الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
فَصْلٌ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ وَلَمَّا قَتَلَ اللَّهُ أَشْرَافَ قُرَيْشٍ بِبَدْرٍ ، وَأُصِيبُوا بِمُصِيبَةٍ لَمْ يُصَابُوا بِمِثْلِهَا ، وَرَأَسَ فِيهِمْ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ لِذَهَابِ أَكَابِرِهِمْ ، وَجَاءَ كَمَا ذَكَرْنَا إِلَى أَطْرَافِ الْمَدِينَةِ فِي غَزْوَةِ السَّوِيقِ ، وَلَمْ يَنَلْ مَا فِي نَفْسِهِ ، أَخَذَ يُؤَلِّبُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ ، وَيَجْمَعُ الْجُمُوعَ ، فَجَمَعَ قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنْ قُرَيْشٍ ، وَالْحُلَفَاءِ ، وَالْأَحَابِيشِ ، وَجَاءُوا بِنِسَائِهِمْ لِئَلَّا يَفِرُّوا ، وَلِيُحَامُوا عَنْهُنَّ ، ثُمَّ أَقْبَلَ بِهِمْ نَحْوَ الْمَدِينَةِ . فَنَزَلَ قَرِيبًا مِنْ جَبَلِ أُحُدٍ بِمَكَانٍ يُقَالُ لَهُ : عَيْنَيْنِ ، وَذَلِكَ فِي شَوَّالٍ مِنَ السَّنَةِ الثَّالِثَةِ ، وَاسْتَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ أَيَخْرُجُ إِلَيْهِمْ ، أَمْ يَمْكُثُ فِي الْمَدِينَةِ ؟ وَكَانَ رَأْيُهُ أَلَّا يَخْرُجُوا مِنَ الْمَدِينَةِ ، وَأَنْ يَتَحَصَّنُوا بِهَا ، فَإِنْ دَخَلُوهَا ، قَاتَلَهُمُ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَفْوَاهِ الْأَزِقَّةِ ، وَالنِّسَاءُ مِنْ فَوْقِ الْبُيُوتِ ، وَوَافَقَهُ عَلَى هَذَا الرَّأْيِ عبد الله بن أبي ، وَكَانَ هُوَ الرَّأْيَ ، فَبَادَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ فُضَلَاءِ الصَّحَابَةِ مِمَّنْ فَاتَهُ الْخُرُوجُ يَوْمَ بَدْرٍ ، وَأَشَارُوا عَلَيْهِ بِالْخُرُوجِ ، وَأَلَحُّوا عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ ، وَأَشَارَ عبد الله بن أبي بِالْمُقَامِ فِي الْمَدِينَةِ ، وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ ، فَأَلَحَّ أُولَئِكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَنَهَضَ وَدَخَلَ بَيْتَهُ وَلَبِسَ لَأْمَتَهُ ، وَخَرَجَ عَلَيْهِمْ ، وَقَدِ انْثَنَى عَزْمُ أُولَئِكَ ، وَقَالُوا : أَكْرَهْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْخُرُوجِ ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ تَمْكُثَ فِي الْمَدِينَةِ فَافْعَلْ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ إِذَا لَبِسَ لَأْمَتَهُ أَنْ يَضَعَهَا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَدُوِّهِ ) . فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَلْفٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَاسْتَعْمَلَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ عَلَى الصَّلَاةِ بِمَنْ بَقِيَ فِي الْمَدِينَةِ ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ رَأَى رُؤْيَا وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ ، رَأَى أَنَّ فِي سَيْفِهِ ثُلْمَةً ، وَرَأَى أَنَّ بَقَرًا تُذْبَحُ ، وَأَنَّهُ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ ، فَتَأَوَّلَ الثُّلْمَةَ فِي سَيْفِهِ بِرَجُلٍ يُصَابُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَتَأَوَّلَ الْبَقَرَ بِنَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ يُقْتَلُونَ وَتَأَوَّلَ الدِّرْعَ بِالْمَدِينَةِ . فَخَرَجَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، فَلَمَّا صَارَ بِالشَّوْطِ بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَأُحُدٍ ، انْخَزَلَ عبد الله بن أبي بِنَحْوِ ثُلُثِ الْعَسْكَرِ ، وَقَالَ : تُخَالِفُنِي وَتَسْمَعُ مِنْ غَيْرِي ، فَتَبِعَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ ، وَالِدُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ يُوَبِّخُهُمْ وَيَحُضُّهُمْ عَلَى الرُّجُوعَ ، وَيَقُولُ : تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، أَوِ ادْفَعُوا . قَالُوا : لَوْ نَعْلَمُ أَنَّكُمْ تُقَاتِلُونَ ، لَمْ نَرْجِعْ ، فَرَجَعَ عَنْهُمْ ، وَسَبَّهُمْ ، وَسَأَلَهُ قَوْمٌ مِنَ الْأَنْصَارِ أَنْ يَسْتَعِينُوا بِحُلَفَائِهِمْ مِنْ يَهُودَ ، فَأَبَى ، وَسَلَكَ حَرَّةَ بَنِي حَارِثَةَ ، وَقَالَ : ( مَنْ رَجُلٌ يَخْرُجُ بِنَا عَلَى الْقَوْمِ مِنْ كَثَبٍ ) ؟ ، فَخَرَجَ بِهِ بَعْضُ الْأَنْصَارِ حَتَّى سَلَكَ فِي حَائِطٍ لِبَعْضِ الْمُنَافِقِينَ ، وَكَانَ أَعْمَى ، فَقَامَ يَحْثُو التُّرَابَ فِي وُجُوهِ الْمُسْلِمِينَ ، وَيَقُولُ : لَا أُحِلِّ لَكَ أَنْ تَدْخُلَ فِي حَائِطِي إِنْ كُنْتَ رَسُولَ اللَّهِ ، فَابْتَدَرَهُ الْقَوْمُ لِيَقْتُلُوهُ ، فَقَالَ : ( لَا تَقْتُلُوهُ فَهَذَا أَعْمَى الْقَلْبِ أَعْمَى الْبَصَرِ ) . وَنَفَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى نَزَلَ الشِّعْبَ مِنْ أُحُدٍ فِي عُدْوَةِ الْوَادِي ، وَجَعَلَ ظَهْرَهُ إِلَى أُحُدٍ ، وَنَهَى النَّاسَ عَنِ الْقِتَالِ حَتَّى يَأْمُرَهُمْ ، فَلَمَّا أَصْبَحَ يَوْمَ السَّبْتِ ، تَعَبَّى لِلْقِتَالِ ، وَهُوَ فِي سَبْعِمِائَةٍ ، فِيهِمْ خَمْسُونَ فَارِسًا ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الرُّمَاةِ - وَكَانُوا خَمْسِينَ - عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ ، وَأَمَرَهُ وَأَصْحَابَهُ أَنْ يَلْزَمُوا مَرْكَزَهُمْ ، وَأَلَّا يُفَارِقُوهُ ، وَلَوْ رَأَى الطَّيْرَ تَتَخَطَّفُ الْعَسْكَرَ ، وَكَانُوا خَلْفَ الْجَيْشِ ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَنْضَحُوا الْمُشْرِكِينَ بِالنَّبْلِ ، لِئَلَّا يَأْتُوا الْمُسْلِمِينَ مِنْ وَرَائِهِمْ . فَظَاهَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ دِرْعَيْنِ يَوْمَئِذٍ ، وَأَعْطَى اللِّوَاءَ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ ، وَجَعَلَ عَلَى إِحْدَى الْمَجْنَبَتَيْنِ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ ، وَعَلَى الْأُخْرَى المنذر بن عمرو ، وَاسْتَعْرَضَ الشَّبَابَ يَوْمَئِذٍ فَرَدَّ مَنِ اسْتَصْغَرَهُ عَنِ الْقِتَالِ ، وَكَانَ مِنْهُمْ عبد الله بن عمر ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ، وأسيد بن ظهير ، وَالْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ ، وَزَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، وعرابة بن أوس ، وعمرو بن حزم ، وَأَجَازَ مَنْ رَآهُ مُطِيقًا ، وَكَانَ مِنْهُمْ سَمُرَةُ بْنُ جُنْدَبٍ ، وَرَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ ، وَلَهُمَا خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً . فَقِيلَ : أَجَازَ مَنْ أَجَازَ لِبُلُوغِهِ بِالسِّنِّ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً ، وَرَدَّ مَنْ رَدَّ لِصِغَرِهِ عَنْ سِنِّ الْبُلُوغِ ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : إِنَّمَا أَجَازَ مَنْ أَجَازَ لِإِطَاقَتِهِ ، وَرَدَّ مَنْ رَدَّ لِعَدَمِ إِطَاقَتِهِ ، وَلَا تَأْثِيرَ لِلْبُلُوغِ وَعَدَمِهِ فِي ذَلِكَ قَالُوا : وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ : ( فَلَمَّا رَآنِي مُطِيقًا أَجَازَنِي ) . وَتَعَبَّتْ قُرَيْشٌ لِلْقِتَالِ ، وَهُمْ فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ ، وَفِيهِمْ مِائَتَا فَارِسٍ ، فَجَعَلُوا عَلَى مَيْمَنَتِهِمْ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ ، وَعَلَى الْمَيْسَرَةِ عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ ، وَدَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَيْفَهُ إِلَى أَبِي دُجَانَةَ سِمَاكِ بْنِ خَرَشَةَ ، وَكَانَ شُجَاعًا بَطَلًا يَخْتَالُ عِنْدَ الْحَرْبِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية