الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
فَصْلٌ وَفِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ احْتَلَمَ أَمِيرُ الْجَيْشِ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ ، وَكَانَتْ لَيْلَةً بَارِدَةً ، فَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الْمَاءِ ، فَتَيَمَّمَ وَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ الصُّبْحَ ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : "يَا عمرو صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ ؟ " . فَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي مَنَعَهُ مِنَ الِاغْتِسَالِ ، وَقَالَ إِنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ : ( وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ) [ النِّسَاءِ : 29 ] . فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا ، وَقدِ احْتَجَّ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ مَنْ قَالَ : إِنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمَّاهُ جُنُبًا بَعْدَ تَيَمُّمِهِ ، وَأَجَابَ مَنْ نَازَعَهُمْ فِي ذَلِكَ بِثَلَاثَةِ أَجْوِبَةٍ : أَحَدُهَا : أَنَّ الصَّحَابَةَ لَمَّا شَكَوْهُ قَالُوا : صَلَّى بِنَا الصُّبْحَ وَهُوَ جُنُبٌ ، فَسَأَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ ، وَقَالَ : "صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ ؟ " اسْتِفْهَامًا وَاسْتِعْلَامًا ، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ بِعُذْرِهِ وَأَنَّهُ تَيَمَّمَ لِلْحَاجَةِ أَقَرَّهُ عَلَى ذَلِكَ . الثَّانِي : أَنَّ الرِّوَايَةَ اخْتَلَفَتْ عَنْهُ ، فَرُوِيَ عَنْهُ فِيهَا أَنَّهُ غَسَلَ مَغَابِنَهُ ، وَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ ، ثُمَّ صَلَّى بِهِمْ ، وَلَمْ يُذْكَرِ التَّيَمُّمُ ، وَكَأَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ أَقْوَى مِنْ رِوَايَةِ التَّيَمُّمِ ، قَالَ عبد الحق وَقَدْ ذَكَرَهَا وَذَكَرَ رِوَايَةَ التَّيَمُّمِ قَبْلَهَا ، ثُمَّ قَالَ : وَهَذَا أَوْصَلُ مِنَ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهُ عَنْ عبد الرحمن بن جبير المصري ، عَنْ أبي القيس مولى عمرو عَنْ عمرو . وَالْأُولَى الَّتِي فِيهَا التَّيَمُّمُ ، مِنْ رِوَايَةِ عبد الرحمن بن جبير ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، لَمْ يَذْكُرْ بَيْنَهُمَا أبا قيس . الثَّالِثُ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرَادَ أَنْ يَسْتَعْلِمَ فِقْهَ عمرو فِي تَرْكِهِ الِاغْتِسَالَ ، فَقَالَ لَهُ : "صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ ؟ " فَلَمَّا أَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَيَمَّمَ لِلْحَاجَةِ عَلِمَ فِقْهَهُ ، فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ مَا فَعَلَهُ عمرو مِنَ التَّيَمُّمِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - خَشْيَةَ الْهَلَاكِ بِالْبَرْدِ ، كَمَا أَخْبَرَ بِهِ ، وَالصَّلَاةُ بِالتَّيَمُّمِ فِي هَذِهِ الْحَالِ جَائِزَةٌ غَيْرُ مُنْكَرٍ عَلَى فَاعِلِهَا ، فَعُلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ اسْتِعْلَامَ فِقْهِهِ وَعِلْمِهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية