الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        فصل

                                                                                                                                                                        علق بقذف زيد ، طلقت بقذفه حيا أو ميتا ، فلو قال : إن قذفت فلانا في المسجد فأنت طالق ، فالمعتبر كون القاذف في المسجد . ولو قال : إن قتلته في المسجد ، اشترط كون المقتول في المسجد ، والفرق أن قرينة الحال تشعر بأن المقصود الامتناع مما يهتك [ حرمة ] المسجد ، وهتك الحرمة إنما تحصل إذا كان القاذف والمقتول فيه دون عكسه ، فإن قال : أردت العكس ، قبل منه في الظاهر على الأصح . ولو قال : إن قذفت أو قتلت فلانا في الدار ، سئل عما أراد .

                                                                                                                                                                        فصل

                                                                                                                                                                        قال : إن رأيت زيدا فأنت طالق ، فرأته حيا أو ميتا أو نائما ، طلقت وإن كان الرائي أو المرئي مجنونا أو سكران ، ثم يكفي رؤية شيء من بدنه وإن قل ، وقيل : يعتبر الوجه . ولو كان كله مستورا بثوب ، أو رأته في المنام لم تطلق ، ولو رأته وهو في ماء صاف لا يمنع الرؤية أو من وراء زجاج شفاف ، طلقت على الصحيح . ولو نظرت في المرآة أو في الماء فرأت صورته ، لم تطلق ، وفيه احتمال ضعيف للإمام . ولو قال للعمياء : إن رأيت زيدا فأنت طالق ، قال الإمام : الصحيح أن الطلاق معلق بمستحيل ، فلا يقع ، وفي وجه : يحمل على اجتماعهما في مجلس ، لأن الأعمى يقول : رأيت اليوم زيدا ، ويريد الحضور عنده .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        علق برؤيته أو رؤيتها الهلال ، فهو محمول على العلم ، فرؤية غير المعلق برؤيته

                                                                                                                                                                        [ كرؤيته ] وتمام العدد كرؤيته ، فيقع الطلاق به وإن لم ير الهلال .

                                                                                                                                                                        [ ص: 191 ] ولو قال : أردت بالرؤية المعاينة ، دين ويقبل أيضا ظاهرا على الأصح . ولو كان المعلق برؤيته أعمى ، لم يقبل التفسير بالمعاينة في الظاهر على الأصح .

                                                                                                                                                                        وحكى الحناطي فيما إذا أطلق ولم ينو شيئا قولين في وقوع الطلاق برؤية الغير ، هذا كله فيمن علق برؤية الهلال باللغة العربية ، فلو علق بالعجمية ، فعن القفال : أنه يحمل على المعاينة ، سواء فيه البصير والأعمى ، وادعى أن العرف الشرعي في حمل الرؤية على العلم ، لم يثبت إلا في العربية ، ومنع الإمام الفرق بين اللغتين .

                                                                                                                                                                        وفي " التهذيب " وجه : أنه يحمل في حق الأعمى على العلم . وإذا أطلق التعليق برؤية الهلال ، حمل على أول شهر يستقبله ، حتى لو لم ير في الشهر الأول ، انحلت اليمين ، قاله البغوي ، وهو محمول على ما إذا صرح بالمعاينة أو فسر بها وقبلناه . قال البغوي : والرؤية في الليلة الثانية والثالثة ، كهي في الأولى ، ولا أثر لها بعد الثلاث ، لأنه لا يسمى هلالا بعد ثلاث . وفي " المهذب " : أنه لو لم يره حتى صار قمرا ، لم تطلق ، وحكى خلافا فيما يصير به قمرا ، هل هو باستدارته ، أم بأن يبهر ضوءه ؟ قلت : هذا المنقول عن " المهذب " ، مذكور في " الحاوي " ، وفيما تفرع عنه ، والمختار ما ذكره البغوي . - والله أعلم .

                                                                                                                                                                        والمعتبر الرؤية بعد غروب الشمس ، ولا أثر للرؤية قبله .

                                                                                                                                                                        فصل

                                                                                                                                                                        قال : إن كلمت زيدا فأنت طالق ، فكلمته وهو سكران أو مجنون طلقت ، قال ابن الصباغ : يشترط أن يكون السكران بحيث يسمع ويكلم ، وإن كلمته وهو نائم أو مغمى عليه ، أو هذت بكلامه في نومها وإغمائها لم تطلق . ولو كلمته [ ص: 192 ] وهي مجنونة ، قال ابن الصباغ : لا تطلق . وعن القاضي حسين ، أنها تطلق .

                                                                                                                                                                        والظاهر تخريجه على حنث الناسي وأما كلامها في سكرها ، فتطلق به على الأصح ، إلا إذا انتهت إلى السكران الطافح . ولو خفضت صوتها بحيث لا يسمع وهو الهمس ، لم تطلق وإن وقع في سمعه شيء وفهم المقصود اتفاقا ، لأنه لا يقال : كلمته ، ولو نادته من مسافة بعيدة لا يسمع منها الصوت ، لم تطلق ، ولو حملت الريح كلامها ووقع في سمعه ، فقد أشار الإمام إلى تردد فيه ، والمذهب أنها لا تطلق . وإن كانت المسافة بحيث يسمع فيها الصوت ، فلم يسمع لذهول أو شغل طلقت ، فإن لم يسمع لعارض لغط أو ريح ، أو لصمم به ، فوجهان ، أحدهما : تطلق ، وبه أجاب الروياني ، وكذا الإمام والغزالي في صورة اللغط ، وأصحهما عند البغوي : لا طلاق حتى يرتفع الصوت بقدر ما يسمع في مثل تلك المسافة مع ذلك العارض ، فحينئذ يقع وإن لم يسمع ، ورأى الإمام القطع بالوقوع إذا كان اللغط بحيث لو فرض معه الإصغاء لأمكن السماع ، وكذا في تكليم الأصم إذا كان وجهه إليه وعلم أنه يكلمه ، وقطع الحناطي بعدم الوقوع إذا كان الصم بحيث يمنع السماع ، وحكى قولين فيما إذا قال : إن كلمت نائما أو غائبا عن البلد ، هل يقع الطلاق في الحال بناء على الخلاف في التعليق بالمستحيل . ويحتمل أن يقال : لا تطلق حتى تخاطبه مخاطبة المكلمين ، وبنحو منه أجاب القاضي أبو الطيب فيما إذا قال : إن كلمت ميتا أو حمارا .

                                                                                                                                                                        فصل

                                                                                                                                                                        إذا علق الطلاق بفعل شيء ، ففعله وهو مكره ، أو ناس للتعليق ، أو جاهل به ، ففي وقوع الطلاق قولان ، وذكر صاحب " المهذب " والروياني وغيرهما ، أن الأظهر في الأيمان ، أنه لا يحنث الناسي والمكره ، ويشبه أن يكون الطلاق [ ص: 193 ] مثله . وقطع القفال بأنه يقع الطلاق . ولا يخرج على القولين في الأيمان ، لأن التعويل في الأيمان على تعظيم اسم الله تعالى ، والحنث هتك حرمة ، والناسي والمكروه غير منتهك ، والطلاق تعليق بصفة ، وقد وجدت ، والمذهب الأول ، وعليه الجمهور .

                                                                                                                                                                        قلت : قد رجح الرافعي في كتابه المحرر أيضا عدم الحنث في الطلاق واليمين جميعا ، وهو المختار للحديث الحسن : رفع عن أمتي الخطأ والنسيان ، وما استكرهوا عليه . والمختار أنه عام فيعمل بعمومه ، إلا فيما دل دليل على تخصيصه ، كغرامة المتلفات . - والله أعلم .

                                                                                                                                                                        ولو علق بفعل الزوجة ، أو أجنبي ، فإن لم يكن للمعلق بفعله شعور بالتعليق ، ولم يقصد الزوج إعلامه ، أو كان ممن لا يبالي بتعليقه ، بأن علق بقدوم الحجيج أو السلطان ، طلقت بفعله في حالتي النسيان والإكراه على المذهب ، وقيل : إن فعله مكرها ، ففيه القولان ، فكأنه لا فعل له ، وإن كان المعلق بفعله عالما بالتعليق ، وهو ممن يبالي بتعليقه ، وقصد المعلق بالتعليق منعه ، ففعله ناسيا أو مكرها أو جاهلا ، ففيه القولان . ولو قصد منعها من المخالفة فنسيت ، قال الغزالي : لا تطلق قطعا لعدم المخالفة ، ويشبه أن يراعى معنى التعليق ويطرد الخلاف .

                                                                                                                                                                        قلت : الصحيح قول الغزالي ، ويقرب منه عكسه ، وهو أنه لو حلف لا يدخل عمدا ولا ناسيا ، فدخل ناسيا ، فنقل القاضي حسين : أنه يحنث بلا خلاف . - والله أعلم .

                                                                                                                                                                        ولو علق بدخول طفل أو بهيمة أو سنور ، فدخل ، طلقت ، قال الحناطي : ويحتمل المنع ، وإن حصل دخولهم كرها ، لم تطلق ، قال : ويحتمل الوقوع ، إذ لا قصد لهم ، فلا أثر لإكراههم .

                                                                                                                                                                        [ ص: 194 ] قلت : ذكر الإمام الرافعي - رحمه الله - هنا مسائل منثورة كثيرة جدا ، متعلقة بتعليق الطلاق وغيره ، فقدمت منها جملا وفرقتها على مواضع تليق بها مما سبق ، وأذكر هنا باقيها إن شاء الله تعالى . - والله أعلم .

                                                                                                                                                                        قال لأربع نسوة : إن لم أطأ واحدة منكن اليوم ، فصواحبها طوالق ، فإن وطئ واحدة منهن ذلك اليوم ، انحلت اليمين ، وإن لم يطأ واحدة ، طلقت كل واحدة طلقة . وإن قال : أيتكن لم أطأها اليوم ، فإن الأخريات طوالق ، فمضى اليوم ، ولم يطأ واحدة ، طلقن ثلاثا ثلاثا ، وإن وطئ واحدة فقط ، طلقت هي ثلاثا ، لأن لها ثلاث صواحب لم يطأهن ، وطلقت الباقيات طلقتين طلقتين ، لأن لها صاحبتين لم يطأهما ، ولو وطئ امرأتين ، طلقتا طلقتين ، وطلقت الأخريان طلقة طلقة . ولو وطئ ثلاثا طلقن طلقة طلقة ، ولم تطلق الرابعة ، لأنه ليس لها صاحبة غير موطوءة . ولو قال : أيتكن لم أطأها فالأخريات طوالق ، ولم يقيد بوقت ، فجميع العمر وقت له ، فإن مات أو متن قبل الوطء ، طلقت كل واحدة ثلاثا قبيل الموت ، وإن ماتت واحدة والزوج حي ، لم يحكم بطلاق الميتة ، لأنه قد يطأ الباقيات ويطلق الباقيات طلقة طلقة . فلو ماتت ثانية قبل الوطء ، تبينا وقوع طلقة على الأولى قبيل موتها ، وطلقت كل واحدة من الباقيتين طلقة أخرى إن بقيتا في العدة . فإن ماتت الثالثة قبل الوطء ، تبينا وقوع طلقتين على الأوليين قبيل موتهما ، وطلقت الباقية طلقة ثالثة ، فإن ماتت الرابعة قبل الوطء ، تبينا وقوع الثلاث على الجميع .

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية