الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                          صفحة جزء
                          ( قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ) اتفق رواة التفسير على أن الرجلين هما : يوشع بن نون ، وكالب بن يفنة ; وفاقا لرواية التوراة عند أهل الكتاب ; فهما [ ص: 276 ] اللذان كانا يحثان القوم على الطاعة ودخول أول بلد للجبارين ; ثقة بوعد الله وتأييده ، والظاهر أن قوله : ( يخافون ) معناه يخافون الله تعالى ، وقيل يخافون الجبارين ، ومعنى النعمة هنا نعمة الطاعة والتوفيق حتى في حال الخوف ، على القول بأنهما كانا من جملة الخائفين طبعا ( ادخلوا عليهم الباب ) أي باب المدينة ( فإذا دخلتموه فإنكم غالبون ) بنصر الله وتأييده لكم إذا أطعتم أمره ، وصدقتم وعده ( وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين ) أي وعليكم ، بعد أن تعملوا ما يدخل في طاقتكم من طاعة ربكم ، أن تكلوا أمركم إليه وتثقوا به فيما لا يصل إليه كسبكم ، فإن التوكل إنما يكون بعد بذل الوسع في مراعاة السنة وامتثال الأمر ، إن كنتم مؤمنين بأن ما وعدكم ربكم على لسان نبيكم حق ، وأنه قادر على الوفاء لكم بوعده ، إذا أنتم قمتم بما يجب عليكم من طاعته وشكره والوفاء بميثاقه وعهده .

                          ( قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ) أي لم تنفع بني إسرائيل موعظة الرجلين ، بل أصروا على التمرد والعصيان ، وأكدوا لموسى بالقول بأنهم لا يدخلون تلك الأرض التي فيها الجبارون أبدا - أي مدة الزمن المستقبل - ما داموا فيها ; لأن دخولها يستلزم القتال والحرب ، وليسوا لذلك بأهل ، وقالوا لموسى ما معناه : إن كنت أخرجتنا من أرض مصر بأمر ربك ; لنسكن هذه الأرض التي وعد بها آباءنا ، وقد علمت أن هذا يتوقف على القتال وأننا لا نقاتل ، فاذهب أنت وربك الذي أمرك بذلك ، فقاتلا الجبارين ، واستأصلا شأفتهم ، أو اهزماهم وأخرجاهم منها ، إنا هاهنا منتظرون ومتوقفون ، أو قاعدون عن القتال ، أو غير مقاتلين ، فقد استعمل هذا اللفظ في هذا المعنى ; كقوله تعالى : ( وقيل اقعدوا مع القاعدين 9 : 46 ) وقوله : ( لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون ) ( 4 : 95 ) الآية . وقد حاول بعض المفسرين حمل هذا القول السمج الخارج من حدود الآداب على معنى مجازي يليق بأهل الإيمان ; ككون المراد بذهاب الرب إعانته ونصره ، وقال بعضهم : لا حاجة إلى مثل هذا مع أمثال هؤلاء القوم الذين عبدوا العجل ، وكان من فساد فطرتهم وجفاء طباعهم ما بينه الله تعالى في كتابه ، والتوراة التي في أيديهم تؤيد ذلك أشد التأييد ، تارة بالإجمال ، وتارة بأوسع التفصيل . والقرآن يبين صفوة الوقائع ، ومحل العبرة فيها ، لا ترجمة جميع الأقوال بحروفها ، وشرح الأعمال ببيان جزئياتها ، فما يقصه من أمور بني إسرائيل هو الواقع وروح ما صح من كتبهم ، أو تصحيح ما حرف منها ، وهذه العبارة منه تدل على منتهى التمرد ، والمبالغة في العصيان والإصرار عليه والجفاء والبعد عن الأدب ، فلا وجه لتأويلها بما ينافي ذلك .

                          ( قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي ) هذا القول من موسى عليه السلام صورته خبر ، ومعناه إنشاء ، فهو من بث الحزن والشكوى إلى الله ، والاعتذار إليه ، والتنصل من [ ص: 277 ] فسق قومه عن أمره الذي يبلغه عن ربه ، ومعنى العبارة : إنني لا أملك أمر أحد أحمله على طاعتك إلا أمر نفسي وأمر أخي ، ولا أثق بغيرنا أن يطيعك في اليسر والعسر ، والمنشط والمكره . وهذا يدل على أنه لم يكن يوقن بثبات يوشع وكالب على ما كانا عليه من الرغبة والترغيب في الطاعة إذا أمر الله موسى بأن يدخل أرض الجبارين ، ويتصدى لقتالهم هو ومن يتبعه ، فإن الذي يجرؤ على القتال مع الجيش الكثير ، يجوز ألا يجرؤ عليه مع النفر القليل . وأما ثقته بأخيه فلعلمه اليقيني بأن الله تعالى أيده بمثل ما أيده به ، ولو لم يعلم هذا بإعلام الله ووحيه ، وما يجده من الوجدان الضروري في نفسه لكان بلاؤه معه في مقاومة فرعون وقومه ، ثم في سياسة بني إسرائيل معه ، وفي حال انصرافه لمناجاة ربه ما يكفي للثقة التامة ، فلفظ " أخي " معطوف على " نفسي " وجعله بعضهم معطوفا على الضمير في " إني " أي وأخي كذلك لا يملك إلا نفسه .

                          التالي السابق


                          الخدمات العلمية