الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
فصل

فلما كانوا بذي الحليفة قلد رسول الله صلى الله عليه وسلم الهدي وأشعره ، وأحرم بالعمرة ، وبعث بين يديه عينا له من خزاعة يخبره عن قريش ، حتى إذا كان قريبا من عسفان أتاه عينه فقال : إني تركت كعب بن لؤي قد جمعوا لك الأحابيش ، وجمعوا لك جموعا ، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت ومانعوك ، واستشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه وقال : أترون أن نميل إلى ذراري هؤلاء الذين أعانوهم فنصيبهم ، فإن قعدوا قعدوا موتورين محروبين ، وإن يجيئوا تكن عنقا قطعها الله ، أم ترون أن نؤم البيت ، فمن صدنا عنه قاتلناه ؟ فقال أبو بكر : الله ورسوله أعلم ، إنما جئنا معتمرين ، ولم نجئ لقتال أحد ، ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( فروحوا إذا ) فراحوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة [ ص: 258 ] فخذوا ذات اليمين " ، فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة الجيش فانطلق يركض نذيرا لقريش ، وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته ، فقال الناس : حل حل . فألحت ، فقالوا : خلأت القصواء خلأت القصواء . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق ، ولكن حبسها حابس الفيل ) . ثم قال ( والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها ) ، ثم زجرها فوثبت به ، فعدل حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء إنما يتبرضه الناس تبرضا ، فلم يلبثه الناس أن نزحوه ، فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العطش ، فانتزع سهما من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه . قال : فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه .

وفزعت قريش لنزوله عليهم ، فأحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليهم رجلا من أصحابه ، فدعا عمر بن الخطاب ليبعثه إليهم ، فقال : يا رسول الله ، ليس لي بمكة أحد من بني كعب يغضب لي إن أوذيت ، فأرسل عثمان بن عفان فإن عشيرته بها ، وإنه مبلغ ما أردت . فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان فأرسله إلى قريش وقال : أخبرهم أنا لم نأت لقتال ، وإنما جئنا عمارا ، وادعهم إلى الإسلام ، وأمره أن يأتي رجالا بمكة مؤمنين ونساء مؤمنات فيدخل عليهم ، ويبشرهم بالفتح ، ويخبرهم أن الله عز وجل مظهر دينه بمكة ، حتى لا يستخفى فيها بالإيمان ، فانطلق عثمان فمر على قريش ببلدح فقالوا : أين تريد ؟ فقال: [ ص: 259 ] بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أدعوكم إلى الله وإلى الإسلام ، وأخبركم أنا لم نأت لقتال ، وإنما جئنا عمارا . فقالوا : قد سمعنا ما تقول ، فانفذ لحاجتك ، وقام إليه أبان بن سعيد بن العاص فرحب به وأسرج فرسه ، فحمل عثمان على الفرس ، وأجاره ، وأردفه أبان حتى جاء مكة ، وقال المسلمون قبل أن يرجع عثمان : خلص عثمان قبلنا إلى البيت وطاف به . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما أظنه طاف بالبيت ونحن محصورون " . فقالوا : وما يمنعه يا رسول الله وقد خلص ؟ قال " ذاك ظني به ألا يطوف بالكعبة حتى نطوف معه )


التالي السابق


الخدمات العلمية