الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                              جزء صفحة
                                                                                              صحيح مسلم 4854 (2) بَابٌ فَضْلُ مَجَالِسِ الذِّكْرِ وَالِاسْتِغْفَارِ [ 2615 ] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَلَائِكَةً سَيَّارَةً فَضْلًا يَتْبَعُونَ مَجَالِسَ الذِّكْرِ ، فَإِذَا وَجَدُوا مَجْلِسًا فِيهِ ذِكْرٌ قَعَدُوا مَعَهُمْ ، وَحَفَّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِأَجْنِحَتِهِمْ حَتَّى يَمْلَؤُوا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا ، فَإِذَا تَفَرَّقُوا عَرَجُوا وَصَعِدُوا إِلَى السَّمَاءِ ، قَالَ : فَيَسْأَلُهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ أَعْلَمُ : مِنْ أَيْنَ جِئْتُمْ ؟ فَيَقُولُونَ : جِئْنَا مِنْ عِنْدِ عِبَادٍ لَكَ فِي الْأَرْضِ يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيُهَلِّلُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ وَيَسْأَلُونَكَ ، قَالَ : وَمَاذَا يَسْأَلُونِي ؟ قَالُوا : يَسْأَلُونَكَ جَنَّتَكَ ، قَالَ : وَهَلْ رَأَوْا جَنَّتِي ؟ قَالُوا : لَا أَيْ رَبِّ ، قَالَ : فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا جَنَّتِي ؟ قَالُوا : وَيَسْتَجِيرُونَكَ ، قَالَ : وَمِمَّ يَسْتَجِيرُونَنِي ؟ قَالُوا : مِنْ نَارِكَ يَا رَبِّ ، قَالَ : وَهَلْ رَأَوْا نَارِي ؟ قَالُوا : لَا ، قَالَ : فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا نَارِي ؟ قَالُوا : وَيَسْتَغْفِرُونَكَ ، قَالَ : فَيَقُولُ : قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ وَأَعْطَيْتُهُمْ مَا سَأَلُوا وَأَجَرْتُهُمْ مِمَّا اسْتَجَارُوا ، قَالَ : يَقُولُونَ : رَبِّ فِيهِمْ فُلَانٌ ، عَبْدٌ خَطَّاءٌ ، إِنَّمَا مَرَّ فَجَلَسَ مَعَهُمْ ، قَالَ : فَيَقُولُ : وَلَهُ غَفَرْتُ ، هُمُ الْقَوْمُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ . رَوَاهُ أَحْمَدُ (2 \ 358) ، وَمُسْلِمٌ (2689) . المفهم (2) وَمِنْ بَابِ : فَضْلِ مَجَالِسِ الذِّكْرِ (قَوْلُهُ : " إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً سَيَّارَةً فَضْلًا ") بِفَتْحِ الْفَاءِ وَإِسْكَانِ الضَّادِ . رِوَايَةُ الشُّيُوخِ فِي مُسْلِمٍ وَالْبُخَارِيِّ . أَيْ : زِيَادَةً عَلَى كِتَابِ النَّاسِ ، وَعِنْدَ الْهَرَوِيِّ : فَضْلٌ - بِرَفْعِ اللَّامِ - عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ . وَوَقَعَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ : فُضُلًا - بِضَمِّ الْفَاءِ وَالضَّادِ - وَكَأَنَّهُ تَأَوَّلَهُ عَلَى أَنَّهُ جَمْعُ فَاضِلٍ ، وَلَا تُسَاعِدُهُ الْعَرَبِيَّةُ ، وَلَا الْمَعْنَى . وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ : فُضَلَاءُ - بِضَمِّ الْفَاءِ وَفَتْحِ الضَّادِ وَالْمَدِّ وَالْهَمْزِ - كَظُرَفَاءَ . وَالْمَلَائِكَةُ وَإِنْ كَانُوا كُلُّهُمْ كَذَلِكَ ، فَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ ذِكْرِ ذَلِكَ ، وَالصَّوَابُ التَّقْيِيدُ الْأَوَّلُ . وَ (قَوْلُهُ : " فَإِذَا وَجَدُوا مَجْلِسَ ذِكْرٍ قَعَدُوا مَعَهُمْ ، وَحَفَّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِأَجْنِحَتِهِمْ ") هَذِهِ رِوَايَةُ السِّجْزِيِّ وَالسَّمَرْقَنْدِيِّ ، أَيْ : يُحَدِّقُونَ حَوْلَهُمْ ، وَمِصْدَاقُهَا فِي الْبُخَارِيِّ : " يَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ " ، وَفِي كِتَابِ ابْنِ عِيسَى : وَحَطَّ - بِحَاءٍ وَطَاءٍ مُهْمَلَتَيْنِ - وَمَعْنَاهُ : أَشَارَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ بِالنُّزُولِ ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْعُذْرِيِّ : حَظَّ : - بِالظَّاءِ الْقَائِمَةِ الْمُعْجَمَةِ - وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ : بِالسَّاقِطَةِ ، وَلَيْسَا بِشَيْءٍ ، وَهُمَا تَصْحِيفٌ . وَ (قَوْلُهُ : " سَيَّارَةً ") يَعْنِي : سَائِرِينَ ، كَمَا قَالَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى : "سَيَّاحِينَ " . وَ (قَوْلُهُ : " فَإِذَا وَجَدُوا مَجْلِسَ ذِكْرٍ قَعَدُوا مَعَهُمْ ") يَعْنِي : مَجَالِسَ الْعِلْمِ وَالتَّذْكِيرِ . وَهِيَ الْمَجَالِسُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَلَامُ اللَّهِ ، وَسُنَّةُ رَسُولِهِ ، وَأَخْبَارُ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ ، وَكَلَامُ الْأَئِمَّةِ الزُّهَّادِ الْمُتَقَدِّمِينَ ، الْمُبَرَّأَةُ عَنِ التَّصَنُّعِ وَالْبِدَعِ ، وَالْمُنَزَّهَةُ عَنِ الْمَقَاصِدِ الرَّدِيَّةِ وَالطَّمَعِ ، وَهَذِهِ الْمَجَالِسُ قَدِ انْعَدَمَتْ فِي هَذَا الزَّمَانِ ، وَعُوِّضَ مِنْهَا الْكَذِبُ وَالْبِدَعُ ، وَمَزَامِيرُ الشَّيْطَانِ . نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ حُضُورِهَا ، وَنَسْأَلُهُ الْعَافِيَةَ مِنْ شُرُورِهَا . وَ (قَوْلُهُ : " فَيَسْأَلُهُمْ - وَهُنَّ أَعْلَمُ - : مِنْ أَيْنَ جِئْتُمْ ؟ ") هَذَا السُّؤَالُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِلْمَلَائِكَةِ ، هُوَ عَلَى جِهَةِ التَّنْبِيهِ لِلْمَلَائِكَةِ عَلَى قَوْلِهَا : أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ [ الْبَقَرَةِ : 30 ] وَإِظْهَارٌ لِتَحْقِيقِ قَوْلِهِ : إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ [ الْبَقَرَةِ : 30 ] وَهُوَ مِنْ نَحْوِ مُبَاهَاةِ اللَّهِ تَعَالَى الْمَلَائِكَةَ بِأَهْلِ عَرَفَةَ حِينَ قَالَ لَهُمْ : " مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ ؟ انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي جَاءُونِي شُعْثًا غُبْرًا ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ " . وَكَذَلِكَ نُصَّ عَلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ . وَ (قَوْلُهُ : " وَيُمَجِّدُونَكَ ") أَيْ : يُعَظِّمُونَكَ بِذِكْرِ صِفَاتِ كَمَالِكَ وَجَلَالِكَ . وَقَدْ تَقَدَّمَ : أَنَّ أَصْلَ الْمَجْدِ الْكَثْرَةُ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ : فِي كُلِّ شَجَرَةٍ نَارٌ ، وَاسْتَمْجَدَ الْمَرْخُ وَالْعِفَارُ . وَ (قَوْلُهُ : " كَيْفَ لَوْ رَأَوْا جَنَّتِي ؟ ") هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلْمُعَايَنَةِ زِيَادَةَ مَزِيَّةٍ عَلَى الْعِلْمِ فِي التَّحْقِيقِ وَالْوُضُوحِ ; فَإِنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ الْمُتَذَكِّرِينَ لِلْجَنَّةِ وَالنَّارِ كَانُوا عَالِمِينَ بِذَلِكَ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : " فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا " يَعْنِي : لَوْ رَأَوْهَا لَحَصَلَ مِنَ الْيَقِينِ وَالتَّحْقِيقِ زِيَادَةٌ عَلَى مَا عِنْدَهُمْ ، وَلِتَحْصِيلِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ سَأَلَ مُوسَى الرُّؤْيَةَ ، وَالْخَلِيلُ مُشَاهَدَةَ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى . وَ ( قَوْلُ الْمَلَائِكَةِ : "فِيهِمْ فُلَانٌ عَبْدٌ خَطَّاءٌ ، إِنَّمَا مَرَّ فَجَلَسَ مَعَهُمْ ") إِنَّمَا اسْتَبْعَدَتِ الْمَلَائِكَةُ أَنْ يَدْخُلَ هَذَا مَعَ أَهْلِ الْمَجْلِسِ فِي الْمَغْفِرَةِ ; لِأَنَّهُ لَمْ تَكُنْ عَادَتُهُ حُضُورَ مَجَالِسِ الذِّكْرِ ، وَإِنَّمَا كَانَتْ عَادَتُهُ مُلَازَمَةَ الْخَطَايَا ، فَعَرَضَ لَهُ هَذَا الْمَجْلِسُ ، فَجَلَسَهُ ، فَدَخَلَ مَعَ أَهْلِهِ فِيمَا قُسِمَ لَهُمْ مِنَ الْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ . فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ التَّرْغِيبُ الْعَظِيمُ فِي حُضُورِ مَجَالِسِ الذِّكْرِ ، وَمُجَالَسَةِ الْعُلَمَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَمُلَازَمَتِهِمْ . وَ (قَوْلُهُ : " هُمُ الْقَوْمُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ ") هَذِهِ مُبَالَغَةٌ فِي إِكْرَامِهِمْ ، وَزِيَادَةٌ فِي إِعْلَاءِ مَكَانَتِهِمْ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ أُكْرِمَ جَلِيسُهُمْ بِنَحْوِ مَا أُكْرِمُوا بِهِ لِأَجْلِهِمْ ، وَإِنْ لَمْ يُشَفَّعُوا فِيهِ ، وَلَا طَلَبُوا لَهُ شَيْئًا ، وَهَذِهِ حَالَةٌ شَرِيفَةٌ ، وَمَنْزِلَةٌ مُنِيفَةٌ ، لَا خَيَّبَنَا اللَّهُ مِنْهُمْ ، وَجَعَلَنَا مِنْ أَهْلِهَا .

                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                              الخدمات العلمية