الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  صحيح البخاري 3118 96 - حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللَّهِ ، وَالْحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ ، فَإِذَا حَلَمَ أَحَدُكُمْ حُلُمًا يَخَافُهُ ، فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ ، وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهِمَا فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّهُ . عمدة القاري أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقَيْنِ : الْأَوَّلُ عَنْ أَبِي الْمُغِيرَةِ عَبْدِ الْقُدُّوسِ بْنِ الْحَجَّاجِ ، مَرَّ فِي بَابِ تَزْوِيجِ الْمُحْرِمِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَبِي قَتَادَةَ الْحَارِثِ بْنِ الرَّبَعِيِّ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . الثَّانِي : عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنِ ابْنِهِ شُرَحْبِيلَ بْنِ أَيُّوبَ الدِّمَشْقِيِّ ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ الدِّمَشْقِيِّ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ إِلَى آخِرِهِ ، فَالطَّرِيقُ الْأَوْلَى أَعْلَى ، وَلَكِنْ فِي الثَّانِيَةِ التَّصْرِيحُ بِتَحْدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ لِيَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا فِي التَّعْبِيرِ عَنْ مُسَدَّدٍ . وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ . ( ذِكْرُ مَعْنَاهُ ) . قَوْلُهُ : " الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ " الرُّؤْيَا عَلَى وَزْنِ فُعْلَى بِلَا تَنْوِينٍ ، وَجَمْعُهَا رُؤًى مِثْلُ رُعًى ، يُقَالُ : رَأَى فِي مَنَامِهِ رُؤْيَا ، وَفِي الْيَقَظَةِ رَأَى رُؤْيَةً ، وَقَدْ قِيلَ إِنَّ الرُّؤْيَا أَيْضًا تَكُونُ فِي الْيَقَظَةِ ، وَعَلَيْهِ تَفْسِيرُ الْجُمْهُورِ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ أَنَّ الرُّؤْيَا هَاهُنَا فِي الْيَقَظَةِ ، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ : الرُّؤْيَا بِمَعْنَى الرُّؤْيَةِ ، إِلَّا أَنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِمَا كَانَ مِنْهَا فِي الْمَنَامِ دُونَ الْيَقَظَةِ ، فَلَا جَرَمَ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِحَرْفِ التَّأْنِيثِ ، وَقَالَ الْوَاحِدِيُّ : الرُّؤْيَا مَصْدَرٌ كَالْبُشْرَى ، إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا صَارَ اسْمًا لِهَذَا الْمُتَخَيَّلِ فِي الْمَنَامِ جَرَى مَجْرَى الْأَسْمَاءِ ، وَقِيلَ : يَجُوزُ تَرْكُ هَمْزِهَا تَخْفِيفًا ، وَقَوْلُهُ : " الصَّالِحَةُ " إِمَّا صِفَةٌ مُوَضِّحَةٌ لِلرُّؤْيَا ; لِأَنَّ غَيْرَ الصَّالِحَةِ تُسَمَّى بِالْحُلُمِ أَوْ مُخَصَّصَةٌ ، وَالصَّلَاحُ إِمَّا بِاعْتِبَارِ صُورَتِهَا وَإِمَّا بِاعْتِبَارِ تَعْبِيرِهَا ، وَيُقَالُ لَهَا الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ ، وَالرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ : مَعْنَى الصَّالِحَةِ الْحَسَنَةُ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَجْرِيَ عَلَى ظَاهِرِهَا وَأَنْ تَجْرِيَ عَلَى الصَّادِقَةِ ، وَالْمُرَادُ بِهَا صِحَّتُهَا ، وَتَفْسِيرُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُبَشِّرَاتِ عَلَى الْأَوَّلِ ظَاهِرٌ ; لِأَنَّ الْبِشَارَةَ كُلُّ خَبَرِ صِدْقٍ يَتَغَيَّرُ بِهِ بَشَرَةُ الْوَجْهِ ، وَاسْتِعْمَالُهَا فِي الْخَيْرِ أَكْثَرُ ، وَعَلَى الثَّانِي مُؤَوَّلٌ إِمَّا عَلَى التَّغْلِيبِ ، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى أَصْلِ اللُّغَةِ ، وَإِضَافَتُهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى إِضَافَةُ اخْتِصَاصٍ وَإِكْرَامٍ لِسَلَامَتِهَا مِنَ التَّخْلِيطِ وَطَهَارَتِهَا عَنْ حُضُورِ الشَّيْطَانِ . قَوْلُهُ : " وَالْحُلُمُ مِنَ الشَّيْطَانِ " أَيِ الرُّؤْيَا الْغَيْرُ الصَّالِحَةِ ، أَيِ الْكَاذِبَةُ أَوِ السَّيِّئَةُ ، وَإِنَّمَا نُسِبَتْ إِلَى الشَّيْطَانِ ; لِأَنَّ الرُّؤْيَا الْكَاذِبَةَ يُرِيهِ بِهَا الشَّيْطَانُ لِيُسِيءَ ظَنَّهُ وَيُحْزِنَهُ ، وَيُقِلَّ حَظَّهُ مِنْ شُكْرِ اللَّهِ ، وَلِهَذَا أَمَرَهُ بِالْبَصْقِ عَنْ يَسَارِهِ ، وَعَنِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ : الرُّؤْيَا وَالْحُلُمُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ; لِأَنَّ الْحُلُمَ مَا يَرَاهُ الْإِنْسَانُ فِي نَوْمِهِ غَيْرَ أَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ خَصَّ الْخَيْرَ بِاسْمِ الرُّؤْيَا ، وَالشَّرَّ بِاسْمِ الْحُلُمِ . قَوْلُهُ : " فَإِذَا حَلَمَ أَحَدُكُمْ " بِفَتْحِ اللَّامِ ، قَالَ ابْنُ التِّينِ : وَحَلُمَ بِضَمِّ اللَّامِ عَنْهُ بِمَعْنَى عَفَا عَنْهُ ، وَحَلِمَ بِالْكَسْرِ يُقَالُ حَلِمَ الْأَدِيمُ إِذَا شَبَّ قَبْلَ أَنْ يُدْبَغَ . قَوْلُهُ : " حُلُمًا " مَصْدَرٌ بِضَمِّ اللَّامِ وَسُكُونِهَا ، وَيُجْمَعُ عَلَى أَحْلَامٍ فِي الْقِلَّةِ وَحُلُومٍ فِي الْكَثْرَةِ ، وَإِنَّمَا جُمِعَ وَإِنْ كَانَ مَصْدَرًا لِاخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ عِبَارَةٌ عَمَّا يَرَاهُ الرَّائِي فِي مَنَامِهِ حَسَنًا كَانَ أَوْ مَكْرُوهًا . قَوْلُهُ : " يَخَافُهُ " جُمْلَةٌ فِي مَحَلِّ النَّصْبِ ; لِأَنَّهَا صِفَةٌ لِقَوْلِهِ حُلُمًا . قَوْلُهُ : " فَلْيَبْصُقْ " دَحْرًا لِلشَّيْطَانِ بِذَلِكَ ، كَرَمْيِ الْجِمَارِ كَمَا يَتْفُلُ عِنْدَ الشَّيْءِ الْقَذِرِ ، يَرَاهُ وَلَا شَيْءَ أَقْذَرَ مِنَ الشَّيْطَانِ ، وَذَكَرَ الشِّمَالَ ; لِأَنَّ الْعَرَبَ عِنْدَهَا إِتْيَانُ الشَّرِّ كُلِّهِ مِنْ قِبَلِ الشَّمَالِ ، وَلِذَلِكَ سَمَّتْهَا الشُّؤْمَى ، وَكَانُوا يَتَشَاءَمُونَ بِمَا جَاءَ مِنْ قِبَلِهَا مِنَ الطَّيْرِ ، وَأَيْضًا لَيْسَ فِيهَا كَثِيرُ عَمَلٍ وَلَا بَطْشٌ وَلَا أَكْلٌ وَلَا شُرْبٌ . قَوْلُهُ : " فَإِنَّهَا " أَيْ فَإِنَّ الْحُلُمَ وَإِنَّمَا أَنَّثَ الضَّمِيرَ بِاعْتِبَارٍ أَنَّ الْحُلُمَ هُوَ الرُّؤْيَا السَّيِّئَةُ الْكَاذِبَةُ الْمَكْرُوهَةُ ، وَالرُّؤْيَا الْمَكْرُوهَةُ هِيَ الَّتِي تَكُونُ عَنْ حَدِيثِ النَّفْسِ وَشَهَوَاتِهَا ، وَكَذَلِكَ رُؤْيَا التَّهْوِيلِ وَالتَّخْوِيفِ يُدْخِلُهُ الشَّيْطَانُ عَلَى الْإِنْسَانِ لِيُشَوِّشَ عَلَيْهِ فِي الْيَقَظَةِ ، وَهَذَا النَّوْعُ هُوَ الْمَأْمُورُ بِالِاسْتِعَاذَةِ مِنْهُ ; لِأَنَّهُ مِنْ تَخَيُّلَاتِهِ ، فَإِذَا فَعَلَ الْمَأْمُورُ بِهِ صَادِقًا أَذْهَبَ اللَّهُ عَنْهُ مَا أَصَابَهُ مِنْ ذَلِكَ .

                                                                                                                                                                                  ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية