الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                          صفحة جزء
                          الدلائل على عدم الثقة بالأناجيل : ألف سلسوس من علماء الوثنيين في القرن الثاني للميلاد كتابا في إبطال الديانة النصرانية قال فيه كما نقل عنه أكهارن من علماء ألمانية ما ترجمته : " بدل النصارى أناجيلهم ثلاث مرات ، أو أربع مرات ، بل أكثر من هذا تبديلا ; كأن مضامينها بدلت " .

                          وفي كتبهم أن الفرقة الأبيونية من فرق النصارى في القرن الأول للميلاد كانت تصدق إنجيل متى وحده وتنكر ما عداه ، ولكن كان ذلك الإنجيل مخالفا لإنجيل متى الذي ظهر بعد ظهور قسطنطين ، وأن الفرقة المارسيونية من فرق النصارى القديمة كانت تأخذ بإنجيل لوقا ، وكانت النسخة التي تؤمن بها مخالفة للموجودة الآن ، وكانت تنكر سائر الأناجيل ، وهي عندهم من المبتدعة .

                          وفي رسالة بولس إلى أهل غلاطية ما نصه ( 1 : 6 إني أتعجب أنكم تنتقلون هكذا سريعا عن الذي دعاكم بنعمة المسيح إلى إنجيل آخر ( 7 ) ليس هو آخر ، غير أنه يوجد قوم يزعجونكم ، ويريدون أن يحولوا إنجيل المسيح ) هكذا في ترجمة البروتستانت الأخيرة ( يحولوا ) وفي الترجمة القديمة التي نقل عنها كثيرون " يحرفوا " وفي ترجمة الجزويت " يقلبوا " والمعاني متقاربة تدل كلها على أنه كان في عهد بولس قوم يدعون الناس إلى إنجيل غير الذي يدعو هو إليه ، ومعنى كونه غيره أنهم حرفوه ، أو قلبوه حتى صار كأنه إنجيل آخر ، وكما اعترف بولس بهذا اعترف بأنه كان يوجد في عصره رسل كذابون غدارون [ ص: 31 ] تشبهوا برسل المسيح . صرح بذلك في رسالته الثانية إلى أهل كورنثيوس فقال : ( 11:13 لأن مثل هؤلاء رسل كذبة فعلة ماكرون مغيرون شكلهم إلى رسل المسيح ( 14 ) ولا عجب لأن الشيطان يغير شكله إلى ملاك نور ( 15 ) فليس عظيما إذا كان خدامه أيضا يغيرون شكلهم كخدام للبر ) .

                          وفي سفر الأعمال تصريح بأن بعض اليهود كانوا ينبثون بين المسيحيين ، ويعلمونهم غير ما يعلمهم رسل المسيح ، وأن الرسل والمشايخ أرسلوا بولس وبرنابا إلى أنطاكية ; لتحذير إخوانهم فيها من الذين يوصونهم بالختان ، وحفظ الناموس الذي لم يأمروهم به ، كما ذكر في الفصل ( 15 ) منه ، وفي آخره أنه حصلت مشاجرة هنالك بين بولس وبرنابا وافترقا . ومن المعلوم أن بولس كان عدو المسيحيين ، وخصمهم ، وأنه لما ادعى الإيمان لم يصدقه جماعة المسيح عليه السلام ، ولولا أن شهد له برنابا لما قبلوه ، وبرنابا يقول في أول إنجيله : إن بولس نفسه كان من الذين بشروا بتعليم جديد غير تعليم المسيح . فمع أمثال هذه النصوص في أمهات كتبهم المقدسة كيف يمكن للمسلم أن يثق بها ؟

                          ومن الشواهد على التعارض والتناقض في قصة الصلب منها : أن أصل هذه العقيدة أن المسيح بذل نفسه باختياره فداء وكفارة عن البشر ، مع أن هذه الأناجيل تصرح بأنه حزن واكتأب عندما شعر بقرب أجله ، وطلب من الله أن يصرف عنه هذه الكأس ، ففي متى : ( 37:26 ) ثم أخذ معه بطرس ، وابني زبدى ، وابتدأ يحزن ويكتئب ( 38 ) فقال لهم نفسي حزينة جدا حتى الموت . امكثوا هنا ، واسهروا معي ( 39 ) ثم تقدم قليلا وخر على وجهه ، وكان يصلي قائلا : يا أبتاه ، إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس ، ولكن ليس كما أريد أنا . بل كما تريد أنت . فمضى أيضا ثانية ، وصلى قائلا : يا أبتاه ، إن لم يمكن أن تعبر عني هذه الكأس ، إلا أن أشربها ، فلتكن مشيئتك .

                          ومثل هذا في لوقا : ( 22 : 43 - 45 ) فكيف يقول المسيح هذا ، وهو إله عندهم ؟ فهل يمكن أن يجهل ما يمكن ، وما لا يمكن ، وأن يطلب إبطال الطريقة التي أراد الآب - وهو هو عندهم - أن يجمع بها بين عدله ورحمته ؟

                          ومن الشواهد عليها مسألة اللصين اللذين قالوا : إنهما صلبا معه ، قال مرقس : ( 15 : 27 وصلبوا معه لصين ; واحدا عن يمينه ، وآخر عن يساره ( 28 ) فتم الكتاب القائل : " وأحصى مع أثمة " إلى أن قال : واللذان صلبا معه كانا يعيرانه . وكذلك قال متى : ( 27 :44 ) وأما لوقا فقد سمى الرجلين اللذين صلبا معه : مذنبين ، ولكنه قال : ( 23 : 39 وكان واحد من المذنبين [ ص: 32 ] المعلقين معه يجدف عليه قائلا : " إن كنت أنت المسيح فخلص نفسك وإيانا ( 40 ) فأجاب الآخر وانتهره " إلخ . وفيه أن المسيح بشر هذا بأنه يكون معه في الفردوس ذلك اليوم ، فكانت نبوة الكتاب ( المراد به أشعيا ) أنه يصلب مع أثمة بصيغة الجمع ثم كان الجمع اثنين ولا بأس بذلك ، ولكن كيف يقول اثنان من الإنجيليين المعصومين على رأيهم : إن الذي عيره وأهانه هو أحدهما ، والآخران وهما مثله في عصمته يقولان : بل كلاهما عيراه ؟ ومثل هذه المخالفات والمعارضات في هذه القصة كثيرة ، ومن أظهرها : مسألة دفنه ليلة السبت وقيامه من القبر قبل فجر يوم الأحد ، مع أن البشارة أنه يكون في بطن الأرض ثلاثة أيام بلياليها ، وهي مدة يونان في بطن الحوت .

                          ومنها : مسألة النساء اللواتي جئن القبر ، وفيها عدة خلافات في وقت المجيء ، ورؤية الملك أو الملكين ورؤيته هو إلخ .

                          ( الشبهة الرابعة ) قولهم : إن كتب العهد العتيق قد بشرت بمسألة الصلب ونوهت بها تنويها .

                          ونحن نقول : إن هذا غير مسلم . بل أنتم الذين تأولتم عبارات من تلك الكتب وجعلتموها مشيرة إلى هذه القصة ، أو كما قال السيد جمال الدين : " إنكم فصلتم قميصا من تلك الكتب وألبستموها للمسيح " كما أنكم تدعون أن الذبائح الوثنية كانوا يشيرون بها إلى صلب المسيح ، فكأن جميع خرافات البشر وعباداتهم حجج لكم على عقيدتكم هذه ، وإن كانوا قد سبقوكم إلى مثلها . على أن كثيرا من تلك العبارات حجة عليكم لا لكم كما هو مبسوط في محله .

                          ( الشبهة الخامسة ) : يقولون : إذا جاز أن يشتبه في المسيح ويجهل شخصه الجنود الذين جاءوا للقبض عليه ، والحكام ورؤساء الكهنة الذين طلبوا صلبه بعد القبض عليه ، فهل يجوز أن يشتبه في ذلك تلاميذه ، ومريدوه الذين يعرفونه حق المعرفة ؟

                          ونقول : إن الجواب على هذا من وجهين ( أحدهما ) : أنه عهد بين الناس أن يشبه بعضهم بعضا شبها تاما بحيث لا يميز أحد المتشابهين المعاشرون والأقربون ، وقد يكون هذا بين الغرباء ، كما يكون بين الأقربين . ولعله يقل في الذين يسافرون ويتقلبون بين الكثير من الناس من لم يقع له الاشتباه بين من يعرف ومن لا يعرف ، وقد وقع لي غير مرة أن أسلم على رجل غريب اشتبه علي بصديق لي ، ثم أعرف بعد الحديث معه أنه غيره ، وإننا لزيادة البيان نورد قليلا من الشواهد عن الإفرنج الذين يثق دعاة النصرانية عندنا بهم ما لا يثقون بغيرهم ; لأن هؤلاء الدعاة من أبناء جنسهم ، أو مقلدتهم .

                          قال صاحب " كتاب التربية الاستقلالية " ( أميل القرن التاسع عشر ) حكاية عن كتاب كتبته امرأة الدكتور إراسم إلى زوجها ما نصه : " لقد كثر ما لاحظت أنه يوجد في بعض الأحوال بين شخصين مختلفين في الذكورة والأنوثة والموطن تشابه كالذي يوجد بين أفراد [ ص: 33 ] أسرة واحدة مع أن كلا منهما يكون أجنبيا من الآخر من كل الوجوه ، أتدري من هو الذي حضرت صورته في ذهني عند وقوع بصري على السيدة وارنجتون ؟ ذلك هو صديقك يعقوب نقولا ، خلتني أراه في زي امرأة " اهـ . فهذا مثال لرأي الكاتب في تشابه الناس . وفي رسالة نشرت في المجلد الحادي عشر من المنار ما نصه ( ص 368 ) :

                          " ويوجد في كتب الطب الشرعي حوادث كثيرة في باب تحقيق الشخصيات دالة على أنه كثيرا ما يحدث للناس الخطأ في معرفة بعض الأشخاص ويشتبهون عليهم بغيرهم ، وقد ذكر " جاي " و " فرير " مؤلفا ( كتاب أصول الطب الشرعي ) في اللغة الإنكليزية حادثة استحضر فيها ( 150 ) شاهدا لمعرفة شخص يدعى " مارتين جير " فجزم أربعون منهم أنه هو هو ، وقال خمسون : إنه غيره ، والباقون ترددوا جدا ولم يمكنهم أن يبدوا رأيا ، ثم اتضح من التحقيق أن هذا الشخص كان غير مارتين جير ، وانخدع به هؤلاء الشهود المثبتون ، وعاش مع زوجة مارتين محاطا بأقاربه وأصحابه ومعارفه مدة ثلاث سنوات ، وكلهم مصدقون أنه مارتين ، ولما حكمت المحكمة عليه ; لظهور كذبه بالدلائل القاطعة استأنف الحكم في محكمة أخرى ، فأحضر ثلاثون شاهدا آخرون ، فأقسم عشرة منهم بأنه هو مارتين ، وقال سبعة : إنه غيره ، وتردد الباقون ، وقد حدثت هذه الحادثة سنة 1539 م ، في فرنسا ، وأمثالها كثير .

                          " وقد بلغ من شبه بعض الأشخاص لغيرهم أن وجد فيهم بعض ما يوجد في غيرهم ممن شابههم من الكسور أو الجروح أو آثارها وغير ذلك ، حتى تعسر تمييز بعضهم عن بعض ; ولذلك جد الأطباء في وضع مميزات لأشخاص البشر المختلفين " اهـ .

                          ( الوجه الثاني ) : إن هذه الحادثة من خوارق العادات التي أيد الله بها نبيه عيسى ابن مريم ، وأنقذه من أعدائه ، فألقى شبهه على غيره ، وغير شكله هو ، فخرج من بينهم وهم لا يشعرون . وفي أناجيلهم وكتبهم جمل متفرقة تؤيد هذا الوجه أشرنا إلى بعضها من قبل ( منها ) قوله لهم : إنهم يشكون فيه يومئذ ( ومنها ) : أنه يتشكل بغير شكله ( ومنها ) : أنه طلب من الله أن يعبر عنه هذه الكأس أي قتله وصلبه إن أمكن . ولا شك أن هذا من الممكنات الخاضعة لمشيئة الله وقدرته .

                          ويمكن أن يستدل على استجابة الله لدعائه بقول يوحنا حكاية عنه في سياق قصة الصلب من آخر الفصل 16 " ولكن ثقوا أنا قد غلبت العالم " قال هذا بعد إخبارهم بأنه تأتي ساعة يتفرقون عنه ، ويبقى وحده ، ولكن الله يكون معه ; أي بعونه وحفظه ، وفي هذا المعنى قول متى ( 26 : 56 حينئذ تركه التلاميذ كلهم وهربوا ) وقول مرقس ( 14 :

                          [ ص: 34 ] فتركه الجميع وهربوا ) فهذا نص في أن التلاميذ كلهم هربوا حين جاء الجند ليقبضوا على المسيح ، فلم يكن الذين يعرفونه حق المعرفة هنالك .

                          ومما يدل على استجابة الله دعوته بأن ينقذه ، ويعبر عنه تلك الكأس ، عبارة المزمور ( 109 ) التي يقولون : إن المراد بها المسيح . وهذا نصها " 26 أعني يا رب ، إلهي ، خلصني حسب رحمتك 27 ، وليعلموا أن هذه يدك ، أنت يا رب فعلت هذا 28 ، أما هم فيلعنون وأما أنت فتبارك ، قاموا وخزوا ، أما عبدك فيفرح 29 ليلبس خصمائي خجلا ، وليتعطفوا بخزيهم كالرداء . أحمد الرب جدا بفمي وفي وسط كثيرين أسبحه 31 لأنه يقوم عن يمين المسكين ليخلصه من القاضين على نفسه " .

                          وفي العبارات التي يحملونها على المسيح شواهد أخرى بمعنى هذا .

                          ( الشبهة السادسة ) يقولون : إذا كان المسيح قد نجا من أعدائه بعناية إلهية خاصة ، فأين ذهب ؟ ولماذا لم يقف له أحد على عين ولا أثر ؟ .

                          والجواب : أن هذه الشبهة لا ترد على الذين يقولون : إنه رفع بروحه وجسده إلى السماء ، وإنما ترد على الذين يقولون : إن الله توفاه في الدنيا ، ثم رفعه إليه ، كما رفع إدريس عليهما السلام ، ويقول هؤلاء : لا غرابة في الأمر ، فإن أخاه موسى ، عليه السلام ، كان بين الألوف من قومه ، الخاضعين لأمره ونهيه ، وقد انفرد عنهم ، ومات في مكان لم يعرفه أحد منهم ، فكيف يستغرب أن يفر عيسى ، عليه السلام ، من قوم أعداء له ، لا ولي له فيهم ولا نصير إلا أفراد من الضعفاء ، قد انفضوا من حوله وقت الشدة وأنكره أمثلهم ( بطرس ) ثلاث مرات ؟ لا بدع إذا ذهب إلى مكان مجهول ، ومات فيه كما مات موسى ( عليهما السلام ) ولم يعرف قبره أحد ، كما هو منصوص في آخر سفر ( تثنية الاشتراع ) من أسفار التوراة . ومن الناس من يزعم أن قبر المسيح الذي دفن فيه بعد موته قد اكتشف في الهند كما سيأتي .

                          التالي السابق


                          الخدمات العلمية