الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قوله عز وجل:

ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا نسيناكم وذوقوا [ ص: 74 ] عذاب الخلد بما كنتم تعملون إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون

قوله تعالى: "لو ترى" تعجيب لمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته من حال الكفرة وما حل بهم. وجواب "لو" محذوف; لأن حذفه أهول; إذ يترك الإنسان فيه مع أقصى تخيله. و"المجرمون" هم الكافرون; بدليل قولهم: إنا موقنون ، أي أنهم كانوا في الدنيا غير موقنين. و"تنكيس الرؤوس" هو من الهول والذل واليأس والهم بحلول العذاب وتعلق نفوسهم بالرجعة إلى الدنيا، وفي القول محذوف تقديره: يقولون ربنا، وقولهم: أبصرنا وسمعنا أي: ما كنا نخبر به في الدنيا فكنا مكذبين به، ثم طلبوا الرجعة حين لا ينفع ذلك.

ثم أخبر تبارك وتعالى عن نفسه أنه لو شاء لهدى الناس أجمعين، أي: يلطف بهم لطفا يؤمنون به ويخترع الإيمان في قلوبهم. هذا مذهب أهل السنة. وقال بعض المفسرين: تعرض عليهم آية يضطرهم بها إلى الإيمان.

قال القاضي أبو محمد رحمه الله:

وهذا قول بعض المعتزلة، إلا أن من أشرنا إليه من المفسرين لم يدر قدر القول ولا مغزاه ولذلك حكاه، والذي يقود المعتزلة إلى هذه المقالة أنهم يرون أن من يقدر على اللطف بإنسان حتى يؤمن ولا يفعل فإن ذلك ليس من الحكمة ولا من الأمر المستقيم، والكلام على هذه المسألة يطول وله تواليفه، و"الجنة" الشياطين.

وقوله: "فذوقوا العذاب" بمعنى: يقال لهم: ذوقوا، و"نسيتم" معناه: تركتم، قاله ابن عباس - رضي الله عنهما - وغيره، وفي الكلام حذف مضاف تقديره: عمل، أو عدة ونحوه. وقوله: إنا نسيناكم سمى العقوبة باسم الذنب، وقوله: بما كنتم تعملون أي: بتكسبكم الآثام.

ثم أثنى عز وجل على القوم الذين يؤمنون بآياته، ووصفهم بالصفة الحسنة، بسجودهم عند التذكير وتسبيحهم وعدم استكبارهم، بخلاف ما يصنع الكفر من الإعراض عند التذكير، وقول الهجر، وإظهار التكبر، وهذه السجدة من عزائم السجدة في القرآن، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: السجود هنا بمعنى الركوع، وقد روي عن ابن جريج ، ومجاهد أن هذه الآية نزلت بسبب قوم من المنافقين كانوا إذا أقيمت الصلاة [ ص: 75 ] خرجوا من المسجد، فكأن الركوع يقصد من هذا، ويلزم على هذا أن تكون الآية مدنية، وأيضا فمن مذهب ابن عباس رضي الله عنهما أن القارئ للسجدة يركع، واستدل بقوله: وخر راكعا وأناب .

التالي السابق


الخدمات العلمية