الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                          صفحة جزء
                          وأما قوله ، تعالى : بل رفعه الله إليه فقد سبق نظيره في سورة آل عمران [ ص: 18 ] وذلك قوله تعالى : إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا ( 3 : 55 ) روي عن ابن عباس تفسير التوفي هنا بالإماتة كما هو الظاهر المتبادر ، وعن ابن جريج تفسيرها بأصل معناها ، وهو الأخذ والقبض ، والمراد منه ومن الرفع إنقاذه من الذين كفروا بعناية من الله الذي اصطفاه وقربه إليه . قال ابن جرير ، بسنده عن ابن جريج " فرفعه إياه : توفيه إياه وتطهيره من الذين كفروا " أي : ليس المراد الرفع إلى السماء ، لا بالروح والجسد ، ولا بالروح فقط .

                          وعلى القول بأن التوفي : الإماتة ، لا يظهر للرفع معنى إلا رفع الروح ، والمشهور بين المفسرين وغيرهم ، أن الله - تعالى - رفعه بروحه وجسده إلى السماء ، ويستدلون على هذا بحديث المعراج ; إذ فيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رآه هو وابن خالته يحيى في السماء الثانية ، ولو كان هذا يدل على أنه رفع بروحه وجسده إلى السماء ، لدل أيضا على رفع يحيى وسائر من رآهم من الأنبياء ، في سائر السماوات ، ولم يقل بهذا أحد .

                          وذكر الرازي أن المشبهة يستدلون بالآية على إثبات المكان لله تعالى ، وذكر للرد عليهم وجوها ; منها : أن المراد ب رافعك إلي إلى محل كرامتي ، وجعل ذلك رفعا للتفخيم ، والتعظيم ، ومثله قوله - تعالى - حكاية عن إبراهيم إني ذاهب إلى ربي ( 37 : 99 ) وإنما ذهب من العراق إلى الشام . ( ومنها ) : أن المراد رفعه إلى مكان لا يملك فيه عليه غير الله .

                          وقد فسرنا آية آل عمران في الجزء الثالث ، وذكرنا ما قاله الأستاذ الإمام فيها ، وفي مسألة نزول عيسى في آخر الزمان ، كما ورد في الأحاديث ، وقد أنكر بعض الباحثين ما أوردناه في ذلك ، وهو يحتاج إلى تمحيص وبيان ، ليس التفسير بمحل له ; لأن القرآن لم يثبت لنا هذه المسألة .

                          وكان الله عزيزا حكيما فبعزته ، وهي كونه يقهر ولا يقهر ، ويغلب ولا يغلب ، أنقذ عبده ورسوله عيسى ، عليه السلام ، من اليهود الماكرين والروم الحاكمين ، وبحكمته جزى كل عامل بعمله ، فأحل باليهود ما أحل بهم ، وسيوفيهم جزاءهم في الآخرة .

                          التالي السابق


                          الخدمات العلمية