الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ومن محاسن مذهب الإمام أحمد ، أن حرم نكاحها بالكلية حتى تتوب ، ويرتفع عنها اسم الزانية والبغي والفاجرة ، فهو - رحمه الله - لا يجوز أن يكون الرجل زوج بغي ، ومنازعوه يجوزون ذلك ، وهو أسعد منهم في هذه المسألة بالأدلة كلها من النصوص والآثار ، والمعاني والقياس ، والمصلحة والحكمة ، وتحريم ما رآه المسلمون قبيحا .

والناس إذا بالغوا في سب الرجل صرحوا له بالزاي والقاف ، فكيف تجوز الشريعة مثل هذا ، مع ما فيه من تعرضه لإفساد فراشه ، وتعليق أولاد عليه من غيره ، وتعرضه للاسم المذموم عند جميع الأمم ؟ وقياس قول من جوز العقد على الزانية ووطئها قبل استبرائها حتى لو كانت حاملا ، أن لا يوجب استبراء الأمة إذا كانت حاملا من الزنى ، بل يطؤها عقيب ملكها ، وهو مخالف لصريح السنة .

فإن أوجب استبراءها ، نقض قوله بجواز وطء الزانية قبل استبرائها ، وإن لم يوجب استبراءها ، خالف النصوص ، ولا ينفعه الفرق بينهما ، بأن الزوج لا استبراء عليه ، بخلاف السيد فإن الزوج إنما لم يجب عليه الاستبراء ؛ لأنه لم يعقد على معتدة ، ولا حامل من غيره بخلاف السيد ، ثم إن الشارع إنما حرم الوطء ، بل [ ص: 647 ] العقد في العدة خشية إمكان الحمل ، فيكون واطئا حاملا من غيره ، وساقيا ماءه لزرع غيره مع احتمال أن لا يكون كذلك ، فكيف إذا تحقق حملها .

وغاية ما يقال : إن ولد الزانية ليس لاحقا بالواطئ الأول ، فإن الولد للفراش ، وهذا لا يجوز إقدامه على خلط مائه ونسبه بغيره ، وإن لم يلحق بالواطئ الأول ، فصيانة مائه ونسبه عن نسب لا يلحق بواضعه لصيانته عن نسب يلحق به .

والمقصود : أن الشرع حرم وطء الأمة الحامل حتى تضع ، سواء كان حملها محرما أو غير محرم وقد فرق النبي - صلى الله عليه وسلم - بين الرجل والمرأة التي تزوج بها ، فوجدها حبلى ، وجلدها الحد ، وقضى لها بالصداق ، وهذا صريح في بطلان العقد على الحامل من الزنى . ( وصح عنه أنه مر بامرأة مجح على باب فسطاط فقال : ( لعل سيدها يريد أن يلم بها ) ؟ قالوا : نعم . قال : ( لقد هممت أن ألعنه لعنا يدخل معه قبره ، كيف يستخدمه وهو لا يحل له ، كيف يورثه وهو لا يحل له ؟ ) .

فجعل سبب همه بلعنته وطأه للأمة الحامل ، ولم يستفصل عن حملها ، هل هو لاحق بالواطئ أم غير لاحق به ؟ وقوله : ( كيف يستخدمه وهو لا يحل له ) أي : كيف يجعله عبدا له يستخدمه ، وذلك لا يحل ، فإن ماء هذا الواطئ يزيد في خلق الحمل ، فيكون بعضه منه ، قال الإمام أحمد يزيد وطؤه في سمعه وبصره .

وقوله : ( كيف يورثه وهو لا يحل له ) ، سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول فيه : أي كيف يجعله تركة موروثة عنه ، فإنه يعتقده عبده ، فيجعله تركة تورث عنه ، ولا يحل له ذلك ؛ لأن ماءه زاد في خلقه ، ففيه جزء منه .

وقال غيره : المعنى : كيف يورثه على أنه ابنه ، ولا يحل له ذلك ؛ لأن [ ص: 648 ] الحمل من غيره ، وهو بوطئه يريد أن يجعله منه ، فيورثه ماله ، وهذا يرده أول الحديث ، وهو قوله : ( كيف يستعبده ) ؟ أي : كيف يجعله عبده ؟ وهذا إنما يدل على المعنى الأول .

وعلى القولين ، فهو صريح في تحريم وطء الحامل من غيره ، سواء كان الحمل من زنى أو من غيره ، وأن فاعل ذلك جدير باللعن ، بل قد صرح جماعة من الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم : بأن الرجل إذا ملك زوجته الأمة لم يطأها حتى يستبرئها خشية أن تكون حاملا منه في صلب النكاح ، فيكون على ولده الولاء لموالي أمه بخلاف ما علقت به في ملكه ، فإنه لا ولاء عليه ، وهذا كله احتياط لولده : هل هو صريح الحرية لا ولاء عليه ، أو عليه ولاء ؟ فكيف إذا كانت حاملا من غيره ؟

التالي السابق


الخدمات العلمية