الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                      ( وقال ) الشيخ ( ومن طولب بأداء حق عليه ) من دين أو غيره ( فطلب إمهالا ) بقدر ما يتمكن فيه من أدائه ( أمهل بقدر ذلك كما تقدم ) في الباب ( في كلامه : لكن إن خاف غريمه منه ) هربا ( احتاط عليه بملازمته أو كفيل ، أو ترسيم عليه ) وتقدم ( وإن ادعى من عليه الدين الإعسار ، وأنه لا شيء معه ) يؤديه في الدين ( فقال المدعي للحاكم : المال معه ، وسأل ) المدعي ( تفتيشه وجب على الحاكم إجابته إلى ذلك ) أي إلى تفتيشه لاحتمال صدق المدعي وعدم المفسدة فيه .

                                                                                                                      ( وإن صدقه ) أي المدين ( غريمه ) في دعوى الإعسار ( لم يحبس ووجب إنظاره ) إلى ميسرة ( ولم تجز ملازمته ) ولا الحجر عليه كما تقدم لقوله تعالى { وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة } .

                                                                                                                      ( وإن أكذبه ) أي أكذب المدعي المدين في دعواه الإعسار ( وكان دينه ) أي مدعي الإعسار ( عن عوض ) مالي ( كالبيع [ ص: 421 ] والقرض ، أو عرف له ) أي للمدين ( مال سابق والغالب بقاء ذلك ) المال الذي عرف ( أو ) كان دينه ( عن غير عوض ، كأرش جناية ، وقيمة متلف ومهر ، أو ضمان أو كفالة أو عوض خلع و ) كان ( أقر أنه مليء حبس ) لأن الأصل بقاء ماله ، وحبسه وسيلة إلى قضاء دينه ( إلا أن يدعي ) المدين ( تلفا ونحوه ) كنفاد ماله ، ويصدقه رب الدين فلا يحبس ( أو يسأل ) المدين ( سؤاله ) أي رب الدين ( ويصدقه ) على أنه معسر ( فلا ) يحبس ، لما تقدم .

                                                                                                                      ( فإن أنكره ) أي أنكر رب الدين إعسار المدين ( وأقام ) رب الدين ( بينة بقدرته ) على وفاء الدين ; حبس لثبوت براءته ( أو حلف رب الدين أنه لا يعلم عسرته ) أي المدين حبس ( أو ) حلف رب الدين ( أنه ) أي المدين ( موسر أو ذو مال ونحوه ) أي نحو ما ذكر بأن حلف مثلا أنه قادر على الوفاء ، ويكون حلفه بحسب جوابه كسائر الدعاوى ( ; حبس ) المدين ، لعدم ثبوت عسرته ( فإن لم يحلف ) رب الدين بعد سؤال المدين حلفه : أنه لا يعلم عسرته ( حلف المدين ) أنه معسر .

                                                                                                                      ( وخلى ) سبيله لأن الأصل عدم المال ( إلا أن يقيم ) رب الدين ( بينة تشهد له ) بما ادعاه من يساره فيحبس المدين ويحتمل أن يكون المعنى : إلا أن يقيم المدين بينة بإعساره فلا يحبس .

                                                                                                                      ( وإن كان الحق عليه ) أي المدين ( ثبت في غير مقابلة مال أخذه ) المدين ( كأرش جناية وقيمة متلف ، ومهر أو ضمان ، وكفالة أو عوض خلع ولم يعرف له ) أي المدين ( مال ) الغالب بقاؤه .

                                                                                                                      ( ولم يقر ) المدين ( أنه مليء حلف ) المدين ( أنه لا مال له وخلى ) سبيله لأن الأصل عدم المال قال ابن المنذر الحبس عقوبة لا نعلم له ذنبا يعاقب به فإن نكل حبس ( فإن شهدت ) بينة ( بنفاد ماله ، أو ) شهدت ( بتلفه ، ولم تشهد ) البينة ( بعسرته حلف ) المدين ( معها ) أي مع البينة ( أنه لا مال له في الباطن ) لأن اليمين على أمر محتمل ، خلاف ما شهدت به البينة ولا يعتبر في البينة إذا شهدت بتلف ماله ، أو نفاده أن تكون ممن تخبر باطن حاله ( وإن شهدت ) البينة للمدين ( بإعسار ، اعتبر فيها ) أي البينة ( أن تكون ممن تخبر باطن حاله لأنها ) أي الشهادة بإعساره ( شهادة على نفي قبلت للحاجة ) لأن الإعسار من الأمور الباطنة التي لا يطلع عليها في الغالب إلا المخالط له .

                                                                                                                      لا يقال : هذه شهادة على نفي فلا تسمع ، كالشهادة على أنه لا دين له لأن الشهادة على النفي لا ترد مطلقا إذ لو شهدت بينة أن هذا وارثه لا وارث له غيره قبلت ولأن هذه الشهادة وإن تضمنت النفي ، فهي [ ص: 422 ] تثبت حالة تظهر وتقف عليها بالمشاهدة بخلاف ما إذا شهدت أنه لا حق له فإن هذا مما لا يوقف عليه ولا يشهد به حالة يتوصل بها إلى معرفة ( ويكتفى فيها ) أي في الشهادة بعسرته ( باثنين ) كالنكاح والرجعة ( ولا يحلف ) مدعي الإعسار ( معها ) أي مع بينته الشاهدة بعسرته ( لأنه تكذيب للبينة ويكفي في الحالين ) أي في حال شهادتها بالتلف وحال شهادتها بالإعسار ( أن تشهد بالتلف ، أو ) أن تشهد ب ( الإعسار ) .

                                                                                                                      وفي التلخيص : لا يكتفى بالشهادة بالإعسار ، بل لا بد من الشهادة بالتلف والإعسار معا .

                                                                                                                      وفي الرعايتين والحاويين والفائق : تشهد بذهابه وإعساره لا أنه لا يملك شيئا ( وتسمع ) البينة بذلك ( قبل حبسه وبعده ، ولو بيوم ) لأن كل بينة جاز سماعها بعد مدة جاز سماعها في الحال كسائر البينات لكن قال في الاختيارات : ليس له إثبات إعساره عند غير من حبسه بلا إذنه وإذا حبست الزوجة زوجها لم يسقط من حقوقه عليها شيء فله إلزامها ملازمة بيته وأن لا تدخله أحدا إلا بإذنه وليس على محبوس قبول ما يبذله غريمه مما عليه منه فيه ولو طلب من زوجته الاستمتاع في الحبس فعليها أن توفيه ذلك قاله الشيخ تقي الدين .

                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                      الخدمات العلمية