الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  3123 قال عبد الله : فبينا أنا أطارد حية لأقتلها ، فناداني أبو لبابة لا تقتلها ، فقلت : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أمر بقتل الحيات ، قال : إنه نهى بعد ذلك عن ذوات البيوت ، وهي العوامر .

                                                                                                                                                                                  [ ص: 189 ]

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  [ ص: 189 ] أي قال عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما .

                                                                                                                                                                                  قوله : " أطارد حية " أي أطلبها وأتبعها لأقتلها ، أي لأن أقتلها . قوله : " فناداني أبو لبابة " بضم اللام وتخفيف الباء الموحدة الأولى ، واسمه رفاعة بكسر الراء وتخفيف الفاء على الأصح ابن عبد المنذر الأوسي النقيب ، قاله الكرماني ، وفي التوضيح اسمه بشير بفتح الباء وكسر الشين المعجمة ابن عبد المنذر بن رفاعة بن زنبور بن أمية بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن أوس ، رده رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - من الروحاء حين خرج إلى بدر واستعمله على المدينة ، وضرب له بسهم وأجره ، وتوفي بعد قتل عثمان رضي الله تعالى عنه وأخوه مبشر بن عبد المنذر شهد بدرا وقتل بها ، وأخوهما رفاعة بن عبد المنذر ، شهد العقبة وبدرا ، وقتل بأحد وليس له عقب ، ذكره كله ابن سعد في الطبقات .

                                                                                                                                                                                  وقال أبو عمر بشير بن عبد المنذر : أبو لبابة الأنصاري غلبت عليه كنيته ، واختلف في اسمه ، فقيل : رفاعة بن عبد المنذر ، كذا قاله موسى بن عقبة ، عن ابن شهاب ، وكذا قال ابن هشام وخليفة ، وقال أحمد بن زهير : سمعت أحمد بن حنبل ويحيى بن معين يقولان : أبو لبابة اسمه رفاعة بن عبد المنذر ، وقال ابن إسحاق : كان نقيبا شهد العقبة وشهد بدرا ، وزعم قوم أنه والحارث بن حاطب خرجا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بدر فرجعهما ، وأمر أبا لبابة على المدينة ، وضرب له بسهم مع أصحاب بدر ، قال ابن هشام : ردهما من الروحاء ، وقال أبو عمر : قد استخلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا لبابة على المدينة أيضا حين خرج إلى غزوة السويق وشهد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحدا وما بعدها من المشاهد ، وكانت معه راية بني عمرو بن عوف في غزوة الفتح مات في خلافة علي رضي الله تعالى عنه .

                                                                                                                                                                                  قلت : ليس له في الصحيح إلا هذا الحديث . قوله : " قال إنه نهى بعد ذلك " أي قال أبو لبابة : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى بعد أمره بقتل الحيات عن قتل ذوات البيوت ، أي الساكنات فيها ، ويقال لها الجنان ، وهي حيات طوال بيض ، قلما تضر ، وفي رواية الترمذي ، عن ابن المبارك : إنها الحية التي تكون كأنها فضة ، ولا تلتوي في مشيتها .

                                                                                                                                                                                  قوله : " وهي العوامر " قيل : إنه من كلام الزهري مدرج في الخبر ، وقد بينه معمر في روايته عن الزهري ، فساق الحديث ، وقال في آخره : وقال وهي العوامر ، سميت بها لطول عمرها ، وقال الجوهري : عمار البيوت سكانها من الجن ، وقيل : سميت بها لطول لبثهن في البيوت ، مأخوذ من العمر بالفتح ، وهو طول البقاء ، وروى مسلم من حديث أبي سعيد مرفوعا " أن لهذه البيوت عوامر ، فإذا رأيتم منها شيئا فحرجوا عليه ثلاثا ، فإن ذهب وإلا فاقتلوه " ومعنى فحرجوا عليه أن يقال له أنت في حرج " أي ضيق إن لبثت عندنا أو ظهرت لنا أو عدت إلينا ، ومعنى ثلاثا ، أي ثلاث مرات ، وقيل : ثلاثة أيام ، وإن كانت في الصحاري والأودية تقتل من غير إيذان لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم - : " خمس من الفواسق يقتلن في الحل والحرم ، فذكر منهن الحية ، وجاء في حديث آخر " من تركهن مخافة شرهن فليس منا " ، ثم اعلم أن ظاهر الحديث التعميم في البيوت ، وعن مالك تخصيصه ببيوت أهل المدينة ، وقيل : يختص ببيوت المدن دون غيرها .




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية