الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
الدر المختار وَصِفَتُهَا فَرْضٌ لِلصَّلَاةِ وَوَاجِبٌ لِلطَّوَافِ ، قِيلَ وَمَسُّ الْمُصْحَفِ لِلْقَوْلِ بِأَنَّ الْمُطَهَّرِينَ الْمَلَائِكَةُ ، وَسُنَّةٌ لِلنَّوْمِ ، وَمَنْدُوبٌ فِي نَيِّفٍ وَثَلَاثِينَ مَوْضِعًا ذَكَرْتهَا فِي الْخَزَائِنِ : مِنْهَا بَعْدَ كَذِبٍ وَغِيبَةٍ وَقَهْقَهَةٍ وَشِعْرٍ وَأَكْلِ جَزُورٍ وَبَعْدَ كُلِّ خَطِيئَةٍ ، وَلِلْخُرُوجِ مِنْ خِلَافِ الْعُلَمَاءِ . وَرُكْنُهَا : غَسْلٌ وَمَسْحٌ وَزَوَالُ نَجَسٍ . وَآلَتُهَا : مَاءٌ وَتُرَابٌ وَنَحْوُهُمَا . وَدَلِيلُهَا آيَةُ - { إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ } - وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ إجْمَاعًا . وَأَجْمَعَ أَهْلُ السِّيَرِ أَنَّ الْوُضُوءَ وَالْغَسْلَ فُرِضَا بِمَكَّةَ مَعَ فَرْضِ الصَّلَاةِ بِتَعْلِيمِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يُصَلِّ قَطُّ إلَّا بِوُضُوءٍ ، بَلْ هُوَ شَرِيعَةُ مَنْ قَبْلَنَا ، بِدَلِيلِ { هَذَا وُضُوئِي وَوُضُوءُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي } وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا إذَا قَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ وَلَمْ يَظْهَرْ نَسْخُهُ فَفَائِدَةُ نُزُولِ الْآيَةِ تَقْرِيرُ الْحُكْمِ الثَّابِتِ ، وَتَأَتِّي اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ الَّذِي هُوَ رَحْمَةٌ . كَيْفَ وَقَدْ اشْتَمَلَتْ عَلَى نَيِّفٍ وَسَبْعِينَ حُكْمًا مَبْسُوطٍ فِي تَيَمُّمِ الضِّيَاءِ عَنْ فَوَائِدِ الْهِدَايَةِ ، وَعَلَى ثَمَانِيَةِ أُمُورٍ كُلُّهَا مُثَنَّى طَهَارَتَيْنِ : الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ وَمُطَهِّرَيْنِ : الْمَاءُ وَالصَّعِيدُ ، وَحُكْمَيْنِ : الْغَسْلُ وَالْمَسْحُ ، وَمُوجِبَيْنِ : الْحَدَثُ وَالْجَنَابَةُ ، وَمُبِيحَيْنِ : الْمَرَضُ وَالسَّفَرُ وَدَلِيلَيْنِ : التَّفْصِيلِيُّ فِي الْوُضُوءِ وَالْإِجْمَالِيُّ فِي الْغُسْلِ ، وَكِنَايَتَيْنِ : الْغَائِطُ وَالْمُلَامَسَةُ ، وَكَرَامَتَيْنِ : تَطْهِيرُ الذُّنُوبِ وَإِتْمَامُ النِّعْمَةِ أَيْ بِمَوْتِهِ شَهِيدًا ، لِحَدِيثِ { مَنْ دَاوَمَ عَلَى الْوُضُوءِ مَاتَ شَهِيدًا } ذَكَرَهُ فِي الْجَوْهَرَةِ . وَإِنَّمَا قَالَ آمَنُوا بِالْغَيْبَةِ دُونَ آمَنْتُمْ لِيَعُمَّ كُلَّ مَنْ آمَنَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ قَالَهُ فِي الضِّيَاءِ ، وَكَأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ فِي الْآيَةِ الْتِفَاتًا ، وَالتَّحْقِيقُ خِلَافُهُ . وَأَتَى فِي الْوُضُوءِ بِإِذَا التَّحْقِيقِيَّةِ ، وَفِي الْجَنَابَةِ بِإِنْ التَّشَكُّكِيَّةِ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ الصَّلَاةَ مِنْ الْأُمُورِ اللَّازِمَةِ وَالْجَنَابَةَ مِنْ الْأُمُورِ الْعَارِضَةِ ، وَصَرَّحَ بِذِكْرِ الْحَدَثِ فِي الْغُسْلِ وَالتَّيَمُّمِ دُونَ الْوُضُوءِ لِيُعْلِمَ أَنَّ الْوُضُوءَ سُنَّةٌ وَفَرْضٌ وَالْحَدَثَ شَرْطٌ لِلثَّانِي لَا لِلْأَوَّلِ ، فَيَكُونُ الْغُسْلُ عَلَى الْغُسْلِ وَالتَّيَمُّمِ عَبَثًا وَالْوُضُوءُ عَلَى الْوُضُوءِ نُورٌ عَلَى نُورٍ . رد المحتار ( قَوْلُهُ : وَصِفَتُهَا ) أَيْ الطَّهَارَةِ . ( قَوْلُهُ : فَرْضٌ ) أَيْ قَطْعِيٌّ ط . ( قَوْلُهُ : لِلصَّلَاةِ ) فَرْضِهَا وَنَفْلِهَا ط . ( قَوْلُهُ : وَوَاجِبٌ ) الْأَوْلَى وَاجِبَةٌ . ( قَوْلُهُ : لِلْقَوْلِ إلَخْ ) يَعْنِي أَنَّهُ قِيلَ بِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ لِمَسِّ الْمُصْحَفِ لَا فَرْضٌ لِلِاخْتِلَافِ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ ، فَلَمْ تَكُنْ قَطْعِيَّةَ الدَّلَالَةِ حَتَّى تُثْبِتَ الْفَرْضِيَّةَ ; لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى - { لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ } - قِيلَ إنَّهُ صِفَةٌ لِكِتَابٍ مَكْنُونٍ وَهُوَ اللَّوْحُ ، وَقِيلَ صِفَةٌ لِقُرْآنٍ كَرِيمٍ وَهُوَ الْمُصْحَفُ . فَعَلَى الْأَوَّلِ الْمُرَادُ مِنْ الْمُطَهَّرِينَ الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ ; لِأَنَّهُمْ مُطَهَّرُونَ عَنْ أَدْنَاسِ الذُّنُوبِ : أَيْ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ سِوَاهُمْ . وَعَلَى الثَّانِي الْمُرَادُ مِنْهُمْ النَّاسُ الْمُطَهَّرُونَ مِنْ الْأَحْدَاثِ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِيهِ حَمْلَ الْمَسِّ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَالْأَصْلُ فِي الْكَلَامِ الْحَقِيقَةُ وَاحْتِمَالُ غَيْرِهَا بِلَا دَلِيلٍ لَا يَقْدَحُ فِي صِحَّةِ الِاسْتِدْلَالِ ; إذْ قَلَّ أَنْ يُوجَدَ دَلِيلٌ بِلَا احْتِمَالٍ فَلَا يُنَافِي ذَلِكَ الْقَطْعِيَّةَ ، فَلِذَا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ أَشَارَ الشَّارِحُ إلَى اخْتِيَارِ الْقَوْلِ بِالْفَرْضِيَّةِ وَقَوَّاهُ الْمُحَشِّي الْحَلَبِيُّ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الشُّرُنْبُلَالِيُّ لَكِنْ سَيَأْتِي أَنَّ الْفَرْضَ مَا قُطِعَ بِلُزُومِهِ حَتَّى يَكْفُرَ جَاحِدُهُ وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا فِي الْخُلَاصَةِ أَنَّهُ لَوْ أَنْكَرَ الْوُضُوءَ لِغَيْرِ الصَّلَاةِ لَا يَكْفُرُ عِنْدَنَا إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّهُ مِنْ الْفَرْضِ الْعَمَلِيِّ ، وَهُوَ أَقْوَى نَوْعَيْ الْوَاجِبِ وَأَضْعَفُ نَوْعَيْ الْفَرْضِ ، فَلَا يَكْفُرُ جَاحِدُهُ كَمَا يَأْتِي بَيَانُهُ ، وَبِهِ يَحْصُلُ التَّوْفِيقُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ . ( قَوْلُهُ : وَسُنَّةٌ لِلنَّوْمِ ) كَذَا فِي شَرْحِ الْمُلْتَقَى ، لَكِنْ عَدَّهُ الشُّرُنْبُلَالِيُّ وَغَيْرُهُ فِي الْمَنْدُوبَاتِ وَجَعَلَ الْأَنْوَاعَ ثَلَاثَةً فَلْيُحْفَظْ ابْنُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ . ( قَوْلُهُ : فِي نَيِّفٍ ) قَالَ فِي الْمُخْتَارِ : النَّيِّفُ بِوَزْنِ الْهَيِّنِ الزِّيَادَةُ يُخَفَّفُ وَيُشَدَّدُ ، وَيُقَالُ عَشَرَةٌ وَنَيِّفٌ وَمِائَةٌ وَنَيِّفٌ ، وَكُلُّ مَا زَادَ عَلَى الْعَقْدِ فَهُوَ نَيِّفٌ حَتَّى يَبْلُغَ الْعَقْدَ الثَّانِيَ ا هـ ط . ( قَوْلُهُ : ذَكَرْتهَا فِي الْخَزَائِنِ ) ذَكَرَهَا فِي مَكْرُوهَاتِ الْوُضُوءِ ، فَمِنْهَا عِنْدَ اسْتِيقَاظٍ مِنْ نَوْمٍ ، وَلِمُدَاوَمَةٍ عَلَيْهِ ، وَلِلْوُضُوءِ عَلَى الْوُضُوءِ إذَا تَبَدَّلَ الْمَجْلِسُ ، وَغُسْلُ مَيِّتٍ وَحَمْلُهُ ، وَلِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ ، وَقَبْلَ غُسْلِ جَنَابَةٍ ، وَلِجُنُبٍ عِنْدَ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَنَوْمٍ وَوَطْءٍ ، وَلِغَضَبٍ وَقِرَاءَةٍ وَحَدِيثٍ وَرِوَايَتِهِ ، وَدِرَاسَةِ عِلْمٍ ، وَأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ ، وَلِخُطْبَةٍ وَلَوْ نِكَاحًا ، وَزِيَارَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوُقُوفٍ وَسَعْيٍ شُرُنْبُلَالِيٌّ ، وَمَسِّ كُتُبٍ شَرْعِيَّةٍ تَعْظِيمًا لَهَا إمْدَادٌ وَسَيَجِيءُ ، وَنَظَرٍ لِمَحَاسِنِ امْرَأَةٍ نَهْرٌ ، وَلِمُطْلَقِ الذِّكْرِ كَمَا يَأْتِي قُبَيْلَ الْمِيَاهِ ، وَفِي ابْتِدَاءِ الْغُسْلِ كَمَا يَأْتِي فِي مَحَلِّهِ وَلِكُلِّ صَلَاةٍ لَوْ مُتَوَضِّئًا ; لِأَنَّهُ رُبَّمَا اغْتَابَ أَوْ كَذَبَ ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ تَيَمَّمَ وَنَوَى بِهِ رَفْعَ الْإِثْمِ فَتَاوَى الصُّوفِيَّةِ ، فَهِيَ مَعَ السَّبْعَةِ الَّتِي هِيَ هُنَا نَيِّفٌ وَثَلَاثُونَ كَمَا ذَكَرَهُ أَفَادَهُ ابْنُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ . ( قَوْلُهُ : بَعْدَ كَذِبٍ وَغِيبَةٍ ) لِأَنَّهُمَا مِنْ النَّجَاسَاتِ الْمَعْنَوِيَّةِ ; وَلِذَا يَخْرُجُ مِنْ الْكَاذِبِ نَتِنٌ يَتَبَاعَدُ مِنْهُ الْمَلِكُ الْحَافِظُ كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ ، وَكَذَا أَخْبَرَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ رِيحٍ مُنْتِنَةٍ بِأَنَّهَا رِيحُ الَّذِينَ يَغْتَابُونَ النَّاسَ وَالْمُؤْمِنِينَ وَلِإِلْفِ ذَلِكَ مِنَّا وَامْتِلَاءِ أُنُوفِنَا مِنْهَا لَا تَظْهَرُ لَنَا كَالسَّاكِنِ فِي مَحَلَّةِ الدَّبَّاغِينَ وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ الْكَلَامُ عَلَى الْكَذِبِ وَالْغِيبَةِ وَمَا يُرَخَّصُ مِنْهُمَا . ( قَوْلُهُ : وَقَهْقَهَةٍ ) لِأَنَّهَا لَمَّا كَانَتْ فِي الصَّلَاةِ جِنَايَةٌ تَنْقُضُ الْوُضُوءَ أَوْجَبَتْ نُقْصَانَ الطَّهَارَةِ خَارِجَهَا فَكَانَ الْوُضُوءُ مِنْهَا مُسْتَحَبًّا كَمَا ذَكَرَهُ سَيِّدِي عَبْدُ الْغَنِيِّ النَّابُلُسِيُّ فِي نِهَايَةِ الْمُرَادِ عَلَى هَدِيَّةِ ابْنِ الْعِمَادِ . ( قَوْلُهُ : وَشِعْرٍ ) أَيْ قَبِيحٍ إمْدَادٌ وَقَدَّمْنَا بَيَانَ الْقَبِيحِ مِنْهُ وَغَيْرَ الْقَبِيحِ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى الْمُقَدِّمَةِ ، وَمَنْ أَرَادَ مِنْ بَيَانِهِ نِهَايَةَ الْمُرَادِ فَعَلَيْهِ بِنِهَايَةِ الْمُرَادِ . ( قَوْلُهُ : وَأَكْلِ جَزُورٍ ) أَيْ أَكْلِ لَحْمِ جَزُورٍ : أَيْ جَمَلٍ ، لِقَوْلِ بَعْضِهِمْ بِوُجُوبِ الْوُضُوءِ مِنْهُ ، وَهَذَا يَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ بَعْدُ وَلِلْخُرُوجِ مِنْ خِلَافِ الْعُلَمَاءِ أَفَادَهُ ط . ( قَوْلُهُ : وَبَعْدَ كُلِّ خَطِيئَةٍ ) عَطْفُ عَامٍّ عَلَى خَاصٍّ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا ذَكَرَهُ مِمَّا هُوَ خَطِيئَةٌ وَذَلِكَ لِمَا وَرَدَ فِي الْأَحَادِيثِ مِنْ تَكْفِيرِ الْوُضُوءِ لِلذُّنُوبِ . ( قَوْلُهُ : وَلِلْخُرُوجِ مِنْ خِلَافِ الْعُلَمَاءِ ) كَمَسِّ ذَكَرِهِ وَمَسِّ امْرَأَةٍ . ( قَوْلُهُ : وَرُكْنُهَا ) هُوَ فِي اللُّغَةِ الْجَانِبُ الْأَقْوَى . وَفِي الِاصْطِلَاحِ الْجَزَاءُ الذَّاتِيُّ الَّذِي تَتَرَكَّبُ الْمَاهِيَّةُ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ شَرْحِ الْمُنْيَةِ لِلْحَلَبِيِّ . ( قَوْلُهُ : غُسْلٌ وَمَسْحٌ وَزَوَالُ نَجَسٍ ) أَيْ مَجْمُوعُ الثَّلَاثَةِ ، فَفِي النَّجَاسَةِ الْمَرْئِيَّةِ زَوَالُ عَيْنِ النَّجَسِ ، وَفِي غَيْرِ الْمَرْئِيَّةِ وَالْحَدَثِ الْأَكْبَرِ غُسْلٌ فَقَطْ ، وَفِي الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ غُسْلٌ وَمَسْحٌ ، وَأَمَّا نَحْوُ الْعَصْرِ وَالتَّثْلِيثِ فَمِنْ الشُّرُوطِ . ( قَوْلُهُ : وَنَحْوُهُمَا ) مِنْ مَائِعٍ وَذَلِكَ وَذَكَاةٌ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا سَيَأْتِي فِي الْمُطَهَّرَاتِ . ( قَوْلُهُ : وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ ) لِأَنَّهَا مِنْ الْمَائِدَةِ ، وَهِيَ مِنْ آخِرِ الْقُرْآنِ نُزُولًا . [ فَائِدَةٌ ] الْمَدَنِيُّ مَا نَزَلَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ الْمَدِينَةِ ، وَالْمَكِّيُّ مَا نَزَلَ قَبْلَهَا وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ مَكَّةَ ، وَهُوَ الْأَصَحُّ مِنْ أَقْوَالٍ ثَلَاثَةٍ حَكَاهَا السُّيُوطِيّ فِي الْإِتْقَانِ ط . ( قَوْلُهُ : وَأَجْمَعَ أَهْلُ السِّيَرِ ) جَمْعُ سِيرَةٍ أَيْ الْمَغَازِي ، وَهَذَا رَدٌّ لِمَا يُقَالُ يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ بِلَا وُضُوءٍ إلَى وَقْتِ نُزُولِ آيَةِ الْوُضُوءِ ; لِأَنَّك ذَكَرْت أَنَّ آيَةَ الْوُضُوءِ مَدَنِيَّةٌ مَعَ أَنَّ الصَّلَاةَ فُرِضَتْ بِمَكَّةَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ ، بَلْ فِي الْمَوَاهِبِ عَنْ فَتْحِ الْبَارِي أَنَّهُ كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ الْإِسْرَاءِ يُصَلِّي قَطْعًا وَكَذَلِكَ أَصْحَابُهُ ، وَلَكِنْ اُخْتُلِفَ هَلْ اُفْتُرِضَ قَبْلَ الْخَمْسِ شَيْءٌ مِنْ الصَّلَاةِ أَمْ لَا ؟ فَقِيلَ إنَّ الْفَرْضَ كَانَ صَلَاةً قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا - { وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا } - . ا هـ . ( قَوْلُهُ : مَعَ فَرْضِ الصَّلَاةِ ) إنْ أُرِيدَ بِهَا الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ أَشْكَلَ بِمَا قَدَّمْنَاهُ آنِفًا أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَهَا قَطْعًا ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَعِيَّةَ لِلْمَكَانِ لَا لِلزَّمَانِ ، فَلَا يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ صَلَاتُهُ قَبْلَ الِافْتِرَاضِ بِلَا وُضُوءٍ ; وَلِذَا عَمَّمَ بَعْدَهُ بِقَوْلِهِ وَأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إلَخْ . مَطْلَبٌ فِي تَعَبُّدِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ . ( قَوْلُهُ : بَلْ هُوَ شَرِيعَةُ مَنْ قَبْلَنَا ) انْتِقَالٌ إلَى جَوَابٍ آخَرَ ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُخْتَارِ مِنْ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَبْلَ مَبْعَثِهِ كَانَ مُتَعَبِّدًا بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ ; لِأَنَّ التَّكْلِيفَ لَمْ يَنْقَطِعْ مِنْ بَعْثَةِ آدَمَ وَلَمْ يُتْرَكْ النَّاسُ سُدًى قَطُّ ، وَلِتَظَافُرِ رِوَايَاتِ صَلَاتِهِ وَصَوْمِهِ وَحَجِّهِ ، وَلَا تَكُونُ طَاعَةٌ بِلَا شَرْعٍ ; لِأَنَّ الطَّاعَةَ مُوَافَقَةُ الْأَمْرِ وَكَذَا بَعْدَ مَبْعَثِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، وَبُسِطَ ذَلِكَ فِي التَّحْرِيرِ وَشَرْحِهِ ، وَسَيَأْتِي أَوَّلَ كِتَابِ الصَّلَاةِ أَنَّ الْمُخْتَارَ عِنْدَنَا عَدَمُهُ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ . ( قَوْلُهُ : بِدَلِيلِ إلَخْ ) أَيْ بِدَلِيلِ الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْنِيّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَفِي آخِرِهِ { ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ هَذَا وُضُوئِي } إلَخْ " . مَطْلَبُ لَيْسَ أَصْلُ الْوُضُوءِ مِنْ خُصُوصِيَّاتِ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، بَلْ الْغُرَّةُ وَالتَّحْجِيلُ وَدُفِعَ بِأَنَّ وُجُودَهُ فِي الْأَنْبِيَاءِ لَا يَدُلُّ عَلَى وُجُودِهِ فِي أُمَمِهِمْ ; وَلِهَذَا قِيلَ إنَّهُ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى بَقِيَّةِ الْأُمَمِ دُونَ أَنْبِيَائِهِمْ ، لِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ { إنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ } . وَأُجِيبَ بِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْهُ أَنَّ الْخَاصَّ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ الْغُرَّةُ وَالتَّحْجِيلُ لَا أَصْلُ الْوُضُوءِ ، وَبِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ مَا ثَبَتَ لِلْأَنْبِيَاءِ يَثْبُتُ لِأُمَمِهِمْ ، يُؤَيِّدُهُ مَا فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ قِصَّةِ سَارَةَ مَعَ الْمَلِكِ أَنَّهُ لَمَّا هَمَّ بِالدُّنُوِّ مِنْهَا قَامَتْ تَتَوَضَّأُ وَتُصَلِّي ، وَمِنْ قِصَّةِ جُرَيْجٍ الرَّاهِبِ أَنَّهُ قَامَ فَتَوَضَّأَ ، قِيلَ يُمْكِنُ حَمْلُ هَذَا عَلَى الْوُضُوءِ اللُّغَوِيِّ . أَقُولُ : حَيْثُ ثَبَتَ الْوُضُوءُ الشَّرْعِيُّ لِلْأَنْبِيَاءِ بِحَدِيثِ هَذَا وُضُوئِي إلَخْ ، فَحَمْلُ الْوُضُوءِ الثَّابِتِ لِأُمَمِهِمْ بِالْقِصَّتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ عَلَى اللُّغَوِيِّ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ دَلِيلٍ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْفَرْقِ . ( قَوْلُهُ : مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ إلَخْ ) أَفَادَ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى قِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى بَقَائِهِ ، أَمَّا لَوْ نَصَّ عَلَيْنَا مُقْتَرِنًا بِالْإِنْكَارِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى - { حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا } - الْآيَةَ فَإِنَّهُ أَنْكَرَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى - { قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ } - الْآيَةَ وَكَتَحْرِيمِ السَّبْتِ ، أَوْ ظَهَرَ نَسْخُهُ بَعْدَ إقْرَارِهِ كَالتَّوَجُّهِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَلَا يَكُونُ شَرْعًا لَنَا ، بِخِلَافِ نَحْوِ - { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا } - وَنَحْوُ صَوْمِ عَاشُورَاءَ . ( قَوْلُهُ : فَفَائِدَةُ نُزُولِ الْآيَةِ إلَخْ ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ إذَا كَانَ الْوُضُوءُ فُرِضَ بِمَكَّةَ مَعَ فَرْضِيَّةِ الصَّلَاةِ وَهُوَ أَيْضًا شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا فَقَدْ ثَبَتَتْ فَرْضِيَّتُهُ فَمَا فَائِدَةُ نُزُولِ آيَةِ الْمَائِدَةِ ؟ أَفَادَهُ ط . ( قَوْلُهُ : تَقْرِيرُ الْحُكْمِ الثَّابِتِ ) أَيْ تَثْبِيتُهُ ، فَإِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ عِبَادَةً مُسْتَقِلَّةً بَلْ تَابِعًا لِلصَّلَاةِ احْتَمَلَ أَنْ لَا تَهْتَمَّ الْأُمَّةُ بِشَأْنِهِ ، وَأَنْ يَتَسَاهَلُوا فِي شَرَائِطِهِ وَأَرْكَانِهِ بِطُولِ الْعَهْدِ عَنْ زَمَنِ الْوَحْيِ وَانْتِقَاصِ النَّاقِلِينَ يَوْمًا فَيَوْمًا ، بِخِلَافِ مَا إذَا ثَبَتَ بِالنَّصِّ الْمُتَوَاتِرِ الْبَاقِي فِي كُلِّ زَمَانٍ وَعَلَى كُلِّ لِسَانٍ . ا هـ . دُرَرٌ . ( قَوْلُهُ : وَتَأَتِّي ) مَصْدَرُ تَأَتَّيْ مَعْطُوفٌ عَلَى " تَقْرِيرُ " . ( قَوْلُهُ : اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ ) أَيْ الْمُجْتَهِدِينَ فِي النِّيَّةِ وَالدَّلْكِ وَالتَّرْتِيبِ وَنَقْضِهِ بِالْمَسِّ وَقَدْرِ الْمَمْسُوحِ . ( قَوْلُهُ : عَلَى نَيِّفٍ وَسَبْعِينَ حُكْمًا ) مِنْهَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقِيَامِ إرَادَتُهُ وَاقْتِضَاءُ اللَّفْظِ إيجَابَ الْغُسْلِ عَقِبَهُ ; لِأَنَّهُ مُحْكَمٌ ، وَأَنَّ الْوَاجِبَ الْإِسَالَةُ دُونَ الْمَسْحِ بِلَا اشْتِرَاطِ الدَّلْكِ وَلَا النِّيَّةِ وَلَا التَّرْتِيبِ وَلَا الْوَلَاءِ ، وَجَوَازُ مَسْحِ الرَّأْسِ مِنْ أَيِّ جَانِبٍ كَانَ ، وَدَلَالَتُهَا عَلَى بُطْلَانِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْغَسْلِ وَالْمَسْحِ ، وَعَلَى جَوَازِ مَسْحِ الْخُفَّيْنِ ، وَعَلَى أَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ لَيْسَ بِفَرْضٍ ، وَعَلَى تَعْمِيمِ الْبَدَنِ فِي الْغُسْلِ ، وَعَلَى وُجُوبِ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ فِيهِ ، وَعَلَى وُجُوبِ التَّيَمُّمِ لِمَرِيضٍ خَافَ الضَّرَرَ وَعَلَى جَوَازِهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ ، وَعَلَى جَوَازِهِ لِخَائِفِ سَبُعٍ وَعَدُوٍّ ، وَعَلَى جَوَازِهِ لِلْجُنُبِ ، وَعَلَى أَنَّ نَاسِيَ الْمَاءِ يَتَيَمَّمُ مَعَ وُجُودِهِ ، وَعَلَى أَنَّ الْمُتَيَمِّمَ إذَا وَجَدَ الْمَاءَ خِلَالَ الصَّلَاةِ يَلْزَمُهُ الْوُضُوءُ ، وَعَلَى جَوَازِ الْوُضُوءِ بِمَاءِ نَبِيذِ التَّمْرِ ا هـ مُلَخَّصًا مِنْ شَرْحِ ابْنِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ . قَالَ : وَإِنَّمَا اقْتَصَرْنَا عَلَى ذَلِكَ لِاسْتِبْعَادِ بَعْضِهَا وَتَقَارُبِ بَعْضِهَا الْبَعْضَ . ( قَوْلُهُ : كُلُّهَا ) أَيْ الثَّمَانِيَةُ أَيْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا فِيهِ شَيْئَانِ فَالْجُمْلَةُ سِتَّةَ عَشَرَ ط . ( قَوْلُهُ : طَهَارَتَيْنِ ) تَثْنِيَةُ طَهَارَةٍ بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ ط . ( قَوْلُهُ : الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ ) أَيْ فِي قَوْله تَعَالَى { فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ } - وَقَوْلُهُ - { وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا } - . ( قَوْلُهُ : الْمَاءُ وَالصَّعِيدُ ) أَيْ فِي قَوْلِهِ - { فَاغْسِلُوا } - لِأَنَّ الْغَسْلَ بِالْمَاءِ ، وَقَوْلُهُ - { فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا } - . ( قَوْلُهُ : وَحُكْمَيْنِ ) تَثْنِيَةُ حُكْمٍ بِمَعْنَى مَحْكُومٍ بِهِ : أَيْ مَأْمُورٍ بِهِ ط . ( قَوْلُهُ : وَمُوجِبَيْنِ ) بِكَسْرِ الْجِيمِ فَإِنَّهُمَا مُوجِبَانِ لِلطَّهَارَةِ ط أَيْ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْحَدَثَ هُوَ سَبَبُ الْوُجُوبِ . ( قَوْلُهُ : الْحَدَثُ ) أَيْ الْأَصْغَرُ فِي قَوْله تَعَالَى - { أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ } - وَالْجَنَابَةُ : أَيْ الْحَدَثُ الْأَكْبَرُ فِي قَوْله تَعَالَى - { وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا } - . ( قَوْلُهُ : وَمُبِيحَيْنِ ) أَيْ لِلتَّرَخُّصِ بِالتَّيَمُّمِ . ( قَوْلُهُ : الْمَرَضُ وَالسَّفَرُ ) أَيْ فِي قَوْله تَعَالَى - { وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ } - . ( قَوْلُهُ : وَالْإِجْمَالِيُّ ) أَيْ فِي قَوْله تَعَالَى { فَاطَّهَّرُوا } - فَإِنَّهُ لَمْ يُفَصِّلْ فِيهِ مِقْدَارَ الْمَغْسُولِ كَمَا فَصَّلَ فِي الْوُضُوءِ ; وَلِذَا وَقَعَ فِي مِقْدَارِهِ اخْتِلَافُ الْمُجْتَهِدِينَ . ( قَوْلُهُ : وَكِنَايَتَيْنِ ) تَثْنِيَةُ كِنَايَةٍ ، وَمِنْ مَعَانِيهَا لُغَةً أَنْ تَتَكَلَّمَ بِشَيْءٍ وَأَنْتَ تُرِيدَ غَيْرَهُ وَهُنَا كَذَلِكَ ، فَإِنَّهُ عَبَّرَ بِالْغَائِطِ وَهُوَ الْمَكَانُ الْمُنْخَفِضُ وَأُرِيدَ بِهِ الْخَارِجُ مِنْ الْإِنْسَانِ ، وَعَبَّرَ بِالْمُلَامَسَةِ الْمَأْخُوذَةِ مِنْ الْمَسِّ بِالْيَدِ وَأُرِيدَ بِهَا الْجِمَاعُ وَمِنْهُ يُقَالُ لِلزَّانِيَةِ لَا تَمْنَعُ كَفَّ لَامِسٍ . ( قَوْلُهُ : وَكَرَامَتَيْنِ إلَخْ ) أَيْ نِعْمَتَيْنِ تَفَضَّلَ بِهِمَا تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ بِقَوْلِهِ - { لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ } - . ( قَوْلُهُ : تَطْهِيرُ الذُّنُوبِ ) لِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَمَالِكٌ مَرْفُوعًا { إذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ أَوْ الْمُؤْمِنُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إلَيْهَا بِعَيْنِهِ مَعَ الْمَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ ، فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَ مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ كَانَ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ الْمَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ ، فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْهَا رِجْلَاهُ مَعَ الْمَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنْ الذُّنُوبِ } وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مَرْفُوعًا { مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ جَسَدِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِهِ } . ( قَوْلُهُ : أَيْ بِمَوْتِهِ شَهِيدًا ) أَقُولُ أَوْ بِالْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، لِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ الْمَارِّ . ( قَوْلُهُ : لِيَعُمَّ إلَخْ ) أَيْ فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ آمَنْتُمْ لَاخْتَصَّ بِالْحَاضِرِينَ فِي عَصْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَرَدَّهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ بِأَنَّ الْمَوْصُوفَ بِصِفَةٍ عَامَّةٍ يَتَعَمَّمُ . ( قَوْلُهُ : وَكَأَنَّهُ مَبْنِيٌّ إلَخْ ) لِأَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ الْأَصْلَ التَّعْبِيرُ بِآمَنْتُمْ . ( قَوْلُهُ : الْتِفَاتًا ) هُوَ التَّعْبِيرُ عَنْ مَعْنًى بِطَرِيقٍ مِنْ الطُّرُقِ الثَّلَاثَةِ : أَعْنِي التَّكَلُّمَ ، أَوْ الْخِطَابَ ، أَوْ الْغَيْبَةَ بَعْدَ التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِآخَرَ مِنْهَا ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ التَّعْبِيرُ الثَّانِي عَلَى خِلَافِ مَا يَقْتَضِيهِ الظَّاهِرُ وَيَتَرَقَّبُهُ السَّامِعُ . ( قَوْلُهُ : وَالتَّحْقِيقُ خِلَافُهُ ) لِأَنَّ الْمُنَادَى مُخَاطَبٌ ، فَحَقُّ ضَمِيرِهِ أَنْ يَأْتِيَ عَلَى طَرِيقِ الْخِطَابِ ، فَيُقَالُ يَا فُلَانُ إذَا فَعَلْت وَلَا يُقَالُ إذَا فَعَلَ ، وَإِنَّمَا جِيءَ فِي الصِّلَةِ بِضَمِيرِ الْغَائِبِ لِعَوْدِهِ عَلَى الْمَوْصُولِ وَالْمَوْصُولُ مِنْ الْأَسْمَاءِ الظَّاهِرَةِ وَكُلُّهَا غَيْبٌ ، فَإِذَا تَمَّ الْمَوْصُولُ بِصِلَتِهِ الْعَائِدُ ضَمِيرُهَا عَلَيْهِ تَمَحَّضَ الْكَلَامُ لِلْخِطَابِ الَّذِي اقْتَضَاهُ النِّدَاءُ ، فَلَيْسَ حِينَئِذٍ فِي الْكَلَامِ عُدُولٌ عَنْ طَرِيقٍ إلَى آخَرَ ; وَلِذَا كَانَ جَمِيعُ مَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ وَكَلَامِ الْعَرَبِ مِنْ أَمْثَالِ هَذَا النِّدَاءِ لَمْ يَجِئْ إلَّا عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ ، فَدَعْوَى الْعُدُولِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ لَا تُسْمَعُ نَعَمْ الْعَائِدُ إلَى الْمَوْصُولِ قَدْ سُمِعَ فِيهِ الْخِطَابُ وَالتَّكَلُّمُ قَلِيلًا فِي غَيْرِ النِّدَاءِ كَمَا فِي قَوْلِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهُ وَقَوْلِ كُثَيِّرٌ : وَأَنْتِ الَّتِي حَبَّبْت كُلَّ قَصِيرَةٍ إلَيَّ وَمَا تَدْرِي بِذَاكَ الْقَصَائِرُ فَهُوَ مِنْ الِالْتِفَاتِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي أَوَّلِ الْخُطْبَةِ ، وَقَدَّمْنَاهُ هُنَاكَ أَيْضًا عَنْ الْمُغْنِي أَنَّ الْقَوْلَ بِالِالْتِفَاتِ فِي الْآيَةِ سَهْوٌ وَمِثْلُهُ فِي شَرْحِ تَلْخِيصِ الْمَعَانِي . ( قَوْلُهُ : التَّحْقِيقِيَّةِ ) أَيْ الدَّالَّةِ عَلَى تَحَقُّقِ مَدْخُولِهَا غَالِبًا ، وَقَوْلُهُ : التَّشْكِيكِيَّةِ : أَيْ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ غَالِبًا ، وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ كُلٌّ مِنْهُمَا مَكَانَ الْأُخْرَى كَمَا بُيِّنَ فِي مَحَلِّهِ . [ لَطِيفَةٌ ] إنْ لِلشَّكِّ مَعَ أَنَّهَا جَازِمَةٌ وَإِذَا لِلْجَزْمِ مَعَ أَنَّهَا لَا تَجْزِمُ ، وَقَدْ أَلْغَزَ فِي ذَلِكَ الْإِمَامُ الزَّمَخْشَرِيّ فَقَالَ : أَنَا إنْ شَكَكْت وَجَدْتُمُونِي جَازِمًا وَإِذَا جَزَمْت فَإِنَّنِي لَمْ أَجْزِمْ ( قَوْلُهُ : مِنْ الْأُمُورِ اللَّازِمَةِ ) أَيْ الْغَالِبَةِ الْوُجُودِ بِالنَّظَرِ إلَى دِيَانَةِ الْمُسْلِمِ كَمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ لِلْعَلَّامَةِ الْأَتْقَانِيِّ . ( قَوْلُهُ : وَالْجَنَابَةُ إلَخْ ) أَيْ لِأَنَّهَا يُمْكِنُ أَنْ لَا تَقَعَ أَصْلًا ط . ( قَوْلُهُ : فِي الْغُسْلِ وَالتَّيَمُّمِ ) أَيْ قَوْله تَعَالَى - { وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا } - وقَوْله تَعَالَى - { أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ } - . ( قَوْلُهُ : لِيُعْلِمَ أَنَّ الْوُضُوءَ سُنَّةٌ إلَخْ ) وَهُوَ الَّذِي لَا يَكُونُ عَنْ حَدَثٍ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْله تَعَالَى - { فَاغْسِلُوا } إلَخْ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ الْوُجُوبُ فِي الْحَدِيثِ وَالنَّدْبُ فِي غَيْرِهِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرُوهُ مِنْ أَنَّ الْحَدَثَ فِي الْآيَةِ مُرَادٌ . وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ التَّيَمُّمَ وَالْغُسْلَ لَا يَكُونَانِ إلَّا فَرْضًا لِلتَّصْرِيحِ بِالْحَدَثِ فِيهِمَا . وَفِيهِ أَنَّ الْغُسْلَ يُنْدَبُ فِي مَوَاضِعَ وَيُسَنُّ فِي أُخَرَ ، وَكَذَا يَقُومُ التَّيَمُّمُ مَقَامَ الْوُضُوءِ لِنَحْوِ نَوْمٍ وَدُخُولِ مَسْجِدٍ ، فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِمَا أَنْ يَكُونَا فَرْضًا ط لَكِنْ فِي النِّهَايَةِ لَا يُقَالُ إنَّ الْغُسْلَ سُنَّةٌ لِلْجُمُعَةِ فَيَثْبُتُ التَّنَوُّعُ فِيهِ ; لِأَنَّا نَقُولُ : الْمُدَّعَى أَنَّهُ لَا يُسَنُّ لِكُلِّ صَلَاةٍ . أَوْ نَقُولُ : إنَّ اخْتِيَارَ الْبَزْدَوِيِّ أَنَّهُ سُنَّةٌ لِلْيَوْمِ لَا لِلصَّلَاةِ . مَطْلَبٌ فِي حَدِيثِ { : الْوُضُوءُ عَلَى الْوُضُوءِ نُورٌ عَلَى نُورٍ } . ( قَوْلُهُ : وَالْوُضُوءُ عَلَى الْوُضُوءِ نُورٌ عَلَى نُورٍ ) هَذَا لَفْظُ حَدِيثٍ ذَكَرَهُ فِي الْإِحْيَاءِ . وَقَالَ الْحَافِظُ الْعِرَاقِيُّ فِي تَخْرِيجِهِ : لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ ، وَسَبَقَهُ لِذَلِكَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ . وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ : حَدِيثٌ ضَعِيفٌ ، رَوَاهُ رَزِينٌ فِي مُسْنَدِهِ . ا هـ . جِرَاحِيٌّ ، نَعَمْ رَوَى أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مَرْفُوعًا { لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ بِوُضُوءٍ } يَعْنِي وَلَوْ كَانُوا غَيْرَ مُحْدِثِينَ . وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مَرْفُوعًا { مَنْ تَوَضَّأَ عَلَى طُهْرٍ كُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ } وَلَمْ يُقَيِّدْ الشَّارِحُ بِاخْتِلَافِ الْمَجْلِسِ تَبَعًا لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ فِي سُنَنِ الْوُضُوءِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية