الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قلت: ولقائل أن يقول: إنما يعتمد الناس في جرح الرواة ورد حديثهم على الكتب التي صنفها أئمة الحديث في الجرح أو في الجرح والتعديل، وقل ما يتعرضون فيها لبيان السبب، بل يقتصرون على مجرد قولهم: "فلان ضعيف، وفلان ليس بشيء" ونحو ذلك، أو: "هذا حديث ضعيف، وهذا حديث غير ثابت" ونحو ذلك، فاشتراط بيان السبب يفضي إلى تعطيل ذلك وسد باب الجرح في الأغلب الأكثر.

وجوابه: أن ذلك وإن لم نعتمده في إثبات الجرح والحكم به، فقد اعتمدناه في أن توقفنا عن قبول حديث من قالوا فيه مثل ذلك، بناء على أن ذلك أوقع عندنا فيهم ريبة قوية يوجب مثلها التوقف.

ثم من انزاحت عنه الريبة منهم ببحث عن حاله أوجب الثقة بعدالته قبلنا حديثه ولم نتوقف، كالذين احتج بهم صاحبا الصحيحين وغيرهما ممن مسهم مثل هذا الجرح من غيرهم، فافهم ذلك، فإنه مخلص حسن. والله أعلم.

[ ص: 559 ]

التالي السابق


[ ص: 559 ] 82 - قوله: (ولقائل أن يقول: إنما يعتمد الناس في جرح الرواة ورد حديثهم على الكتب التي صنفها أئمة الحديث في الجرح أو في الجرح والتعديل، وقل ما يتعرضون فيها لبيان السبب، بل يقتصرون على مجرد قولهم: "فلان ضعيف، وفلان ليس بشيء" ونحو ذلك) إلى آخر السؤال والجواب الذي أجاب به.

[ ص: 560 ] ومما يدفع هذا السؤال رأسا أو يكون جوابا عنه أن الجمهور إنما يوجبون البيان في جرح من ليس عالما بأسباب الجرح والتعديل، وأما العالم بأسبابهما فيقبلون جرحه من غير تفسير.

وبيان ذلك أن الخطيب حكى في الكفاية عن القاضي أبي بكر الباقلاني أنه حكى عن جمهور أهل العلم "أنه إذا جرح من لا يعرف الجرح يجب الكشف عن ذلك" قال: "ولم يوجبوا ذلك على أهل العلم بهذا الشأن".

قال القاضي أبو بكر: "والذي يقوى عندنا ترك الكشف عن ذلك إذا كان الجارح عالما، كما لا يجب استفسار المعدل عما به صار المزكي عدلا" إلى آخر كلامه.

وما حكيناه عن القاضي أبي بكر هو الصواب. وقد اختلف كلام الغزالي في نقله عن القاضي، فحكى عنه في (المنخول) أنه يوجب بيان الجرح مطلقا، وحكى عنه في (المستصفى) ما تقدم نقله عنه، وهو الصواب، فقد رواه الخطيب عنه بإسناده الصحيح إليه، وحكاه أيضا عنه الإمام فخر الدين الرازي والسيف الآمدي.

[ ص: 561 ] وقال أبو بكر الخطيب في (الكفاية) بعد حكاية الخلاف: "على أنا نقول أيضا: إن كان الذي يرجع إليه في الجرح عدلا مرضيا في اعتقاده وأفعاله، عارفا بصفة العدالة والجرح وأسبابهما، عالما باختلاف الفقهاء في ذلك - قبل قوله فيمن جرحه مجملا، ولا يسأل عن سببه".

وقال إمام الحرمين في (البرهان): "الحق أنه إن كان المزكي عالما بأسباب الجرح والتعديل اكتفينا بإطلاقه وإلا فلا".




الخدمات العلمية