الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                [ ص: 328 ] احتجوا : بأن التصرف يمنع الأخذ كما يمنع الرجوع في الهبة ; لقوله - عليه السلام - : ( لا ضرر ، ولا ضرار ) ، فلا يضر الغاصب بهد بنيانه ، وبالقياس على الخيط الذي خاط به جرح الحيوان ، أو بلع لغيره جوهرة ، وبالقياس على ما إذا بنى ولم يعلم أنها لغيره ، أو بالقياس على ما إذا بنى حولها قبة ، فإنه بنى بحق لم يعتمد على الخشبة فلا يهد قياسا على بناء القبة حولها .

                                                                                                                والجواب عن الأول : أن الموهوب تصرف في ملكه ، فكان تصرفه معتبرا بخلاف الغاصب .

                                                                                                                وعن الثاني : أنه مشترك الدلالة ; لأن منع المالك إضرار به ، بل هو أولى ; لأنه غير ظالم بخلاف الغاصب ، وأجمعنا على إضرار الغاصب في العرصة إذا بنى فيها وغيرها ، فيحمل الخبر على نفي الضرر بغير حق ; ولأنه معارض بما هو أخص منه ، وهو قوله - عليه السلام - : ( ليس لعرق ظالم حق ) ، والأخص مقدم على العام .

                                                                                                                وعن الثالث : أن حرمة الحيوان أعظم من البنيان ، وكذلك لا يمنع فضل الماء لأجل الحيوان ، وتحوز منه لأجل المال ، مع أن من أصحابنا من قال برد الخيط إذا خاط به بهيمة ، وأما إن خاط به خنزيرا أو كلبا عقورا رد قولا واحدا ، فإن كان مأكولا قال بعض أصحابنا : يحتمل الرد وذبح الحيوان ، أو يرد ولا يذبح لنهيه [ ص: 329 ] - صلى الله عليه وسلم - عن ذبح الحيوان لغير مأكلة ، فإن خيط به جرح آدمي فاستحق المستحق للخيط عليه القصاص بالاحتمالان كالمأكول اللحم . وأما الجوهرة : فإن بلعها بغير تفريط صاحبه فكالخيط في مأكول اللحم ، أو بغير تفريط يجب الرد لعدم التعدي ; لقوله - عليه السلام - : ( جرح العجماء جبار ) .

                                                                                                                وعن الرابع : أنه إذا لم يعلم فله شبهة ، يشهد له أخذ البناء بقيمته قائما ، وفي الغصب مع العلم منقوضا .

                                                                                                                وعن الخامس : أنه يجب نقض القبة ; لأنه قصد بها الحيلولة بين المالك وملكه ، كما لو بنى عليه الباب حتى لا يخرج ، فإنه يجب هد الباب .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                قال ابن يونس : قال أشهب : إذا غصب بيضة فحضنها تحت دجاجة ، له الفرخ وعليه بيضة مثلها ، كغاصب القمح يزرعه . قال سحنون : الفرخ لصاحب البيضة وعليه قيمة ما حضنت دجاجته ; لأنه نشأ عن ملكه ، ولو غصب حمامة فزوجها حماما له فباضت فأفرخت ، فلك الحمامة والفرخ ، ولا شيء له في إعانة حمامة الذكر ، ولك قيمة حضانتها فيما حضنت من بيض غيرها ، ولا شيء لك فيما حضنه غيرها من بيضها مثله ، إلا أن يكون عليك ضرر في تكلف حمام يحضنهم فتغرمه القيمة .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                قال : قال مالك : إذا تسوق بسلعة فأعطاه غير واحد ثمنا ، ثم يستهلكها رجل ضمن ما أعطي فيها ، ولا ينظر لقيمتها إذا كان العطاء قد تواطأ عليه الناس ، ولو أراد البيع باع ; لأن هذا تعيين قيمة . وقال سحنون : بل قيمتها ; لأنه القاعدة ، وقال عيسى : يضمن الأكثر لوجود السببين . [ ص: 330 ] فرع

                                                                                                                قال : قال أشهب : إذا صالحت الغاصب للصبرة على كيل مثل القمح ، وقد كان التزام القيمة بحكم أو بصلح جاز أخذ كيل بالقيمة . فرع

                                                                                                                قال : قال ابن القاسم : إذا غصب نصراني سفينة مسلم وحمل فيها خمرا ، أخذت منه الكراء وتصدقت به ، وله على المسلم كراء السفينة فيما أبطلها ، ولا ينظر إلى كراء الخمر . فرع

                                                                                                                في التلقين : إن رده زائد البدل لزمك أخذه ، وبرئ الغاصب كالصغير يكبر ، والعليل يصح ، والمهزول يسمن ، لرده ما أخذ وهو الذي يلزمه ، أو ناقصا خيرت بين إسلامه وتضمينه القيمة يوم الغصب ; لأن هذه عين أخرى ، أو تأخذه ; لأن الباقي عين ملكك ، ثم ذلك النقص إن كان سماويا لا بفعل الغاصب لم تتبعه بشيء ; لأنه لم يهلك بتعديه أو بفعله فهل تتبعه بالأرش لتعديه في التنقيص أو ليس لك إلا أخذه بغير أرش ، أو إسلامه وأخذ قيمته يوم الغصب لحصول المقصود بالقيمة كلها من غير تفريق على الغاصب ؟ روايتان ، ولا ضمان عليه في زيادة طرأت عنده ، ثم ذهبت في بدن أو قيمة ، ولا له قيمتها كتعليم صنعة أو حوالة سوق ; لأن هذه لم يتناولها الغصب ، إنما تناول الأصل ; لأن الغصب فعل ، ولم يقع في هذه الزوائد ، بل هذه كالثوب تلقيه الريح في بيته . قال صاحب الخصال : إن انهدمت الدار بفعله أو بغير فعل ضمنها ; لأن اليد العادية موجبة للضمان حتى ترد ، وما ردت فيضمن . وفي الجواهر : إن تعيب أو زالت [ ص: 331 ] جارحة بأمر سماوي لك أخذه بغير أرش ، وأخذ القيمة يوم الغصب ، أو بجناية الغاصب فقيمته يوم الغصب ، أو أخذه مع الأرش وهو المشهور . وقال سحنون : هو كالأول أو من أجنبي ، ثم ذهب ، فلا يؤخذ الغاصب بالنقص ، بل القيمة يوم الغصب ، ويتبع الغاصب الجاني بالنقص ، ولا يراعي حوالة السوق أصلا . وقال ابن عبدوس : عن مالك : إن وجدت المغصوب عند مشتريه من الغاصب حالت سوقه ، لك تضمين الغاصب القيمة . قال التلمساني : ما يعرف بعينه إذا هلك عند المشتري من الغاصب بأمر سماوي ، خيرت بين أخذه ناقصا بغير شيء أو القيمة يوم الغصب ، أو الثمن ولا ضمان على المبتاع ، ويصدق فيها لا يغاب عليه ، ويحلف فيما يغاب عليه : لقد هلك ، ويغرم القيمة إلا أن تقوم بينة بهلاكه من غير سببه . فرع

                                                                                                                في التلقين : يقلع زرعه إلا أن يفوت إبانه ، فلك الأجرة لعدم فائدتك في أخذ الأرض لفوات الإبان ، وقيل : لك القلع ; لأن الأرض ملكك ، قال التلمساني : قال ابن القاسم : إذا كان الزرع صغيرا لا ينتفع به مقلوعا أخذ بلا ثمن ولا زريعة كالنقش والتزويق في البناء ، فإن فات الإبان فثلاثة أقوال : ما تقدم في التلقين ، والثالث : يتعين أجرة المثل ; لأنه لا ينتفع بالأرض إذا أخذها ، ولا ضرر ولا ضرار . قال مالك : فإن أسبل فلا يقلع ؛ لأن قلعه من الفساد العام للناس . فرع

                                                                                                                في النوادر قال مالك : وجميع أصحابه إذا غاب على الأمة الرائعة ، ولا يعلم أوطئها أم لا ، فذلك فوت ، ويخير في قيمتها أو أخذها بقيمتها ، ولو وجدتها في يد المبتاع بحالها أو أحسن ، فلك أخذها أو الثمن من الغاصب ، أو [ ص: 332 ] قيمتها ، وإن غاب عليها فكما تقدم ; لأن الغيبة تنقص الرغبة فيها فهو نقص ، وقال مطرف ، وعبد الملك : ليس له إلا الجارية لضعف هذه التهمة ، قال ابن القاسم : والهرم في الجارية عند الغاصب فوت ، لك أخذها ولك تضمين القيمة ، قال أشهب : كان الكبر والهرم يسيرا أو كثيرا ، وكذلك لو انكسرت ثدياها . قال محمد : أما لو كبرت وهرمت عند المشتري فليس لك إلا الجارية من غير خيار ، أو تأخذ الثمن أو القيمة يوم الغصب لتعديه . فرع

                                                                                                                قال : قال مالك : إذا جحدك شريكك الأمة حتى ولدت الأولاد ، وباع منهم وأعتق ، ومات بعضهم ، ثم ثبتت الحق ; فلك نصف قيمته اليوم ، وإن كان معدما تمسكت بنصيبك منه ، ولك نصف الثمن المبيع إن شئت ، وإن شئت الرأس ولا شيء لك فيمن مات ممن أعتق أو لم يعتق ولم يبع ، وقال محمد : هو كالغاصب إن تمسكت بالأمة فلك حقك في الولد إلا من مات ، ولك نصف ثمن المبيع .

                                                                                                                تم الباب الأول : من كتاب الغصب ، وبه تم الجزء الثامن من الذخيرة . ويليه الجزء التاسع ، وأوله الباب الثاني في الطوارئ على المغصوب .

                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                الخدمات العلمية