الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                          صفحة جزء
                          ( شبهات النصارى على إنكار الصلب )

                          ( الشبهة الأولى ) : يدعي بعضهم فيما يموه به على عوام المسلمين ، أن مسألة الصلب متواترة ، فالعلم بها قطعي .

                          والجواب عن هذه الشبهة : أن دعوى التواتر ممنوعة ; فإن التواتر عبارة عن إخبار عدد كثير ، لا يجوز العقل اتفاقهم ، وتواطؤهم على الكذب ، بشيء قد أدركوه بحواسهم إدراكا صحيحا لا شبهة فيه ، وكان خبرهم بذلك متفقا لا خلاف فيه ، هذا إذا كان التواتر في طبقة واحدة رأوا بأعينهم شيئا ( مثلا ) وأخبروا به ، فإن كان التواتر في طبقات كان [ ص: 29 ] ما بعد الأولى مخبرا عنها ، ويشترط أن يكون أفراد كل طبقة لا يجوز عقل عاقل تواطؤهم على الكذب في الإخبار عمن قبلهم ، وأن يكون كل فرد من كل طبقة قد سمع جميع الأفراد الذين يحصل بهم التواتر ممن قبلهم . وأن يتصل السند هكذا إلى الطبقة الأخيرة ، فإن اختل شرط من هذه الشروط لا ينعقد التواتر .

                          وأنى للنصارى بمثل هذا التواتر ؟ والذين كتبوا الأناجيل ، والرسائل المعتمدة عندهم لا يبلغون عدد التواتر ، ولم يخبر أحد منهم عن مشاهدة ، ومن تنقل عنه المشاهدة كبعض النساء لا يؤمن عليه الاشتباه والوهم . بل قال يوحنا في إنجيله : إن مريم المجدلية وهي أعرف الناس بالمسيح اشتبهت فيه وظنت أنه البستاني ، وهو قد كان صاحب آيات ، وخوارق عادات ، فلا يبعد أن يلقى شبهه على غيره ، وينجو بالتشكل بصورة غير صورته ، كما رووا عنه أنه قال لهم : " إنهم يشكون فيه " وكما قال مرقس : إنه ظهر لهم بهيئة أخرى . ثم إن ما عزي إليهم ، لم ينقله عنهم عدد التواتر ، بالسماع منهم طبقة بعد طبقة ، إلى العصر الذي صار للنصارى فيه ملك وحرية يظهرون فيهما دينهم ، وقد بين الشيخ رحمة الله الهندي وغيره انقطاع أسانيد هذه الكتب بالبينات الواضحة . وسيأتي في هذا السياق ما يدل على عدم الثقة بها .

                          ( الشبهة الثانية ) : يقولون لو لم تكن هذه القصة متواترة متفقا عليها ، لوجد ، فيهم ، من أنكرها ، كما وجدت فيهم فرق خالفت الجمهور في أصول عقائده ; كالتثليث ، ولم تخالفه في هذه العقيدة .

                          والجواب عن هذا عسير على من يجهل تاريخهم ، يسير على المطلع عليه ، فقد أنكر الصلب منهم فرقة السيرنثيين ، والتاتيانوسيين أتباع تاتيانوس تلميذ يوستينوس الشهيد ، وقال فوتيوس : إنه قرأ كتابا يسمى : " رحلة الرسل " فيه أخبار بطرس ، ويوحنا ، وأندراوس ، وتوما ، وبولس ، ومما قرأه فيه : " أن المسيح لم يصلب ، ولكن صلب غيره ، وقد ضحك بذلك من صالبيه "

                          هذا ، وإن مجامعهم الأولى قد حرمت قراءة الكتب التي تخالف الأناجيل الأربعة ، والرسائل التي اعتمدتها ، فصار أتباعهم يحرقون تلك الكتب ويتلفونها ، وإننا نرى ما سلم بعض نسخه ، منها ، كإنجيل برنابا ينكر الصلب ، وما يدرينا أن تلك الكتب التي فقدت كانت تنكره أيضا ، فنحن لا ثقة لنا باختيار المجامع لما اختارته ، فنجعله حجة ، ونعد ما عداه كالعدم . على أن عدم العلم بالمنكرين لا يقتضي عدم وجودهم ، وعدم وجودهم لا يقتضي أن يكون ما اتفقوا عليه بتقليد بعضهم لبعض ثابتا في نفسه .

                          ( الشبهة الثالثة ) : يقولون : إن الأناجيل ، ورسائل العهد الجديد قد أثبتت الصلب ، وهي كتب مقدسة معصومة من الخطأ ، فوجب اعتقاد ما أثبتته .

                          ونقول ( أولا ) : لا دليل على عصمة هذه الكتب ، ولا على أن كاتبيها كانوا معصومين ، و ( ثانيا ) : لا دليل على نسبتها إلى من نسبت إليهم ; لأنها غير متواترة كما تقدم ، و ( ثالثا ) [ ص: 30 ] : أنها معارضة بأمثالها كإنجيل برنابا ، وترجيحهم إياها على هذا الإنجيل لا يصلح مرجحا عندنا ; لأنهم اتبعوا في اعتمادها تلك المجامع التي لا ثقة لنا بأهلها ، ولا كانوا معصومين عندهم ، ولا عندنا ، و ( رابعا ) : أنها متعارضة في قصة الصلب ، وفي غيرها ، و ( خامسا ) : أنها معارضة بالقرآن العزيز ، وهو الكتاب الإلهي الذي ثبت نقله بالتواتر الصحيح ، دون غيره ، فقصارى تلك الكتب أن تفيد الظن بالقرائن كما قال ، تعالى : ما لهم به من علم إلا اتباع الظن والقرآن قطعي ، فوجب تقديمه ; لأنه يفيد العلم القطعي .

                          إن بعض المسلمين يصدقون دعاة النصرانية ، ومجادليهم في زعمهم أن هذه الأناجيل محفوظة عندهم من عهد المسيح إلى الآن ، وأنها مسلمة عند جميع فرقهم ، ومعروفة عند غيرهم ، فلم يكن يختلف فيها اثنان . ولكن من طالع كتبهم التاريخية والدينية ، يعلم أن هذه الدعوى باطلة . وإنما يصدقهم المسلمون الجاهلون ; لتوهم أن النصرانية نشأت كالإسلام في مهد القوة والعزة والمدنية والحضارة ، فأمكن حفظ كتبها كما أمكن حفظ القرآن . وشتان بين الأمتين في نشأتهما شتان . وإليك نزرا من البيان ، وإن شئت المزيد من مثله فارجع إلى الكتب المؤلفة في هذا الشأن .

                          التالي السابق


                          الخدمات العلمية