الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 35 ] مقدمة حق على من حاول علما أن يتصوره بحده أو رسمه [ ص: 36 ] ويعرف موضوعه وغايته واستمداده .

فالفقه لغة : العلم بالشيء ثم خص بعلم الشريعة ، وفقه بالكسر فقها علم ، وفقه بالضم فقاهة صار فقيها . واصطلاحا : عند الأصوليين العلم بالأحكام الشرعية الفرعية المكتسب من أدلتها التفصيلية [ ص: 37 ] وعند الفقهاء : حفظ الفروع وأقله ثلاث . وعند أهل الحقيقة : الجمع بين العلم والعمل لقول الحسن البصري : إنما الفقيه المعرض عن الدنيا ، الزاهد في الآخرة ، البصير بعيوب نفسه [ ص: 38 ] وموضوعه : فعل المكلف ثبوتا أو سلبا . واستمداده : من الكتاب والسنة والإجماع والقياس . وغايته : الفوز بسعادة الدارين .

التالي السابق


( قوله : مقدمة ) بالرفع خبر لمبتدإ محذوف : أي هذه مقدمة أو بالنصب مفعول لفعل محذوف : أي خذ مقدمة ، وهي بكسر الدال كما صرح به في الفائق ، فهي اسم فاعل من قدم المتعدي : أي مقدمة من فهمها على غيره لما اشتملت عليه من تعريف الفقه لغة واصطلاحا . وموضوعه واستمداده محظوره ومباحه وفضل العلم وتعلمه وترجمة الإمام وغير ذلك ، وإما من اللازم بمعنى تقدم : أي متقدمة بذاتها على غيرها ، ويجوز فتح الدال اسم مفعول من المتعدي : أي قدمها أرباب العقول على غيرها لما اشتملت عليه ، وهي في الأصل صفة ثم جعلت اسما للطائفة المتقدمة من الجيش ، ثم نقلت إلى أول كل شيء ، ثم جعلت اسما للألفاظ المخصوصة حقيقة عرفية إن لوحظ أنها فرد من أفراد المفهوم الكلي ، أو مجازا إن لوحظ خصوصها . وهي قسمان : مقدمة العلم ، وهي ما يتوقف عليه الشروع في مسائله من المعاني المخصوصة ، ومقدمة الكتاب : وهي طائفة من الكلام قدمت أمام المقصود لارتباط له بها وانتفاع بها فيه ، وتمام تحقيق ذلك في المطول وحواشيه .

( قوله : حق ) أي واجب صناعة ليكون شروعه على بصيرة صونا لسعيه عن العبث .

( قوله : على من حاول ) أي رام علما : أي علم كان من العلوم الشرعية وغيرها .

فالشرعية علم التفسير والحديث والفقه والتوحيد ، وغير الشرعية ثلاثة أقسام : أدبية ، وهي اثنا عشر كما في شيخي زاده . وعدها بعضهم أربعة عشر : اللغة والاشتقاق والتصريف والنحو والمعاني والبيان والبديع والعروض والقوافي وقريض الشعر وإنشاء النثر والكتابة ، والقراءات والمحاضرات ومنه التاريخ . ورياضية

وهي عشرة : التصوف والهندسة والهيئة والعلم التعليمي والحساب والجبر والموسيقى والسياسة والأخلاق وتدبير المنزل . وعقلية : ما عدا ذلك كالمنطق والجدل وأصول الفقه والدين والعلم الإلهي والطبيعي والطب والميقات والفلسفة والكيمياء كذا ذكره بعضهم ا هـ ، ابن عبد الرزاق .

( قوله : أن يتصوره بحده أو رسمه ) الحد : ما كان بالذاتيات كالحيوان الناطق للإنسان ، والرسم ما كان بالعرضيات كالضاحك له .

واعلم أنهم قد اختلفوا في أسماء العلوم ، فقيل إنها اسم جنس لدخول أل عليها ، وقيل علم جنس واختاره السيد ، وقيل علم كالنجم للثريا واختاره ابن الهمام ، وهل مسمى العلم إدراك المسائل أو المسائل نفسها أو الملكة الاستحضارية . قال السيد في شرح المفتاح : المعنى الحقيقي للعلم هو الإدراك ، ولهذا المعنى متعلق هو المعلوم ، وله تابع في الحصول يكون ذلك التابع وسيلة إليه في البقاء وهو الملكة . وقد أطلق العلم على كل منها إما حقيقة عرفية أو اصطلاحية أو مجازا مشهورا . ا هـ .

ثم اعلم أن التعريف إما حقيقي كتعريف الماهيات الحقيقية ، وإما اسمي كتعريف الماهيات الاعتبارية ، وهو تبيين أن هذا الاسم لأي شيء وضع ، وتمامه في التوضيح لصدر الشريعة . وذكر السيد في حواشي شرح [ ص: 36 ] الشمسية أن أرباب العربية والأصول يستعملون الحد بمعنى المعرف ، وأن اللفظ إذا وضع في اللغة أو الاصطلاح لمفهوم مركب ، فما كان داخلا فيه كان ذاتيا له . وما كان خارجا عنه كان عرضيا له ، فحدود هذه المفهومات ورسومها تسمى حدودا ورسوما بحسب الاسم ، بخلاف الحقائق فإن حدودها ورسومها بحسب الحقيقة . إذا علمت ذلك ظهر لك أن حد الفقه كغيره من العلوم حد اسمي لتبيين ما تعقله الواضع ووضع الاسم بإزائه فلذا جعلوه مقدمة للشروع . وجوز بعضهم كونه حدا حقيقيا ، وعليه فقيل لا يكون مقدمة ; لأن الحد الحقيقي بسرد العقل كل المسائل : أي بتصور جميع مسائل العلم المحدود وذلك هو معرفة العلم نفسه لا مقدمة الشروع فيه ، وقيل يجوز أخذ جنس وفصل له بلا حاجة إلى سرد الكل فلا مانع من وقوعه مقدمة ، وجعل في التحرير الخلاف لفظيا وتمام تحقيقه فيه فافهم .

( قوله : ويعرف موضوعه إلخ ) اعلم أن مبادئ كل علم عشرة نظمها ابن ذكري في تحصيل المقاصد فقال : فأول الأبواب في المبادي وتلك عشرة على المراد الحد والموضوع ثم الواضع
والاسم واستمداد حكم الشارع تصور المسائل الفضيلة
ونسبة فائدة جليلة بين الشارح منها أربعة وبقي ستة .

فواضعه أبو حنيفة رحمه الله تعالى واسمه الفقه . وحكم الشارع فيه وجوب تحصيل المكلف ما لا بد له منه . ومسائله كل جملة موضوعها فعل المكلف . ومحمولها أحد الأحكام الخمسة ، نحو هذا الفعل واجب . وفضيلته كونه أفضل العلوم سوى الكلام والتفسير والحديث وأصول الفقه . ونسبته لصلاح الظاهر كنسبة العقائد والتصوف لصلاح الباطن أفاده ح .

( قوله : ثم خص بعلم الشريعة ) نقله في البحر عن ضياء الحلوم .

( قوله : وفقه إلخ ) قال في البحر بعد كلام : والحاصل أن الفقه اللغوي مكسور القاف في الماضي والاصطلاحي مضمومها فيه كما صرح به الكرماني . ونقل العلامة الرملي في حاشيته عليه أنه يقال فقه بكسر القاف . إذا فهم ، وبفتحها : إذا سبق غيره إلى الفهم ، وبضمها : إذا صار الفقه له سجية .

( قوله : اصطلاحا ) الاصطلاح لغة الاتفاق . واصطلاحا اتفاق طائفة مخصوصة على إخراج الشيء عن معناه إلى معنى آخر رملي .

( قوله : العلم بالأحكام إلخ ) اعلم أن المحقق ابن الهمام أبدل العلم بالتصديق وهو الإدراك القطعي ، سواء كان ضروريا أو نظريا صوابا أو خطأ بناء على أن الفقه كله قطعي .

فالظن بالأحكام الشرعية وكذا الأحكام المظنونة ليسا من الفقه ، وبعضهم خصه بالظنية ، فيخرج عنه ما علم ثبوته قطعا . وبعضهم جعله شاملا للقطعي والظني . وقد نص غير واحد من المتأخرين على أنه الحق وعليه عمل السلف ، وتمامه في شرح التحرير . فالمراد بالعلم هنا الإدراك الصادق على اليقين والظن كما هو اصطلاح المنطقي .

وعلى الأول فالمراد به المقابل للظن كما هو اصطلاح الأصولي . قال صدر الشريعة في التوضيح : وما قيل إن الفقه ظني فلم أطلق العلم عليه ؟ فجوابه أولا أنه مقطوع به ، فإن الجملة التي ذكرنا أنها فقه وهي ما قد ظهر نزول الوحي به وما انعقد الإجماع عليه قطعية . [ ص: 37 ] وثانيا أن العلم يطلق على الظنيات وتمامه فيه فافهم . والأحكام جمع حكم ، قيل هو خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين . ورده صدر الشريعة بأن الحكم المصطلح عليه عند الفقهاء ما ثبت بالخطاب كالوجوب والحرمة مجازا كالخلق على المخلوق ثم صار حقيقة عرفية . وخرج بها العلم بالذوات والصفات والأفعال ، والمراد بالشرعية كما في التوضيح ما لا يدرك لولا خطاب الشارع ، سواء كان الخطاب بنفس الحكم أو بنظيره المقيس هو عليه كالمسائل القياسية ، فيخرج عنها مثل وجوب الإيمان والأحكام المأخوذة من العقل كالعلم بأن العالم حادث ، أو من الحس كالعلم بأن النار محرقة ، أو من الوضع والاصطلاح كالعلم بأن الفاعل مرفوع ، والمراد بالفرعية المتعلقة بمسائل الفروع ، فخرج الأصلية ككون الإجماع أو القياس حجة . وأما الاعتقادية ككون الإيمان واجبا فخرج بالشرعية كما تقدم فافهم ، وقوله عن أدلتها أي ناشئا عن أدلتها حال من العلم : أي أدلتها الأربعة المخصوصة بها وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس ، فخرج علم المقلد فإنه وإن كان قول المجتهد دليلا له لكنه ليس من تلك الأدلة المخصوصة ، وخرج ما لم يحصل بالدليل كعلم الله تعالى وعلم جبريل عليه السلام . قال في البحر : واختلف في علم النبي صلى الله عليه وسلم الحاصل عن اجتهاد ، هل يسمى فقها ؟ والظاهر أنه باعتبار أنه دليل شرعي للحكم لا يسمى فقها ، وباعتبار حصوله عن دليل شرعي يسمى فقها اصطلاحا . ا هـ .

وأما المعلوم من الدين بالضرورة مثل الصوم والصلاة ، فقيل إنه ليس من الفقه ، إذ ليس حصوله بطريق الاستدلال وجعله في التوضيح منه ، ولعل وجهه أن وصوله إلى حد الضرورة عارض لكونه صار من شعار الدين ، فلا ينافي كونه في الأصل ثابتا بالدليل ، إذ ليس هو من الضروريات البديهية التي لا تحتاج إلى نظر واستدلال ككون الكل أعظم من الجزء نعم يحتاج إلى إخراجه على قول من خص الفقه بالظني ، وقوله التفصيلية تصريح بلازم كما حققه في التحرير ، وغلط من جعله للاحتراز ، وفي هذا المقام تحقيقات ذكرتها في [ منحة الخالق فيما علقته على البحر الرائق ] .

( قوله : وعند الفقهاء إلخ ) قال في البحر : فالحاصل أن الفقه في الأصول علم الأحكام من دلائلها كما تقدم ، فليس الفقيه إلا المجتهد عندهم ، وإطلاقه على المقلد الحافظ للمسائل مجاز . وهو حقيقة في عرف الفقهاء بدليل انصراف الوقت والوصية للفقهاء إليهم . وأقله ثلاثة أحكام كما في المنتقى . وذكر في التحرير أن الشائع إطلاقه على من يحفظ الفروع مطلقا يعني سواء كانت بدلائلها أو لا ا هـ لكن سيذكر في باب الوصية للأقارب أن الفقيه من يدقق النظر في المسائل وإن علم ثلاث مسائل مع أدلتها ، حتى قيل من حفظ ألوفا من المسائل لم يدخل تحت الوصية . ا هـ . لكن الظاهر أن هذا حيث لا عرف وإلا فالعرف الآن هو ما ذكر في التحرير أنه الشائع . وقد صرح الأصوليون بأن الحقيقة تترك بدلالة العادة ، وحينئذ فينصرف في كلام الواقف والموصي إلى ما هو المتعارف في زمنه ; لأنه حقيقة كلامه العرفية فتترك به الحقيقة الأصلية .

( قوله : وعند أهل الحقيقة ) هم الجامعون بين الشريعة والطريقة الموصلة إلى الله تعالى ، والحقيقة لب الشريعة وسيأتي تمامه .

( قوله : الزاهد في الآخرة ) كذا في البحر . والذي في الغزنوية الراغب في الآخرة ابن عبد الرزاق . أقول : ومثله في الإحياء للإمام الغزالي بزيادة حيث قال : سأل فرقد السنجي الحسن عن شيء فأجابه ، فقال إن الفقهاء يخالفونك ، [ ص: 38 ] فقال الحسن : ثكلتك أمك ، وهل رأيت فقيها بعينك ؟ إنما الفقيه الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة ، البصير بدينه المداوم على عبادة ربه ، الورع الكاف عن أعراض المسلمين ، العفيف عن أموالهم الناصح لجماعتهم .

( قوله : وموضوعه إلخ ) . موضوع كل علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية . قال في البحر : وأما موضوعه ففعل المكلف من حيث إنه مكلف ; لأنه يبحث فيه عما يعرض لفعله من حل وحرمة ووجوب وندب ، والمراد بالمكلف البالغ العاقل ، ففعل غير المكلف ليس من موضوعه ، وضمان المتلفات ونفقة الزوجات إنما المخاطب بها الولي لا الصبي والمجنون ، كما يخاطب صاحب البهيمة بضمان ما أتلفته حيث فرط في حفظها لتنزيل فعلها في هذه الحالة بمنزلة فعله .

وأما صحة عبادة الصبي كصلاته وصومه المثاب عليها فهي عليها عقلية من باب ربط الأحكام بالأسباب ، ولذا لم يكن مخاطبا بها بل ليعتادها فلا يتركها بعد بلوغه إن شاء الله تعالى ، وقيدنا بحيثية التكليف ; لأن فعل المكلف لا من حيث التكليف ليس موضوعه كفعله من حيث إنه مخلوق الله تعالى . ا هـ .

( قوله : ثبوتا أو سلبا ) أي من حيث ثبوت التكليف به كالواجب والحرام ، أو سلبه كالمندوب والمباح ، وقصد بذلك دفع ما قد يقال إن قيد الحيثية مراعى ، فالمراد فعل المكلف من حيث إنه مكلف كما مر . فيرد عليه أن فعل المكلف المندوب أو المباح من موضوع الفقه أيضا مع أنه لا تكليف فيه لجواز فعله وتركه . والجواب أنه يبحث عنه في الفقه من حيث سلب التكليف به عن طرفي فعل المكلف . مطلب الفرق بين المصدر والحاصل بالمصدر

[ تنبيه ] قال في النهر : اعلم أن الفعل يطلق على المعنى الذي هو وصف للفاعل موجود كالهيئة المسماة بالصلاة من القيام والقراءة والركوع والسجود ونحوها كالهيئة المسماة بالصوم ، وهي الإمساك عن المفطرات بياض النهار ، وهذا يقال فيه الفعل بالمعنى الحاصل بالمصدر ، وقد يطلق على نفس إيقاع الفاعل هذا المعنى ، ويقال فيه الفعل بالمعنى المصدري : أي الذي هو أحد مدلولي الفعل ، ومتعلق التكليف إنما هو الفعل بالمعنى الأول لا الثاني ; لأن الفعل بالمعنى الثاني اعتباري لا وجود له في الخارج ، إذ لو كان موجودا لكان له موقع فيكون له إيقاع وهكذا فيلزم التسلسل المحال ، فأحكم هذا فإنه ينفعك في كثير من المحال ا هـ .

( قوله : واستمداده ) أي مأخذه .

( قوله : من الكتاب إلخ ) وأما شريعة من قبلنا فتابعة للكتاب . وأما أقوال الصحابة فتابعة للسنة ، وأما تعامل الناس فتابع للإجماع ، وأما التحري واستصحاب الحال فتابعان للقياس بحر ، وبيان ما ذكر في كتب الأصول .

( قوله : وغايته ) أي ثمرته المترتبة عليه .

( قوله : بسعادة الدارين ) أي دار الدنيا بنقل نفسه من حضيض الجهل إلى ذروة العلم ، وببيان ما للناس وما عليهم لقطع الخصومات ودار الآخرة بالنعم الفاخرة




الخدمات العلمية