الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                          صفحة جزء
                          وأما قوله ، تعالى : وبصدهم عن سبيل الله كثيرا فهو عطف على قوله فبظلم وقد أشرنا آنفا إلى احتمال أنه هو وما عطف عليه مبين له - أي للظلم - وهو حينئذ لا ينافي الحصر ; لأن العطف على المعمول المتقدم على عامله ، ينافي الحصر إذا كان المعطوف مغايرا له ، وأما إذا كان مبينا له فهو عينه ، ويجوز أن يكون عطف مغايرة وأن يكون تقديم ذكر الظلم للاهتمام ببيان قبح قليله وكثيره واقتضائه العقاب لا للحصر ، وقيل إن ( بصدهم ) متعلق بمحذوف ، أي : وبسبب صدهم عن سبيل الله إلخ شددنا عليهم في أحكام وتكاليف أخرى كالبقرة التي أمروا بذبحها في حادثة القتيل التي تقدمت في الجزء الأول . وعلى الأول يكون من البيان والتفصيل بعد الإبهام والإجمال ، وهو أوقع في النفس ، وأبلغ في العبرة والموعظة .

                          والصدود والصد يستعمل لازما ومعناه المنع أي صدودهم أنفسهم عن سبيل الله مرارا كثيرة ، بما كانوا يعصون موسى ، عليه السلام ، ويعاندونه ، أو صدهم الناس عن سبيل الله [ ص: 51 ] بسوء القدوة أو بالأمر بالمنكر والنهي عن المعروف . وقال بعض المفسرين : إن المراد : صدهم الناس عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ، فأوقعوا أنفسهم بهذا التفسير في الإشكال وحار بعضهم في الخروج منه ، ونسوا أنهم كانوا في غنى عن الدخول فيه حتى عد بعضهم الآية من أكبر المشكلات ; لأن تحريم تلك الطيبات على بني إسرائيل كان قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ، فكيف يكون الصد عن الإيمان به سببا لها ، والسبب يجب أن يكون قبل المسبب ؟ ويتفصى بعضهم من الإشكال بجعل هذا الصد متعلقا بفعل محذوف كما تقدم ، وتساءل بعضهم : من حرم ذلك عليهم ومتى كان ؟ وبمثل هذه الأفهام الضعيفة ، وتقليد بعضهم لبعض ، يولدون لنا شبها على القرآن وأصل الدين ، ينقلها الكافرون به عنهم ، ويطعنون بها في بلاغته وبيانه ، والصواب ما جرينا عليه أولا ، وأن صدهم عن سبيل الله هو إعراضهم عن هداية دينهم غواية وإغواء ، وذلك مفصل في كتبهم الدينية .

                          التالي السابق


                          الخدمات العلمية