الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                            مواهب الجليل في شرح مختصر خليل

                                                                                                                            الحطاب - محمد بن محمد بن عبد الرحمن الرعينى

                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                            ص ( فلا تقبل دعواه وإن بصك إلا ببينة أنه بعده )

                                                                                                                            ش : قال في سماع أبي زيد من الشهادات وسئل عن رجل أتى بشاهدين يشهدان أن هذا المدعي أقر عندنا منذ شهرين أن ليس له قبل فلان شيء ولا يدري الشاهدان اللذان شهدا على الحق قبل هؤلاء أم بعد قال أرى أن يقضي بشاهدي المطلوب ابن رشد المعنى أن المطلوب أقر بالعشرين وادعى البراءة منها واستظهر على ما ادعاه بإقرار الطالب أنه لا شيء عنده ، فالطالب يقول إنما أقررت قبل أن تجب العشرون والمطلوب يقول إنما أقررت بعد وجوبها فقيل القول قول المطلوب ، وهو قول ابن القاسم في هذه الرواية ; لأن قوله يقضي بشاهدي المطلوب معناه يقضي بأن [ ص: 234 ] يكون القول قوله من أجل شهادة شاهديه وقيل القول قول الطالب وهو الذي يأتي على قول ابن نافع في سماع يحيى من كتاب الدعوى والصلح ، وهذا إذا كانت بينهما مخالطة ، ولو لم تكن بينهما مخالطة لكان القول قول المطلوب قولا واحدا ولو كان له قبله حق قديم غير هذا لكان القول قول الطالب قولا واحدا بدليل ما في سماع أشهب من الوديعة .

                                                                                                                            وجه الأول أنه لا يشهد أحد بأنه لا حق له عند من يكون له عنده حق ، ووجه الثاني أن الدين وجب على الطالب بإقراره ، فلا يسقط إلا بيقين وهو الأظهر ، وكذلك إذا أقر المطلوب بالعشرين ، وأتى ببراءة منها وقال : هي التي أقررت بها وقال الطالب : غيرها يكون القول قول الطالب إن كان له قبله غيرها والقول قول المطلوب إن لم يكن له غيرها قبله ولا بينهما مخالطة ، ويختلف إن لم يكن له قبله حق وكانت بينهما مخالطة على القولين المذكورين ولسحنون في نوازله من المديان ثالث في المسألة ، وهو تفرقته بين أن يأتي المطلوب ببراءة واحدة تستغرق العدد أو ببراءات متفرقات ، وهو قول ضعيف ، وأما إن كان المطلوب منكرا للعشرين التي قامت عليه البينة بها ، فلا إشكال ولا اختلاف أن القول قول الطالب إذ لا تسقط بينته بأمر محتمل ، وإنما تختلف إذا أتى ببينته أنه قضاه العشرين بعد الإنكار ، وبالله التوفيق انتهى .

                                                                                                                            وقول ابن نافع الذي أشار إليه ابن رشد في سماع يحيى هو في رسم الأقضية ، ونصه وسألت ابن وهب عن الرجل يدعي عليه رجل بمائة دينار ، فيدعي المدعى عليه أنه قضاه مائة دينار وعشرين ويأتي على ذلك بالبينة ولا تشهد البينة على المائة الدينار بعينها أنها دخلت في المائة والعشرين فيقول الطالب إنما لي عليك مائة دينار من ثمن عطر بعتكه وثبت له ذلك بالبينة أو بإقرار المشتري فيقول له الطالب هات البينة إنك قضيتني ثمن العطر بعينه ويقول المشتري قضيتك مائة وعشرين ثمن العطر فيها فهل يبرأ المطلوب بهذه الشهادة وسألت ابن القاسم عنها فقال : يحلف المدعى عليه بالله لقد دخلت المائة دينار ثمن العطر في المائة والعشرين التي قضاه ، ثم لا شيء عليه قال : ولقد بلغني عن بعض العلماء أنه سئل عن رجل ادعى على رجل بألف دينار وأتى بذكر حق ، فأتى المدعى عليه ببراءة من ألفي دينار قال : يحلف المدعى عليه ويبرأ ، وهذا أمر الناس عندنا .

                                                                                                                            قال يحيى : وسألت ابن نافع عن ذلك فقال إن كانت بينهما مخالطة معروفة وملابسة فالبينة على المطلوب أن المائة دينار ثمن العطر دخلت في المائة والعشرين وإلا غرم ; لأن المخالطة التي جرت بينهما تدل على أنه قد عامله في غير العطر قال ابن رشد : سقط جواب ابن وهب في أكثر الكتب وثبت في بعضها ؟ قال نعم فقوله مثل قول ابن القاسم ومثل ما حكي عن بعض العلماء ، وأما قول ابن نافع ، فهو خلاف لهم إذ لا فرق في مذهبهم بين أن يكون بينهما مخالطة أو لا يكون ، القول عندهم قول المطلوب في الوجهين جميعا حتى يأتي الطالب بمن يشهد له أنه كان له عليه دين سواه ولا اختلاف إذا لم تكن بينهما مخالطة أن القول قول المطلوب ، ولا في أنه إذا علم أنه كان له عليه دين غيره في أن القول قول الطالب ، وإنما الخلاف إذا كان بينهما مخالطة وملابسة انتهى . وله في رسم إن خرجت من سماع عيسى من الكتاب المذكور نحو ذلك ونصه وسئل عن رجل كان له على رجل حق منذ عشرين سنة فقام به عليه اليوم فزعم الذي عليه الحق أنه قد قضاه ، فتأتي البينة أنه قد قضاه منذ تسع سنين أو نحوها ويأتي صاحب الحق بالبينة أنه أقر له منذ سنين فبأي الشاهدين يؤخذ قال : يؤخذ بأحدثهما وهي الشهادة على الإقرار .

                                                                                                                            قال ابن رشد : هذا كما قال إن الذي يوجبه الحكم أن يؤخذ بالشهادة على الإقرار ; لأنه لما أقر له بالحق بعد أن قامت البينة على القضاء حمل على أن القضاء إنما كان له من حق [ ص: 235 ] آخر قبله كما لو أقر أنه كان له قبله حق آخر فقضاه فادعى صاحب الحق أنه إنما كان ذلك لحق قديم لكان القول قوله ولو كان أقام البينة على القضاء فادعى صاحب الحق أن القضاء إنما كان ذلك لحق آخر كان له قبله ، وأنكر المطلوب أن يكون له قبله سوى هذا الذي قد قضاه لكان القول قول المطلوب باتفاق ، وإن لم يكن بينهما مخالطة قديمة واختلف إن كان بينهما مخالطة فقيل القول قول الطالب ، وقيل القول قول المطلوب ولسحنون في نوازله من كتاب المديان ثالث انتهى .

                                                                                                                            فعلم من هذا الكلام أنه إذا كان القول قول المطلوب أو الطالب ، فذلك مع يمينه ونص على ذلك أيضا في النوادر في كتاب الدعوى ، والصلح وهو بين واتضح به أيضا قول ابن رشد المتقدم في مسألة كتاب الشهادات ، وهو قوله ولو كان له قبله حق قديم كان القول قول الطالب قولا واحدا وإن كان ذلك لا يدخل في مسألة قيام البينة بالبراءة بل إذا قامت البينة بالبراءة سقط كل ما كان قبلها ولو أقر به كما سيأتي في كلام ابن رشد إن شاء الله . وإنما ذلك في قيام البينة بالقضاء بشيء مخصوص ، فيدعي الطالب أن له عليه حقين وأن الذي ادعاه ، وقامت له به البينة غير الذي شهدت بينة المطلوب بقضائه ، ويدعي المطلوب أنه قضاهما جميعا ، فهذا هو الذي لا خلاف في أن القول قول الطالب يحلف ، ويأخذ حقه ، وهو بين أيضا ، ونص كلام ابن رشد المشار إليه ، وهو في أول رسم من كتاب المديان وسمعت مالكا يقول في الشريكين يتحاسبان فيكتب أحدهما لصاحبه البراءة من آخر حق قبله ، ثم جاء بذكر حق قبله لم يقع في أصل البراءة اسمه فادعى صاحب البراءة أنه قد دخل هو وغيره قال يحلف بالله لقد دخل في حسابنا ، ويبرأ منه ; لأن القوم إذا تحاسبوا دخل أشباه هذا بينهم ، فلو كان من جاء منهم بعد ذلك بذكر حق فيه شهداء أخذ بما فيه لم يتحاسبوا ليبرأ بعضهم من تباعة بعض قال ابن رشد : هذا بين لا إشكال فيه ولا اختلاف ; لأن ذكر الحق الذي قام به الطالب قبل البراءة ، وإذا كان قبلها .

                                                                                                                            فالقول قول المطلوب أنه قد دخل في البراءة ; لأن الحقوق إذا كانت بتواريخ مختلفة ، فالبراءة من شيء منها دليل على البراءة مما قبله ، وهذا من نحو قولهم فيمن أكرى دارا مشاهرة أو مساناة إن دفع كراء شهرا وسنة براءة للدافع مما قبل ذلك ، ومثل ما في رسم الأقضية من سماع أشهب في التخيير والتمليك في الذي يبارئ امرأته ، وهي حامل على أن تكفيه مؤنة الرضاع ، ثم تطلبه بنفقة الحمل فقال : لا شيء عليه ; لأنه يعرف أنه لم يكن يمنعها الرضاع أو يعطيها هذا وإنما الاختلاف إذا قام بذكر حق ، فزعم أنه بعد البراءة ، وزعم المطلوب أنه قبل البراءة ، وأنه دخل فيها ، وذلك على ثلاثة أقوال مضى تحصيلها في سماع أبي زيد من الشهادات انتهى .

                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                            الخدمات العلمية