الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                فرع

                                                                                                                في التنبيهات : شركة الذمم ثلاثة أضرب :

                                                                                                                [ ص: 29 ] أولها : في شراء شيء بعينه ، فتجوز ، اعتدلا أو اختلفا ، ويتبع كل واحد من ثمن تلك السلعة بقدر نصيبه .

                                                                                                                وثانيها : اشتراكهما في معين على أن يتحمل كل واحد منهما لصاحبه فيجوز مع الاعتدال فقط .

                                                                                                                وثالثها : الشركة على غير معين ، فلا تجوز ; لأنه من باب اضمني ، وأضمنك ، وأسلفني ، وأسلفك . فإن وقعت فالمشترى بينهما ; لأن غير المشتري أذن للمشتري . قاله ابن القاسم ، وقال سحنون : لكل واحد ما اشتراه لفساد العقد . وفي النكت : قيل إذا نزلت فاسدة إنما يكون ما اشتري بينهما إذا تجمعا في شراء ذلك ، وإلا فللمشتري وعهدته عليه . وفي كتاب محمد حمديس : إذا لم تقع عهدة ما ابتاع كل واحد منهما عليهما جميعا ، فربح ما ابتاع كل واحد وضمانه عليه .

                                                                                                                وظاهر الموازية إذا اشتركا بوجوههما بغير مال على أن يشتريا بالدين ، ويبيعا ، وفات ذلك - أن شراء كل واحد بينهما . قال ابن القصار : شركة الوجوه تمتنع ، وقاله الشافعي ، وجوزه أبو حنيفة .

                                                                                                                لنا أن الأصل عدم شرعيتها ، ولأن حقيقة الشركة أن يشتركا في شيء عند العقد إما مال أو بدن ، ولا واحد ، فلا يصح ، ولا يكفي العقد ; لأنهما لو جعلا الربح كله لأحدهما لامتنع . احتج بالقياس على شركة الأبدان ، وبقوله تعالى : ( أوفوا بالعقود ) وبقوله عليه السلام : المؤمنون عند شروطهم . ولأنهما عقدا على الوكالة ، والشراء للآخر ، وذلك جائز حالة الانفراد فيجوز عند الاجتماع .

                                                                                                                والجواب عن الأول : أن البدن ، والصنعة كالعين الموجودة بخلاف الوجوه ، وعن الثاني والثالث : المعارضة بنهيه عليه السلام عن الغرر ، وهذا غرر ، وعن الرابع : تمنع هذه الوكالة على الانفراد ; لأن الذي يشتريه أحدهما يجوز أن يشتريه [ ص: 30 ] الآخر ، ومثل هذا في الوكالة يمتنع ، وإنما يجوز ذلك في الشركة لوجود الرفق المنفي هاهنا .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                في الكتاب : إذا أقعدت صانعا على أن تتقبل عليه المتاع ، ويعمل هو بما رزق الله بينكما نصفان امتنع ، ولا تمتنع الشركة في عمل الأبدان بأن يكون العمل نوعا واحدا في حانوت واحد كالصباغين ، والخياطين ، وإن فضل أحدهما في العمل ; لأنه لا بد من ذلك . ولو اشتركا بغير رأس مال على أن على أحدهما ثلث الصنع ، وله ثلث الكسب ، وعلى الآخر الثلثان ، وله الثلثان صح كالأموال ، وكذلك الجماعة ، وإن احتاجا إلى رأس مال أخرجاه بالسوية ، وعملا جميعا ، فإن أخرج أحدهما ثلث رأس المال ، والآخر الثلثين ويعملان ، والربح نصفان ؛ امتنع لأكل المال بالباطل في ربح الزائد في أحد المالين ، ويجوز إذا استووا في الجميع . ويمتنع لأحدهما الحانوت ، وللآخر الأداة ، أو دابة ، وللآخر رحى إن كانت الإجارة مختلفة لعدم الضرورة . وإن تطاول أحد القصارين بماعون تافه كالقصرية والمدقة جاز ، ويمتنع ما له قدر حتى يشتركا في ملكه ، أو يكريه من الآخر .

                                                                                                                فائدة في التنبيهات : المدقة - بضم الميم والدال - والمدقة - بفتح الدال وكسر الميم - وهي الإرزبة - بكسر الهمزة - التي يدق بها الثياب .

                                                                                                                قال صاحب التنبيهات : يشترط في الشركة التقارب في القدرة ، والمعرفة بذلك العمل ، وقد تأول ما وقع في العتبية من جواز الافتراق بأنهما يتعاونان في الموضعين سواء ، وعلى هذا يكون موافقا للمدونة . وليس المقصود في الموضع الواحد إلا اتفاق نفاق السوق ، ومنافعه . وإذا تباعدا ربما كانت المنفعة لأحدهما فقط فيكون غررا ، وأكلا لمال بالباطل . وعن ابن القاسم المنع إلا بالشركة في الآلة بالكراء من غيرهما ، أو بالملك ، ولا يواجر أحدهما نصف الآلة من الآخر ، وهو يملك الجميع . وظاهر الكتاب جوازه . وفي النكت : الفرق بين شركة الأبدان يشترط اتحاد المكان بخلاف الأموال أنهما إذا افترقا بينهما رابط ، وهو المال ، ولا يضر بخلاف [ ص: 31 ] الافتراق بالأبدان يبتدئ كل واحد بعمله ، فتبطل الشركة . وقوله في المدونة : لا يجوز قصار وحداد ، معناه إلا أن يكونا يتجران بأموالهما بصنعتيهما فيجوز .

                                                                                                                والذي يقعد رجلا في حانوت له ثلاث حالات : أن يقبل صاحب الحانوت المتاع ، وعهدته عليه ، فالغلة له ، والضمان عليه دون الصانع ، وللصانع أجر مثله ، أو الصانع كذلك ، فالغلة له ، ولصاحب الحانوت أجرة حانوته ، ولصاحب الحانوت أيضا أجرة المثل إن كان يتولى الأخذ له على أن الضمان على العامل خاصة ، أو يتقبلان جميعا اشتركا في الغلة ، والضمان ، ويتراجعان في الأجرة .

                                                                                                                قال اللخمي : شركة الأبدان تجوز بخمسة شروط : اتحاد الصنعة ، وتساوي السرعة والإبطاء والجودة والرداءة ، أو يتقاربان ، واتحاد الموضع ، والشركة في الأداة ، وإنما أجيزت للمعاونة . وإذا اختلفت الصنعة انتفت المعاونة ، ويكون كل واحد باع نصف كسبه بنصف كسب صاحبه لغير ضرورة . وكذلك افتراق المكان . وإن اختلطا كان بيع منافع بمنافع ، وهو جائز . فإن كان أحدهما أسرع بالأمر البين جازت على التفاضل على قدر أعمالهما دون المساواة لأكل المال بالباطل . وإن تباينا في الجودة ، وأكثر ما يصنعانه الدنيء جازت ; لأن الأعلى يعمل أدنى ، ولا حكم للقليل ، أو كثرة الأعلى ، أو كل واحد كثيرا امتنعت للغرر . وفي العتبية إجازة افتراق المكان . وقد اختلف في الأصل فيمن استأجر أجيرا على أن يجيئه بالغلة فعلى الجواز يجوز افتراقهما في موضعين ، والصنعة واحدة ، أو مختلفة ; لأن كل واحد باع نصف منافعه على أن يبيعها لمشتريها منه ولا فرق بين استئجاره على أن يجيئه بالغلة بدراهم ، أو بنصف منافعه . وإن اشتركا بأموالهما ، وأحدهما يعمل ، والآخر يخدم ، ويشتري ، ويبيع ، ولا يحسن النسج ، وقيمة العمل والخدمة سواء جاز ، وكذلك بغير رأس مال فيستقبلان العمل ليعمل أحدهما ، ويخدم الآخر ، وتساوت القيمة بخلاف مختلفي الصنعة لعدم مساعدة أحدهما للآخر في عين تلك الصنعة ، ومتى جاء للحائكين شغل عملا جميعا ، وإلا تعطلا جميعا .

                                                                                                                [ ص: 32 ] ولذلك أجيزت في طلب اللؤلؤ ، أحدهما يغوص ، والآخر يغرف ، واشترطا التساوي فيما يخرج . وإن كانت أجرة المخرج أكثر امتنعت إلا على قدر أجرته .

                                                                                                                وإن كانا صباغين ، ورأس المال فيما يصبغان به من نيل أو غيره ، والعمل على جزء واحد نصف أو ثلث جاز . وإن خالفا الأجزاء ، وجعلا العمل نصفين ، وما يصبغان ثلثا وثلثين ، فنصف ما أصابا لصاحب الثلثين ، وثلث لصاحب الثلث ، ويبقى سدس لواحد فيه رأس المال ، والآخر العمل ، فنصف ما أصابا فيه على قدر مالهما فيه من رأس المال والعمل ; لأن ذلك الجزء الفاضل هبة ، أو سلف بشرط الشركة . ومذهب مالك وابن القاسم أن الواهب والمسلف لم يمكن من ذلك لما كانا بشرط أن يصل الآخر معه ، وإذا لم يكن فيه تمكين ، فمصيبته من صاحبه ، وما بيع به له ، ويشارك الآخر بقدر عمله فيه . وقد قيل إن ذلك قبض بما أصابا بينهما بالسواء ، ويرجع صاحب الكثير على صاحبه بمثل ما أسلفه ، أو وهبه ، ولو كان ذلك الزائد ليس على وجه الهبة ، ولا السلف ، وإنما وهبه الربح ، فقال : إن خسرنا اقتسمنا رأس المال أثلاثا ، وإن ربحنا ، فالربح نصفان لكانت هبة الربح للواهب وحده ; لأن مصيبة ذلك الزائد من صاحبه قولا واحدا ; لأن العامل عمل فيه على ملك صاحب الأكثر ، وللآخر الربح ، وهي هبة فاسدة ترد للواهب ، ويقسط ما بيع به ذلك الزائد على قدره من قدر العمل . قال ابن القاسم : فإن اشتركوا في الطحين ، لأحدهم البيت ، وللآخر الرحا ، وللآخر الدابة اقتسموا ما أصابوا أثلاثا ; لأن رءوس أموالهم عمل أيديهم . فإن استوت أجرة البيت ، والرحا ، والدابة ، فلا تراجع ، وإلا رجع من له فضل على صاحبه ، ولو لم يصيبوا شيئا لترادوا ، وأفضل الكراء . وقال محمد : يقتسمون ما أصابوا على قدر أكرية مالهم ، فإن فضل قسم على أجرة كل واحد منهم ، فإن فضل بعد ذلك نظر إلى جملة ما اجتمع لكل واحد فيقسم الفضل على قدر ذلك . قال : وإن لم يصيبوا إلا مثل ما يعلفون وينفقون رجع بعضهم على بعض ، ويخرجون ذلك من أموالهم ، وليس هذا بحسن . قال : وأرى أن رأس المال الرحا ، والدابة ; لأن الإجارة والثمن المأخوذ إنما هو عنهما ، وليس عن البيت ، والعمل ، وليس للشركاء في ذلك إلا رباط الدابة ، والمعونة اللطيفة ، ولا تراجع في عمل أيديهم لاستوائهم فيه . قال ابن القاسم : وإن كان العامل صاحب [ ص: 33 ] الدابة وحده ، فله ما أصاب ، وعليه أجرة البيت ، والرحا ، وإن لم يصب شيئا . قال : كمن دفع دابته ، أو سفينته على أن له نصف ما يكسب عليها . قال : وليس هذا بالبين ، بل بعض ما أصاب على قدر إجارة الرحا ، والدابة ، فما ناب الرحا من العمل رجع عليه العامل فيه بأجرة المثل ; لأن صاحب الرحا لم يبع من العامل منافعها ، وإنما أذن له في إجارتها ، وله بعض الأجرة ثم يغرمان جميعا إجارة البيت . وكذلك إن كان العامل صاحب الرحا فعلى قول ابن القاسم له ما أصاب ، وعليه أجرة المثل ، والقياس الفضل كما تقدم إلا أن يكون الذي يطحن عليها طعام نفسه ، ولا يؤجرها من الناس . وكذلك الدابة إن قال له : أجرها فباع منافعها من الناس ، فالأجرة لصاحبها ، وللمؤجر أجرة المثل . وإن قال : اعمل عليها ، فحمل عليها تجارة ، أو ما يحتطبه ، فما باع من ذلك للعامل ، وللآخر أجرة المثل . وكذلك الرحا ، والدابة إن دخل على أن يواجرهما من الناس ، فالأجرة لأصحابها ، وللعامل أجرة المثل ، وإن دخل على أن يعمل فيها طعامه ، فربح مالا له ، وعليه أجرة المثل .

                                                                                                                تمهيد : وافقنا ( ح ) في شركة الأبدان ، وزاد علينا بجواز افتراق موضعهما ، واختلاف صنعتهما ، وجعله من باب التوكيل ، وخالفنا ( ش ) مطلقا ; لأنه يشترط كون رأس المال موجودا ، ومعلوما ، وأن يخلط المالان ، وكل ذلك معدوم هاهنا .

                                                                                                                ونحن نقول : هذه الصنائع في حكم الموجود لصحة عقد الإجارة عليها ، ولقوله تعالى : ( واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه ) الآية ، فجعل الغانمين شركاء فيما غنموا بقتالهم ، وهي شركة الأبدان . وروي أن ابن مسعود شارك سعدا يوم بدر ، فأصاب سعد فرسين ، ولم يصب ابن مسعود شيئا ، ولم ينكر عليهما النبي - عليه السلام - ، أو القياس على المضاربة ، ولأن مقصود شركة الأموال الربح ، وهذا مما يحصل ; لأنهما لو شرطا العمل من عند أحدهما امتنع [ ص: 34 ] ولو شرط المال من عند أحدهما ، والعمل من الآخر صح ، وكان مضاربة بالعمل الأصل ، وهو نظير المال لمقابلته له ، ولأن المنافع والأعيان سواء في جواز العقد عليهما في البيع ، والإجارة . وبه يظهر الفرق بينه وبين شركة الوجوه ; لأن في الوجوه لا مال ، ولا صنعة تقوم مقامه ، أو نقول أحد أصلي القراض ، فجازت به كالقراض ، بل أولى لاتفاقهما هاهنا في العمل ، وثم عمل ومال ، وأصل الشركة التساوي . أو نقول إذا أخذ ثوبا ليخيطه بعشرة ، فأجر غيره ليخيطه بخمسة صح ، فقد أخذ خمسة بعمل غيره ، فكذلك هاهنا . أو نقول إذا اشتركا بالمال ضمن كل واحد نصف ما يشتريه الآخر ، فقد صار الضمان سببا لاستحقاق الربح ، فكذلك هاهنا ; لأن الصناع يضمنون عندنا .

                                                                                                                احتجوا بالقياس على شركة الوجوه ; لأن كل واحد منفرد بعمل نفسه ، أو المنافع الحاصلة منهما مجهولة ، فتمتنع كالشركة بالمال المجهول . أو لأن كل أحد باع نصف كسبه بنصف كسب صاحبه فيمتنع ، وبيع الكسب بالكسب حرام . أو يمتنع بالقياس على ما اشتركا بجملين ، وعليهما كلف الجمالين ، والكسب بينهما .

                                                                                                                والجواب عن الأول : أنه قد تقدم الفرق .

                                                                                                                والجواب عن الثاني : منع الجهالة ، وذلك معلوم بالعادة بدليل صحة الإجارة ، والمضاربة على المنافع .

                                                                                                                والجواب عن الثالث : أن ذلك لازم في شركة المال أن كل واحد باع نصف ربحه بنصف ربح صاحبه ، وذلك مغتفر في الصورتين للرفق .

                                                                                                                والجواب عن الرابع : أن شركة الدواب ، والحمل على الرءوس تجوز إذا اشتركا في شيء بعينه لا يفترقان فيه ، فأما إذا افترقا فلا رفق لأحدهما بالآخر بخلاف مسألتنا .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                في الكتاب : عن مالك المنع من شركة الحرث إلا أن يشتركا في رقاب [ ص: 35 ] الدواب ، والآلة ليضمنا ما هلك . وعنه إن ساوى ما يخرج من البقر والآلة كراء ما يخرج الآخر من الأرض والعمل ، واعتدلا في البذر جاز ، وقد تقدم بسطه في المزارعة .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                قال : لأحدهما رحى ، وللآخر دابة ، وللآخر بيت على أن يعملوا بأيديهم ، والكسب أثلاث ، وعملوا على ذلك وجهلوا المنع ، فما أصابوا أثلاثا إن استوت أكرية الثلاثة ، وتصح الشركة ; لأن كل واحد أكرى متاعه بمتاع صاحبه ، وإن اختلفت أكرية ما قسموا أثلاثا ; لأن رءوس أموالهم عمل أيديهم ، وهو مستو ، ويرجع من له أفضل كراء على صاحبه ، وإن لم يصيبوا شيئا كالكراء الفاسد . ولا تراجع في كراء الأيدي لتساويهم فيه . وإن اشترط صاحبا البيت والرحا العمل على رب البغل فعمل فله الربح ، وعليه الوضيعة ; لأن غلة دابته رأس المال ، وعليه أجرة الرحا والبيت ، وإن لم يصيبوا شيئا كالدابة يعمل عليها بنصف الكسب . قال صاحب التنبيهات : ظاهر الكتاب المنع حتى يكتري كل واحد نصيبه بنصيب صاحبه إذا كان مستويا ، وأجازه سحنون إذا استويا . قال أبو محمد : معنى قوله الشركة صحيحة أي آلت إلى الصحة لا أنها تجوز ابتداء للجهل بالأكرية . قال ابن يونس : صفة التراجع مع الاختلاف كراء البيت ثلاثة دراهم ، والدابة درهمان ، والرحا درهم ، فاستووا في درهم ، فلا يتراجعوا فيه ، ولصاحب البيت فضل درهمان له منهما ثلثا درهم على كل واحد من صاحبيه ، ولصاحب الدابة فضل درهم ، له ثلث درهم على كل واحد من صاحبيه ، فإذا طالب صاحب البيت صاحب الدابة بثلثي درهم طالبه صاحب الدابة بثلث درهم فيبقى له ثلث درهم ، ولصاحب الدابة ثلث درهم على صاحب الرحا ولصاحب البيت ثلثا درهم ، وعلى صاحب الرحا أيضا يغرم لكل واحد ثلث درهم فيدفعه صاحب الدابة إلى صاحب البيت فيحصل له درهم ، ويستزن ( كذا ) إن لم يزد شيئا من عند نفسه . وإذا حضروا كلهم ، وهم أملياء ، وطلبوا المحاسبة دفع صاحب الرحا [ ص: 36 ] لصاحب البيت درهما ، ثلثه عن صاحب الدابة وثلثان مما له قبله ; لأن جميع إجارة البيت والدابة والرحا ستة دراهم ، فللدابة درهمان ، فلا شيء له ولا عليه ، ويرجع صاحب البيت على صاحب الرحا بدرهم فيعتدلوا .

                                                                                                                وقال محمد : إذا فات ذلك بالعمل قسموا ما أصابوه على قدر قيمة كراء كل واحد منهم ، فإن فضل شيء قسموا ذلك على قدر إجارة كل واحد بيديه ، وإن فضل شيء قسم على ما حصل بيد كل واحد منهم بأن يكون المصاب ثمانية عشر ، ويكون كراء البيت ثلاثة ، والدابة درهمان ، والرحا درهم ، فلكل واحد كراء ماله ، وكراء يده أيضا ، وهو مثلا لكل واحد درهم فيبقى من المصاب تسعة يقتسمونها على التسعة الأولى فيصير لصاحب البيت ثمانية ، ولصاحب الدابة ستة ، ولصاحب الرحا أربعة . وقال بعض القرويين : الأشبه أن يكون عمل أيديهم وكراء آلتهم رءوس أموالهم فيضيف كل واحد عمل يده إلى كراء ما أخرج ، ويجمع ذلك كله ، ويقسم المصاب على ذلك ، فلا يختص برأس المال عمل البدن دون عمل الآلة ; لأن ذلك كله رأس مال له ، فإن عجز المصاب عن كراء الآلة فينبغي ألا يتراجعا في الذمم بما فضل بعضهم على بعض ; لأن يد كل واحد على ما أكراه كراء فاسدا ، فلا يضمن شريكه له كما إذا اشتركا سلعتين شركة فاسدة ، فباعوا لم يضمن واحد لصاحبه قيمة نصيبه ، وإنما رءوس أموالهما ما باعوا به ، وهو قول حسن راجع إلى قول محمد إذا كان ما أصابوه قدر كراء آلتهم وعمل أيديهم فأكثر لا يستخلف ذلك في القسمة ، وإن كان أقل من ذلك ؛ اختلف ، ووقع الظلم بينهم إذا بدئ بأكرية الآلة ، أو بأكرية الأيدي إذ قد يكون كراء آلة أحدهم عشرة ، وأجرة يده عشرة ، فإذا أصابوا قدر أجرة الآلة ، وبدئ بالقسمة عليها ؛ ظلم من أجرة آلته قليلة ، وأجرة يده كثيرة . وإن بدئ بالقسمة على أجرة الأيدي ظلم صاحب الآلة ، فأعدل الأقوال جمع أكرية الجميع ، ويقسم ما أصابوا عليه ، ولأن ما أخرجوا مما يكرى فيكون كراؤه رأس المال كثمن السلعتين في الشركة الفاسدة ، فإن رأس المال ما يبيعا له . قال اللخمي : أرى أن يكون رأس المال الرحا والدابة ; لأن الإجارة والثمن المأخوذ إنما هو عنهما دون البيت وعمل [ ص: 37 ] اليد ، وليس للشركاء في ذلك إلا ربط الدابة ، وهو يسير ، ولا يتراجعون في عمل أيديهم ; لأنه يسير .

                                                                                                                قال ابن القاسم : وإن عمل صاحب الدابة وحده ، فله ما أصاب ، وعليه أجرة البيت ، والرحا ، وإن لم يصب شيئا ، وليس بالبين ، وأرى ما أصاب مفوضا على أجرة الرحا ، والدابة ، فما ناب الرحا من العمل رجع عليه العامل فيه بأجرة المثل ; لأن صاحب الرحا لم يبع من العامل منافعها ، وإنما وكله في إجارتها ، وله بعض الأجرة ، فهو يواجرها على صاحبها ثم يغرمان جميعا أجرة البيت . وكذلك إذا كان العامل صاحب الرحا . فقول ابن القاسم وما عليه ، والمختار ما تقدم إلا أن يكون الذي يطحن عليهما طعام نفسه فيكون كمن قال : لك ما تكسب عليها ، وكذلك الدابة ، وقد تقدم بعض هذا البحث .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                في الكتاب : إذا مرض أحد شريكي الصنعة ، أو غاب يوما ، أو يومين ، فعمل صاحبه ، فالعمل بينهما ; لأنه عادة الشركاء ، وما تفاحش وطال إن أحب العامل أعطاه نصف ما عمل جاز إن لم يعقد في أصل الشركة على ذلك فيمتنع للغرر . فإن نزل فما اشتركا فيه بينهما ، وما اختص بذي العمل لصاحبه . قال ابن يونس : قال بعض القرويين : إن لم يعقدا على ذلك ينبغي أن القدر الذي لو صح ذلك كان بينهما أن يكون بينهما ، والزائد للعامل وحده ، ويتسامح في الشركة الصحيحة عن التفاضل اليسير بخلاف الفاسدة . قال ابن حبيب : هذا في شركة الأبدان ، أما في شركة الأموال ، فللذي عمل نصف أجرته على صاحبه ، والفضل بينهما ; لأن المال أخذه . وإذا تقبل أحدهما شيئا بعد طول مرض أو غيبة فهو له . قاله بعض القرويين . وإذا تقبلا جميعا ثم غاب أحدهما طويلا ، فالإجارة بينهما ، ويرجع العامل على شريكه بأجرة مثله ; لأنه تحمل عن صاحبه بالعمل بخلاف حافري العين يستأجران فيمرض أحدهما ، فلا يلزم الثاني أن يعمل لصاحبه . فإن عمل . قال ابن القاسم : هو متطوع كمن خاط لإنسان ثوبا بغير إذنه لا غرم عليه لصاحبه .

                                                                                                                [ ص: 38 ] ومن رأى أنه متطوع لرب الدين رأى أن بالمرض انفسخت الإجارة للضرر عليه كمرض الدابة في السفر . والفرق بين الدين ، وما يتقبلانه من المتاع أن المتاع مما يضمن ، إذا ضاع ما تحملا ضمنا ، ووجب عليهما عمله ، والبئر مما لا يضمن ، فلم يجب على الصحيح حفر نائب المريض ، فصار متطوعا بالحفر .

                                                                                                                قال اللخمي : إذا مرض أحدهما ، أو مات ، أو غاب فعلى الآخر جميع العمل كان في الذمة ، أو على أعيانهما ; لأنهما اشتركا على ذلك ، وعليه دخل مستأجرهما ; لأنه ربما جالت أيديهما في عمل الشيء الواحد بخلاف غير الشريكين إذا كانت الإجارة على عمل رجل لا يضمن أحد عنه ذلك العمل . ولو أجر رجلان أنفسهما في عمل شيء بعينه ، أو كانت الإجارة في الذمة لا يلزم أحدهما أن يوفي عن الآخر بخلاف الأول ; لأنهما متفاوضان ، ويلزم أحدهما ما يلزم الآخر . وإذا عقدا في الصحة ثم حدث مرض خفيف ، أو طويل ، أو غاب أحدهما ( ( قريبا ) ) أو بعيدا فعلى الصحيح والحاضر القيام بجميع العمل . وكذلك إذا عقد الإجارة على شيء في أول المرض ثم برئ قريبا ، أو بعيدا ، أو في سفر أحدهما إلى قرب ثم رجع عن قرب أو بعد ، فعلى الصحيح والحاضر القيام بجميع العمل . هذا في حق الذي له العمل ، وكذلك في المسمى الذي عقدا عليه هو بينهما نصفان . وإن طال المرض ، أو السفر رجع على صاحبه بأجرة المثل ، وإلا فلا ؛ جريا على العادة . ولو اشتركا على عدم التراجع في الكثير فسدت ; لأنه غرر .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                في الكتاب : ما تقبل أحد شريكي الصنعة لزم الآخر عمله وضمانه ، يؤخذ بذلك وإن افترقا ; لأنه عقد الشركة .

                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                الخدمات العلمية