، ضربت المدة من وقت الموت . ولو قال : لا أجامعك إن شئت أن أجامعك ، فإنما يصير مؤليا إذا شاءت أن يجامعها . وفي اعتبار الفور ، ما سبق ، وإذا أطلق قوله : إن شئت ، حملناه على عدم مشيئته المجامعة ، كما سبق ، لأنه السابق إلى الفهم .

                                                                                                                                                                        فصل

                                                                                                                                                                        سواء في الإيلاء حالة الرضى والغضب .

                                                                                                                                                                        فصل

                                                                                                                                                                        قال : إن وطئتك فأنا زان ، أو فأنت زانية ، لم يكن مؤليا ، ولا يصير بوطئها قاذفا . قال السرخسي : ويلزمه التعزير ، كما لو قال : المسلمون كلهم زناة ، ولزوم التعزير لا يجعله مؤليا ، لأنه يتعلق بنفس اللفظ .

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية