الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                              ( وفتحت مكة صلحا ) كما دل عليه قوله تعالى { ولو قاتلكم الذين كفروا } أي أهل مكة { وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة } { الذين أخرجوا من ديارهم } أي المهاجرين من مكة فأضاف الدور إليهم والخبر الصحيح { من دخل المسجد فهو آمن ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن ألقى سلاحه فهو آمن ومن أغلق بابه فهو آمن } واستثناء أفراد أمر بقتلهم [ ص: 264 ] يدل على عموم الأمان للباقي ولم يسلب صلى الله عليه وسلم أحدا ولا قسم عقارا ولا منقولا ولو فتحت عنوة لكان الأمر بخلاف ذلك ، وإنما دخلها صلى الله عليه وسلم متأهبا للقتال خوفا من غدرهم ونقضهم للصلح الذي وقع بينه وبين أبي سفيان رضي الله عنه قبل دخولها وفي البويطي أن أسفلها فتحه خالد عنوة وأعلاها فتحه الزبير رضي الله عنهما ودخل صلى الله عليه وسلم من جهته فصار الحكم له وبهذا تجتمع الأخبار التي ظاهرها التعارض

                                                                                                                              وأما ما في فتح الباري أنه صح منه صلى الله عليه وسلم الأمر بالقتال حيث قال : { أترون إلى أوباش قريش وأتباعهم احصدوهم حصدا حتى توافوني بالصفا فجاءه أبو سفيان فقال : أبيحت خضراء قريش فقال : صلى الله عليه وسلم من أغلق بابه فهو آمن } وأن هذا حجة الأكثرين القائلين بالعنوة كوقوع القتال من خالد وكتصريحه صلى الله عليه وسلم بأنها أحلت له ساعة من نهار ونهيه عن التأسي به في ذلك وإن تركه القسمة لا يستلزم عدم العنوة فقد يمن عليهم بدورهم بعد الفتح عنوة وإن قوله : صلى الله عليه وسلم { من دخل المسجد فهو آمن } إلخ لا يكون صلحا إلا إذا كفوا عن القتال وظاهر الأحاديث الصحيحة أن قريشا لم يلتزموا ذلك ؛ لأنهم استعدوا للحرب فيجاب عنه وإن سكت عليه تلامذته وغيرهم ، أما عن الأول فبان صريح قوله حتى توافوني بالصفا أن أمره إنما كان لخالد ومن معه الداخلين من أسفلها وقد بين موسى بن عقبة وغيره أنه أمرهم أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم فالأمر بالقتل فيما ذكر محمول على هذا التفصيل أي احصدوهم إن قاتلوكم ولا مانع أنه كرر قوله من أغلق بابه فهو آمن ، وأما عن الثاني فهو أن وقوع القتال من خالد إنما كان لمن قاتله كما أمر صلى الله عليه وسلم وبه صرح أئمة السير وبغرض أنه باجتهاد منه فلا عبرة به مع رأيه صلى الله عليه وسلم

                                                                                                                              وأما عن الثالث فبأن حلها له لا يستلزم وقوع القتال منه لمن لم يقاتله وكم أحل له صلى الله عليه وسلم أشياء لم يفعلها كما يعرف ذلك بسير خصائصه صلى الله عليه وسلم ، وأما عن الرابع فهو أنا لم نجعل عدم القسمة دليلا مستقلا بل مقويا على أن لك أن تجعله مستقلا بأن تقول الأصل في عدم القسمة أنه دليل على الصلح حتى يقوم دليل على خلافه فعدمها ظاهر في الصلح وإن لم يستلزمه وما نحن فيه يكتفى فيه بالظاهر ، وأما عن الخامس فهو أن أكابرهم كفوا عن القتال ولم يقع إلا من أخلاطهم في غير الجهة التي دخل منها صلى الله عليه وسلم وقد تقرر أنه لا عبرة بها ولا بمن بها ؛ لأنهم كانوا أخلاطا لا يعبأ بهم كما أطبق عليه أئمة السير وبفرض تأهب قريش للقتال فهو لا يقتضي رد الصلح ؛ لأنه لخوف بادرة تقع من شواذ ذلك الجيش الحافل لا سيما وقد سمعوا قول سعد سيد الخزرج وحامل رايتهم بمر الظهران لأبي سفيان اليوم يوم الملحمة أي القتل وإن كان صلى الله عليه وسلم قال كذب سعد وأخذ الراية منه وأعطاها لولده قيس أو لعلي أو للزبير رضي الله عنهم

                                                                                                                              فإن قلت يؤيد العنوة قوله : صلى الله عليه وسلم ثاني يوم الفتح في خطبته لأهل مكة اذهبوا فأنتم الطلقاء قلت لا يؤيده ؛ لأن معناه فأنتم الذين أطلقهم الله بواسطة تركهم للقتال من أن يضرب عليهم أسر أو استرقاق وحينئذ فهو دليل للصلح لا للعنوة . ( فدورها وأرضها المحياة ملك تباع ) كما دلت عليه الأخبار ولم يزل الناس يتبايعونها نعم الأولى عدم بيعها وإجارتها خروجا من خلاف من منعهما في الأرض ، أما البناء فلا خلاف في حل بيعه وإجارته ، وأما خبره مكة لا تباع رباعها ولا تؤجر دورها فضعيف خلافا للحاكم قيل : قوله فدورها إلخ يقتضي ترتب كونها ملكا على الصلح وليس كذلك ؛ لأن قضيته أنها وقف ؛ لأنها فيء وهو وقف ، إما بنفس حصوله [ ص: 265 ] أو إيقافه وكونها غير ملك على العنوة وليس كذلك أيضا ؛ لأن المفتوح عنوة غنيمة مخمسة والصواب أنه صلى الله عليه وسلم أقر الدور بيد أهلها على الملك الذي كانوا عليه ولا نظر في ذلك إلى أنها فتحت صلحا أو عنوة . ا هـ .

                                                                                                                              ويرد بما يأتي أن من أنواع الصلح أن يقع على أن كل البلد لهم وهذا هو الواقع كما يشير إليه قول المعترض والصواب إلخ فيترتب على هذا الصلح أن أرضها ودورها ملك لأهلها يتصرفون فيه كيف شاءوا ولا يترتب ذلك على العنوة ؛ لأنها إذا كانت غنيمة يكون خمس خمسها للمصالح وثلاثة أخماس خمسها لجهات عامة فلا يتمكن البقية من التصرف فيها كذلك فصح التفريع في كلامه على الصلح لا على العنوة وبان أنه لا اعتراض عليه ومصر فتحت عنوة وقيل صلحا وهو مقتضى نص الأم في الوصية وحمله الأولون على أن المفتوح صلحا هي نفسها لا غير ، وإنما بقيت الكنائس بها لقوة القول بأنها وجميع إقليمها فتحت صلحا قيل ولاحتمال أنها كانت خارجة عنها ، ثم اتصلت فيه نظر ؛ لأن الكنائس موجودة بها وبإقليمها فلا يتصور حينئذ إلا القول بأن الكل صلح إلا أن يجاب بأنهم راعوا في إبقائهم قوة الخلاف كما تقرر ودمشق عنوة عند السبكي ومنقول الرافعي عن الروياني أن مدن الشام صلح وأرضها عنوة وبسطت الكلام على ذلك كأكثر بلاد الإسلام بما لا يستغنى عن مراجعته في إفتاء فيه أبلغ الرد على ظالم أراد إبطال أوقاف مصر محتجا بأنها فتحت عنوة

                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                              حاشية ابن قاسم

                                                                                                                              ( وفتحت مكة صلحا ) . ( قوله : فبان صريح قوله إلخ ) من أين [ ص: 265 ] قوله : وثلاثة أخماس خمسها ) ولم ترك أربعة أخماس الغانمين مع أنها تمنع ملك أهلها



                                                                                                                              حاشية الشرواني

                                                                                                                              ( تنبيه ) لو رأى الإمام اليوم أن يقف أرض الغنيمة كما فعل عمر رضي الله تعالى عنه ، أو عقاراتها ، أو منقولاتها جاز إن رضي الغانمون بذلك كنظيره فيما مر عن عمر رضي الله تعالى عنه لا قهرا عليهم وإن خشي أنها تشغلهم عن الجهاد ؛ لأنها ملكهم لكن يقهرهم على الخروج إلى الجهاد بحسب الحاجة ولا يرد شيء من الغنيمة إلى الكفار إلا برضا الغانمين ؛ لأنهم ملكوا أن يتملكوها مغني وروض مع شرحه ( قوله : كما دل عليه ) إلى قوله وأما ما في فتح الباري في النهاية

                                                                                                                              ( قوله : وهو الذي إلخ ) أي : وقوله تعالى وهو إلخ ( قوله : { الذين أخرجوا } ) أي : وقوله تعالى الذين إلخ

                                                                                                                              ( قوله : فأضاف الدور إليهم ) في الاستدلال بهذه الآية هنا نظر لا يخفى . ا هـ . رشيدي عبارة ع ش قد يتوقف في دلالة هذه ؛ لأن إخراجهم لم يكن بعد الفتح بل كان قبل الهجرة والدور مملوكة لهم إذ ذاك [ ص: 264 ] ا هـ . ( قوله : يدل إلخ ) خبر والخبر الصحيح ( قوله : ولم يسلب ) ببناء الفاعل من باب الأفعال أي : لم يعط السلب

                                                                                                                              ( قوله : إلى ، أوباش قريش ) الأوباش الأخلاط والسفلة . ا هـ . قاموس ( قوله : بالصفا ) جبل معروف في مكة

                                                                                                                              ( قوله : وإن هذا إلخ ) كقوله وإن تركه إلخ وقوله وإن قوله إلخ عطف على قوله إنه صح إلخ ( قوله بأنها ) أي : مكة ( قوله : لم يلتزموا ذلك ) أي : الانكفاف

                                                                                                                              ( قوله : فيجاب ) جواب أما وقوله عنه أي : عما في الفتح .

                                                                                                                              ( قوله : أما عن الأول ) وهو قوله : إنه صح عنه صلى الله عليه وسلم الأمر بالقتال

                                                                                                                              ( قوله : فبان صريح قوله إلخ ) من أين . ا هـ . سم ( قوله : فيما ذكره ) أي : في الحديث الذي ذكره صاحب الفتح ( قوله ولا مانع ) جواب عما يقال إن القول المذكور قد سبق ذكره في جملة أحاديث تقتضي عموم الخطاب به وهو ينافي ما ادعاه من أن أمره بذلك إنما كان لخالد ومن معه ( قوله : وأما عن الثاني ) وهو قوله : كوقوع القتال إلخ

                                                                                                                              ( قوله : وأما عن الثالث ) وهو قوله : وكتصريحه إلخ ( قوله : وأما عن الرابع ) وهو قوله : وإن تركه القسمة إلخ

                                                                                                                              ( قوله : وأما عن الخامس ) وهو قوله : وإن قوله صلى الله عليه وسلم إلخ ( قوله : لا عبرة بها ) أي : بجهة غير جهة دخوله صلى الله عليه وسلم

                                                                                                                              ( قوله : ؛ لأنه ) أي : التأهب ( قوله : لخوف بادرة ) البادرة على وزن نادرة ما يبدر من حدتك في الغضب من قول ، أو فعل . ا هـ . قاموس ( قوله : وحامل رايتهم ) عطف على سيد الخزرج

                                                                                                                              ( قوله : بمر الظهران ) اسم موضع بقرب مكة ( قوله : وإن كان إلخ ) غاية ( قوله : ؛ لأن معناه إلخ ) هذا خلاف المتبادر فلا يدفع التأييد

                                                                                                                              ( قوله : من أن يضرب إلخ ) متعلق بأطلق

                                                                                                                              ( قوله : كما دلت ) إلى قوله وأما خبر في المغني إلا ما أنبه عليه وإلى قوله قيل في النهاية ( قوله : نعم الأولى عدم بيعها إلخ ) مقتضاه أن بيعها وإجارتها خلاف الأولى كما في المجموع ومال المغني إلى ما قاله الزركشي من كراهتهما

                                                                                                                              ( قوله : من خلاف من منعهما ) وممن منع بيعها أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه

                                                                                                                              ( قوله : فلا خلاف في حل بيعه إلخ ) أي : إذا لم يكن البناء من أجزاء أرض مكة كما يؤخذ مما مر في بناء سواد العراق . ا هـ . مغني ( قوله : رباعها ) أي : منازلها . ا هـ . ع ش ( قوله : قيل إلخ ) وممن قال به المغني

                                                                                                                              ( قوله : ؛ لأن قضيته ) أي : الصلح

                                                                                                                              ( قوله : ما بنفس الحصول ) أي : على المرجوح من أن الفيء يصير وقفا بنفس حصوله [ ص: 265 ] أو إيقافه أي : على المذهب من أن الإمام مخير بين أن يجعله وقفا تقسم غلته على المرتزقة وأن يبيعه ويقسم ثمنه بينهم ( قوله : وكونها إلخ ) عطف على قوله كونها ملكا إلخ ( قوله : فيه ) الأولى التأنيث

                                                                                                                              ( قوله : وثلاثة أخماس خمسها إلخ ) لم لم يقل وأربعة أخماس خمسها ولم ترك أربعة أخماس الغانمين مع أنها تمنع ملك أهلها . ا هـ . سم ( قوله : كذلك ) أي : كيف شاءوا

                                                                                                                              ( قوله : وبأن إلخ ) أي : ظهر ( قوله : ومصر فتحت عنوة ) كذا في النهاية والمغني وشرح المنهج وقال الرشيدي أي : ولم يصح أنها وقفت كما في فتاوى والده وعليه فلا خراج في أرضها ؛ لأنها ملك الغانمين وموروثة عنهم لكن في حواشيه على شرح الروض عن ابن الرفعة نقلا عن جماعة من العلماء أنها فتحت عنوة وأن عمر رضي الله تعالى عنه وضع على أراضيهم الخراج فليحرر ولينظر وضع الخراج فيها على قواعد مذهبنا ، ثم رأيت في حواشي ابن قاسم في الباب الآتي ما هو صريح في أن المراد بمصر المفتوحة عنوة خصوص البلد لا جميع أراضيها وبه ينتفي الإشكال . هـ ا . عبارة ع ش قوله : وفتحت مصر عنوة أي : وقراها ونحوها مما في إقليمها فتحت صلحا انتهى سم على المنهج نقلا عن فتاوى شيخ الإسلام . ا هـ . ( قوله : وحمله الأولون إلخ ) عبارة المغني تتمة الصحيح أن مصر فتحت عنوة وممن نص عليه مالك في المدونة وأبو عبيد والطحاوي وغيرهم وإن عمر رضي الله تعالى عنه وضع على أراضيهم الخراج وفي وصية الشافعي في الأم ما يقتضي أنها فتحت صلحا وكان الليث يحدث عن زيد بن حبيب أنها فتحت صلحا ، ثم نكثوا ففتحها عمر رضي الله تعالى عنه ثانيا عنوة ويمكن حمل الخلاف على هذا فمن قال فتحت صلحا نظر لأول الأمر ومن قال عنوة نظر لآخر الأمر . ا هـ . ( قوله : وهي نفسها ) والمراد بها مصر العتيقة والذي اعتمده شيخنا الحفني أن مصر وقراها فتحت عنوة بدليل إطلاق الشارح هنا وتفصيله في الشام وعلى هذا يكون أرضها غير مملوكة لأهلها بل ملكا للغانمين فلذا أخذ عليها الخراج إلا أن يقال : يمكن أن تكون وصلت لأهلها بطريق من الطرق ، أو أنهم ورثة الغانمين فلذا أخذ عليها الخراج لا ينافي الملك كما إذا فتحت البلد صلحا وشرط كونه لهم ويؤدون خراجه كما يأتي في آخر الجزية . هـ ا . بجيرمي على شرح المنهج

                                                                                                                              ( قوله : إن مدن الشام ) أي : فتحها . ا هـ . ع ش




                                                                                                                              الخدمات العلمية