الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 195 ] قوله عز وجل:

قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله وهو على كل شيء شهيد قل إن ربي يقذف بالحق علام الغيوب قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي إنه سميع قريب ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب

أمره الله تعالى في هذه الآية بالتبري من طلب الدنيا وطلب الأجر على الرسالة، وتسليم كل دنيا إلى أربابها، والتوكل على الله في الأجر وجزاء الحد، والإقرار بأنه شهيد على كل شيء من أفعال البشر وأقوالهم وغير ذلك.

وقوله تعالى: يقذف بالحق يريد: بالوحي وآيات القرآن، واستعار له القذف من حيث كان الكفار يرمون بآياته وحكمه، وقرأ الجمهور: "علام" بالرفع، أي: هو علام، ونصبها عيسى بن عمر ، وابن أبي إسحاق ، إما على البدل من اسم "إن"، أو على المدح، وقرأ الأعمش : "وهو علام الغيوب"، وقرأ عاصم : "الغيوب" بكسر الغين.

وقوله: قل جاء الحق يريد الشرع وأمر الله ونهيه، وقال قوم: يعني السيف. وقوله: وما يبدئ الباطل وما يعيد ، قالت فرقة: الباطل غير الحق، من الكذب والكفر ونحوه، استعار له الإبداء والإعادة ونفاهما عنه، كأنه قال: وما يصنع الباطل شيئا. وقالت فرقة: الباطل: الشيطان، والمعنى: ما يفعل الباطل شيئا مفيدا، أي: ليس يخلق ولا يرزق. وقالت فرقة: "ما" استفهام، كأنه قال: وأي شيء يصنع الباطل؟

وقرأ الجمهور: "ضللت" بفتح اللام، "فإنما أضل" بكسر الضاد، وقرأ الحسن، وابن وثاب : "ضللت" بكسر اللام "أضل" بفتح اللام، وهي لغة بني تميم.

وقوله: "فبما" يحتمل أن يكون بمعنى الذي، ويحتمل أن تكون "ما" مصدرية، و"قريب" معناه: بإحاطته وإجابته وقدرته.

واختلف المتأولون في قوله تعالى: ولو ترى الآية، فقال ابن عباس ، والضحاك : هذا في عذاب الدنيا، وروي أن ابن أبزى قال: ذلك في جيش يغزو الكعبة فيخسف بهم في بيداء من الأرض، ولا ينجو إلا رجل من جهينة، فيخبر الناس [ ص: 196 ] بما نال الجيش، قالوا: بسببه قيل:

وعند جهينة الخبر اليقين

وهذا قول بعيد، وروي في هذا المعنى حديث مطول عن حذيفة ، وروى الطبري أنه ضعيف السند مكذوب فيه على داود بن الجراح وقال قتادة : ذلك في الكفار في بدر ونحوها. وقال الحسن بن أبي الحسن: ذلك في الكفار عند خروجهم من القبور في القيامة. وهذا أرجح الأقوال عندي.

وأما معنى الآية فهو التعجب من حالهم إذا فزعوا من أخذ الله إياهم، ولم يتمكن لهم أن يفوت منهم أحد، وقوله: من مكان قريب معناه: أنهم للقدرة قريب حيث كانوا، قيل: من تحت الأقدام، وهذا يتوجه على بعض الأقوال، والذي يعم جميعها أن يقال: إن الأخذ يجيئهم من قرب في طمأنينتهم، بينا الكافر يؤمل ويظن ويترجى إذ غشيه الأخذ، ومن غشيه أخذ من قريب فلا حيلة له ولا روية، وقرأ الجمهور: "وأخذوا"، وقرأ طلحة بن مصرف : "فلا فوت وأخذ"، كأنه قال: وحالهم أخذ.

التالي السابق


الخدمات العلمية