الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                                          فصل .

                                                                                                                          ومتى زالت الموانع منهم ، فبلغ الصبي ، وعقل المجنون ، وأسلم الكافر ، وتاب الفاسق ، قبلت شهادتهم بمجرد ذلك ، ولا يعتبر إصلاح العمل ، وعنه : يعتبر في التائب إصلاح العمل سنة ، ولا تقبل شهادة قاذف ؛ وتوبته أن يكذب نفسه ، وقيل : إن علم صدق نفسه ، فتوبته أن يقول : قد ندمت على ما قلت ، ولا أعود إلى مثله ، وأنا تائب إلى الله منه .

                                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                                          فصل .

                                                                                                                          ( ومتى زالت الموانع منهم ، فبلغ الصبي ، وعقل المجنون ، وأسلم الكافر ، وتاب الفاسق ، قبلت شهادتهم بمجرد ذلك ) لأن المقتضي موجود ، إنما ردت لمانع وقد زال ، ولا يشترط الإقرار به ، وذكر القاضي : أن الإقرار به أولى إذا كان معصية مشهورة ، وشرطها ندم وإقلاع وعزم على ألا يعود ، وأن يكون ذلك [ ص: 234 ] خالصا لوجهه تعالى ، فإن تاب من حق آدمي ، لم تقبل شهادته حتى يبرئه منه ، أو يؤخره برضاه ، أو ينوي رده إذا قدر ، وقيل : يسقط بالتوبة ، ويعوض الله المظلوم بما شاء ، فتقبل إذن ، وإن كان من حق لله كزكاة وصلاة ، فلا بد من فعله سريعا بحسب طاقته ، ويعتبر رد مظلمة أو يستحله أو يستمهله معسر ( ولا يعتبر إصلاح العمل ) نصره في " الشرح " ، وقدمه في " المحرر " و " الفروع " ؛ لقوله عليه السلام التائب من الذنب كمن لا ذنب له ولأن شهادة الكافر تقبل بمجرد الإسلام ، فلأن تقبل شهادة الفاسق بمجرد التوبة بطريق الأولى .

                                                                                                                          ولقول عمر رضي الله عنه لأبي بكرة : " تب أقبل شهادتك " ولحصول المغفرة بها ( وعنه : يعتبر في التائب إصلاح العمل سنة ) لقوله تعالى : إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا [ النور : 5 ] فنهى عن قبول الشهادة ثم استثنى التائب المصلح ، ولأن عمر لما أمر بضرب ضبيع وأمر بهجرانه حتى بلغه توبته ، فأمر أن لا يكلم إلا بعد سنة ، وقيل : إن فسق بفعل ، وإلا لم يعتبر ، ذكره في " التبصرة " رواية .

                                                                                                                          وعنه : في مبتدع جزم به القاضي والحلواني ، وقيل : يعتبر مضي مدة يعلم حاله فيها ، وعنه : ومجانبة قرينة فيه .

                                                                                                                          وفي كتاب ابن حامد : أنه يجيء على قول بعض أصحابنا من شرط صحتها وجود أعمال صالحة لظاهر الآية : إلا من تاب .

                                                                                                                          فرع : إذا علق توبته بشرط ، فإنه غير تائب حالا ، ولا عند وجوده ( ولا [ ص: 235 ] تقبل شهادة قاذف ) أي : تسقط شهادته بالقذف إذا لم يحققه للآية ، والمراد بالقاذف المردود الشهادة : وهو الذي لم يأت بما يحقق قذفه ، كالزوج يقذف زوجته ويتحقق عدمه بالبينة أو اللعان ، وكالأجنبي يقذف أجنبية ويتحقق عدمه بالبينة ، فهذا ترد شهادته حتى يتوب ، فتقبل شهادته سواء حد أو لا ، جزم به الأصحاب ، وبه قال أكثرهم ، وكسائر الذنوب ، بل هذا أولى .

                                                                                                                          ولقول عمر لأبي بكرة : إن تبت قبلت شهادتك رواه أحمد وغيره .

                                                                                                                          واحتجوا به مع اتفاق المسلمين على الرواية عن أبي بكرة ، مع أن عمر لم يقبل شهادته لعدم توبته من ذلك ، ولم ينكر ذلك .

                                                                                                                          قال في " الفروع " : وهذا فيه نظر ؛ لأن الآية إن تناولته لم تقبل روايته لفسقه ، وإلا قبلت شهادته ، كروايته لوجود المقتضي وانتفاء المانع ( وتوبته أن يكذب نفسه ) نص عليه ، جزم به في " المحرر " ، وقدمه في " الرعاية " ؛ لقوله عليه السلام في قوله تعالى : إلا الذين تابوا توبته أن يكذب نفسه ولكذبه حكما ( وقيل : إن علم صدق نفسه ، فتوبته أن يقول : قد ندمت على ما قلت ، ولا أعود إلى مثله ، وأنا تائب إلى الله تعالى منه ) لأن المقصود يحصل بذلك ، ولأن الندم توبة للخبر ، وإنما اعتبر القول ليعلم تحقق الندم ، وقيل : إن كان سبا ، فالتوبة منه إكذاب نفسه ، وإن كان شهادة ، فبأن يقول : القذف حرام باطل ، ولن أعود إلى ما قلت ، اختاره القاضي وصاحب " الترغيب " .

                                                                                                                          [ ص: 236 ] قال القاضي : هو المذهب ؛ لأنه قد يكون صادقا فلا يؤمر بالكذب ، وهو قول السامري ، إلا أنه قال : يقول : ندمت على ما كان مني ، ولا أعود إلى ما أتهم فيه ، ولا أعود إلى مثل ما كان مني ؛ لأن في ذلك ألا يشهد .




                                                                                                                          الخدمات العلمية