الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  صحيح البخاري 3120 98 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَخْبَرَهُ ، أَنَّ أَبَاهُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ : اسْتَأْذَنَ عُمَرُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعِنْدَهُ نِسَاءٌ مِنْ قُرَيْشٍ يُكَلِّمْنَهُ وَيَسْتَكْثِرْنَهُ عَالِيَةً أَصْوَاتُهُنَّ ، فَلَمَّا اسْتَأْذَنَ عُمَرُ قُمْنَ يَبْتَدِرْنَ الْحِجَابَ ، فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَضْحَكُ ، فَقَالَ عُمَرُ : أَضْحَكَ اللَّهُ سِنَّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : عَجِبْتُ مِنْ هَؤُلَاءِ اللَّاتِي كُنَّ عِنْدِي ، فَلَمَّا سَمِعْنَ صَوْتَكَ ابْتَدَرْنَ الْحِجَابَ ، قَالَ عُمَرُ : فَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كُنْتَ أَحَقَّ أَنْ يَهَبْنَ ، ثُمَّ قَالَ أَيْ عَدُوَّاتِ أَنْفُسِهِنَّ أَتَهَبْنَنِي وَلَا تَهَبْنَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُلْنَ : نَعَمْ ، أَنْتَ أَفَظُّ وَأَغْلَظُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ قَطُّ سَالِكًا فَجًّا ، إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ . عمدة القاري عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْمَدِينِيِّ ، وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ يَرْوِي عَنْ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَصَالِحٌ هُوَ ابْنُ كَيْسَانَ ، وَابْنُ شِهَابٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيُّ . وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا فِي فَضْلِ عُمَرَ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَرَّقَهُمَا . وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الْفَضَائِلِ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ أَبِي مُزَاحِمٍ وَعَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيِّ وَعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ . وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ فِي الْمَنَاقِبِ وَفِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَفِيهِ أَرْبَعَةٌ مِنَ التَّابِعَيْنِ وَهُمْ صَالِحٌ وَمَنْ بَعْدَهُ . قَوْلُهُ : " يُكَلِّمْنَهُ " أَيْ يُكَلِّمْنَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . قَوْلُهُ : " وَيَسْتَكْثِرْنَهُ " أَيْ يَطْلُبْنَ كَثِيرًا مِنْ كَلَامِهِ وَجَوَابِهِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْعَطَاءِ ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ وَرَدَ فِي رِوَايَةٍ " أَنَّهُنَّ يُرِدْنَ النَّفَقَةَ " . قَوْلُهُ : " عَالِيَةً أَصْوَاتُهُنَّ " هَذِهِ الْجُمْلَةُ وَقَعَتْ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي فِي يُكَلِّمْنَهُ وَأَصْوَاتُهُنَّ بِالرَّفْعِ ; لِأَنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ يَعْمَلُ عَمَلَ فِعْلِهِ ، وَعُلُوُّ أَصْوَاتِهِنَّ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ النَّهْيِ عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ ، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ لِاجْتِمَاعِهِنَّ حَصَلَ لَغَطٌ مِنْ كَلَامِهِنَّ أَوْ يَكُونُ فِيهِنَّ مَنْ هِيَ جَهِيرَةُ الصَّوْتِ ، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُنَّ لَمَّا عَلِمْنَ عَفْوَهُ وَصَفْحَهُ سَمَحْنَ فِي رَفْعِ الصَّوْتِ . قَوْلُهُ : " يَبْتَدِرْنَ " أَيْ يَتَسَارَعْنَ ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي فِي قُلْنَ . قَوْلُهُ : " وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَضْحَكُ " جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ . قَوْلُهُ : " أَضْحَكَ اللَّهُ سِنَّكَ " لَيْسَ دُعَاءً بِكَثْرَةِ الضَّحِكِ حَتَّى يُعَارِضَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا بَلِ الْمُرَادُ لَازِمُهُ وَهُوَ السُّرُورُ أَوِ الْآيَةُ لَيْسَتْ عَامَّةً شَامِلَةً لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، قَالَهُ الْكِرْمَانِيُّ وَفِيهِ نَظَرٌ ، وَالْوَجْهُ هُوَ الْأَوَّلُ . قَوْلُهُ : " يَهَبْنَ " بِفَتْحِ الْهَاءِ مِنَ الْهَيْبَةِ . قَوْلُهُ : " أَيْ عَدُّوَاتِ " أَيْ يَا عَدُّوَاتِ . قَوْلُهُ : " أَفَظُّ وَأَغْلَظُ " وَالْفَظَاظَةُ وَالْغِلَظُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنْ شِدَّةِ الْخُلُقِ وَخُشُونَةِ الْجَانِبِ . ( فَإِنْ قُلْتَ ) : الْأَفَظُّ وَالْأَغْلَظُ يَقْتَضِي الشَّرِكَةَ فِي أَصْلِ الْفِعْلِ ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَظًّا غَلِيظًا ، وَقَدْ نَفَى اللَّهُ عَنْهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ قُلْتُ : لَا يَلْزَمُ مِنْهُ إِلَّا نَفْسُ الْفَظَاظَةِ وَالْغِلَظِ ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهِ فَظًّا غَلِيظًا ، لِأَنَّهُمَا صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ يَدُلَّانِ عَلَى الثُّبُوتِ ، وَالْعَامُّ لَا يَسْتَلْزِمُ الْخَاصَّ ، أَوِ الْأَفْضَلُ لَيْسَ بِمَعْنَى الزِّيَادَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ هَذَا كُلُّهُ كَلَامُ الْكِرْمَانِيِّ ، وَفِي النَّفْسِ مِنْهُ قَلَقٌ ، وَالْأَوْجَهُ أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ عَلَى الْمُفَاضَلَةِ ، وَإِنَّ الْقَدْرَ الَّذِي بَيْنَهُمَا فِي رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ مَا كَانَ إِغْلَاظُهُ عَلَى الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ قَوْلُهُ : " فَجًّا " بِفَتْحِ الْفَاءِ وَتَشْدِيدِ الْجِيمِ هُوَ الطَّرِيقُ الْوَاسِعُ ، وَقِيلَ هُوَ الطَّرِيقُ بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ ، وَقَالَ عِيَاضٌ : يَحْتَمِلُ أَنَّهُ ضُرِبَ مَثَلًا لِبُعْدِ الشَّيْطَانِ وَأَعْوَانِهِ مِنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَأَنَّهُ لَا سَبِيلَ لَهُمْ عَلَيْهِ ، أَيْ إِنَّكَ إِذَا سَلَكْتَ فِي أَمْرٍ بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ تَنْفُذُ فِيهِ وَلَا تَتْرُكُهُ فَيَيْأَسَ الشَّيْطَانُ مِنْ أَنْ يُوَسْوِسَ فِيهِ فَتَتْرُكُهُ وَتَسْلُكُ غَيْرَهُ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الطَّرِيقَ عَلَى الْحَقِيقَةِ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ فَلَا يَخَافُهُ إِذًا فِي فَجٍّ ; لِأَنَّهُ لَا يَرَاهُ . وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ ( فَإِنْ قُلْتَ ) : فَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ أَفْضَلُ مِنْ أَيُّوبَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إِذْ قَالَ : مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ قُلْتُ : لَا إِذِ التَّرْكِيبُ لَا يَدُلُّ إِلَّا عَلَى الزَّمَانِ الْمَاضِي وَذَلِكَ أَيْضًا مَخْصُوصٌ بِحَالٍ مِنَ الْإِسْلَامِ ، فَلَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَأَيْضًا هُوَ مُقَيَّدٌ بِحَالِ سُلُوكِ الطَّرِيقِ ، فَجَازَ أَنْ يَلْقَاهُ فِي غَيْرِ تِلْكَ الْحَالَةِ ، انْتَهَى . ( قُلْتُ ) : الْجَوَابُ الْأَخِيرُ مُوَجَّهٌ ، وَالَّذِي ذَكَرْنَاهُ آنِفًا أَوْجَهُ مِنَ الْكُلِّ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِيهِ فَضْلُ لِينِ الْجَانِبِ وَالرِّفْقِ . وَفِيهِ فَضْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ . وَفِيهِ حُلْمُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَايَةَ مَا يَكُونُ . وَفِيهِ لَا يَنْبَغِي الدُّخُولُ عَلَى أَحَدٍ إِلَّا بَعْدَ الِاسْتِئْذَانِ .

                                                                                                                                                                                  ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية