الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  صحيح البخاري 3148 1 - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ هَمَّامٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا ، ثُمَّ قَالَ : اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ ، فَاسْتَمَعَ مَا يُحَيُّونَكَ تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذَرِّيَّتِكَ ، فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ، فَقَالُوا : السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ ، فَزَادُوهُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ ، فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ فَلَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ يَنْقُصُ حَتَّى الْآنَ . عمدة القاري مُطَابَقَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ ظَاهِرَةٌ لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ الْمُرَادُ مِنَ الْخَلِيفَةِ فِي الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ هُوَ آدَمُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، وَقَدْ مَرَّ الْكَلَامُ فِيهِ عَنْ قَرِيبٍ . وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ هُوَ الْمَعْرُوفُ بِالْمُسْنِدِيِّ ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ الْيَمَانِيُّ ، وَهَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهٍ الْأَنْبَارِيُّ الصَّنْعَانِيُّ أَخُو وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ ، وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا فِي الِاسْتِئْذَانِ عَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْفَرٍ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ . قَوْلُهُ : " وَطُولُهُ " الْوَاوُ فِيهِ لِلْحَالِ ، قَوْلُهُ : " سِتُّونَ ذِرَاعًا " قَالَ ابْنُ التِّينِ : الْمُرَادُ ذِرَاعُنَا ; لِأَنَّ ذِرَاعَ كُلَّ أَحَدٍ مِثْلُ رُبْعِهِ وَلَوْ كَانَتْ بِذِرَاعِهِ لَكَانَتْ يَدُهُ قَصِيرَةً فِي جَنْبِ طُولِ جِسْمِهِ كَالْإِصْبَعِ وَالظُّفْرِ ، وَقِيلَ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِذِرَاعِ نَفْسِهِ ، وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعِيدُ أَهْلَ الْجَنَّةِ إِلَى خِلْقَةِ أَصْلِهِمُ الَّذِي هُوَ آدَمُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، وَعَلَى صِفَتِهِ وَطُولِهِ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الْجَنَّةِ ، وَكَانَ طُولُهُ فِيهَا سِتِّينَ ذِرَاعًا فِي الِارْتِفَاعِ بِذِرَاعِ نَفْسِهِ قَالَ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الذِّرَاعُ مُقَدَّرًا بِأَذْرُعِتِنَا الْمُتَعَارَفَةِ عِنْدَنَا ، وَقِيلَ : إِنَّهُ كَانَ يُقَارِبُ أَعْلَاهُ السَّمَاءَ ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ كَانَتْ تَتَأَذَّى بِنَفَسِهِ فَخَفَّضَهُ اللَّهُ إِلَى سِتِّينَ ذِرَاعًا ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ خِلَافُهُ ، وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ : لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ فِي الْجَنَّةِ كَانَ رِجْلَاهُ فِي الْأَرْضِ وَرَأْسُهُ فِي السَّمَاءِ يَسْمَعُ كَلَامَ أَهْلِ السَّمَاءِ وَدُعَاءَهُمْ ، وَيَأْنَسُ إِلَيْهِمْ ، فَهَابَتْهُ الْمَلَائِكَةُ حَتَّى شَكَتْ إِلَى اللَّهِ ذَلِكَ فِي دُعَائِهَا ، فَخَفَّضَهُ اللَّهُ إِلَى الْأَرْضِ ، وَقَالَهُ قَتَادَةُ وَأَبُو صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبُو يَحْيَى الْقَتَّاتُ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي كِتَابِ الْعَرْشِ مِنْ حَدِيثِ طَلْحَةَ بْنِ عَمْرِو الْحَضْرَمِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَرَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : " كَانَ طُولُ آدَمَ سِتِّينَ ذِرَاعًا فِي سَبْعَةِ أَذْرُعٍ عَرْضًا " ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ رَجُلًا طِوَالًا ، كَثِيرَ شَعْرِ الرَّأْسِ ، كَأَنَّهُ نَخْلَةٌ سَحُوقٌ . قَوْلُهُ : " اذْهَبْ فَسَلِّمْ " هُوَ أَوَّلُ مَشْرُوعِيَّةِ السَّلَامِ وَهُوَ دَالٌّ عَلَى أَنَّ تَأَكُّدَهُ وَإِفْشَاءَهُ سَبَبٌ لِلْمَحَبَّةِ الدِّينِيَّةِ ، وَدُخُولِ الْجَنَّةِ الْعَلِيَّةِ ، وَقَدْ قِيلَ بِوُجُوبِهِ حَكَاهُ الْقُرْطُبِيُّ ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْوَارِدَ عَلَى جُلُوسٍ يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ ، وَالْأَفْضَلُ تَعْرِيفُهُ فَإِنْ نَكَّرَهُ جَازَ. وَفِيهِ الزِّيَادَةُ فِي الرَّدِّ عَلَى الِابْتِدَاءِ ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الرَّدِّ الْإِتْيَانُ بِالْوَاوِ ، قَوْلُهُ : " مَا يُحَيُّونَكَ " مِنَ التَّحِيَّةِ ، وَيُرْوَى مَا يُجِيبُونَكَ مِنَ الْإِجَابَةِ ، قَوْلُهُ : " تَحِيَّتُكَ " بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ؛ أَيْ هَذِهِ تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذَرِّيَّتِكَ مِنْ بَعْدِكَ . قَوْلُهُ : " فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " : أَيْ كُلُّ مَنْ يَرْزُقُهُ اللَّهُ تَعَالَى دُخُولَ الْجَنَّةِ يَدْخُلُهَا وَهُوَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ فِي الْحُسْنِ وَالْجَمَالِ ، وَلَا يَدْخُلُ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا مِنَ السَّوَادِ إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا السُّودِ ، وَلَا يَدْخُلُ أَيْضًا عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا بِوَصْفٍ مِنَ الْعَاهَاتِ وَالنَّقَائِصِ ، قَوْلُهُ : " فَلَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ يَنْقُصُ " : أَيْ مِنْ طُولِهِ ، أَرَادَ أَنَّ كُلَّ قَرْنٍ يَكُونُ وُجُودُهُ أَقْصَرَ مِنَ الْقَرْنِ الَّذِي قَبْلَهُ ، فَانْتَهَى تَنَاقُصُ الطُّولِ إِلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ ، وَاسْتَقَرَّ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ حَتَّى الْآنَ .

                                                                                                                                                                                  ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية