الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
ذِكْرُ مَا يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِهِ وَمَا لَا يَجُوزُ الْأَدِلَّةُ الَّتِي يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِهَا ضِرْبَانِ : مُتَّصِلٌ وَمُنْفَصِلٌ ، فَأَمَّا الْمُتَّصِلُ : فَهُوَ : الِاسْتِثْنَاءُ ، وَالشَّرْطُ ، وَالتَّقْيِيدُ بِالصِّفَةِ . فَأَمَّا الِاسْتِثْنَاءُ : فَلَا يَصِحُّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ . وَأَمَّا الشَّرْطُ : فَهُوَ مَا لَا يَصِحُّ الْمَشْرُوطُ إِلَّا بِهِ ، وَقَدْ يَثْبُتُ بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ ، كَاشْتِرَاطِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْعِبَادَاتِ ، وَاشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ فِي الصَّلَاةِ ، وَقَدْ يَكُونُ مُتَّصِلًا بِالْكَلَامِ ، كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : ( فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ) ... ( فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ) وَقَدْ يَكُونُ بِلَفْظِ الْغَايَةِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ ) . وَأَمَّا تَقْيِيدُ الْعَامِّ بِالصِّفَةِ : فَمِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ) وَلَوْ أَطْلَقَ الرَّقَبَةَ لَعَمَّ الْمُؤْمِنَةَ وَالْكَافِرَةَ ، فَلَمَّا قَالَ : ( مُؤْمِنَةٍ ) وَجَبَ التَّخْصِيصُ . فَإِنْ وَرَدَ الْخِطَابُ مُطْلَقًا حُمِلَ عَلَى إِطْلَاقِهِ ، وَإِنْ وَرَدَ فِي مَوْضِعٍ مُطْلَقًا وَفِي مَوْضِعٍ مُقَيَّدًا : فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي حُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ مِثْلُ : أَنْ يُقَيَّدَ الصِّيَامُ بِالتَّتَابُعِ ، وَيُطْلَقُ الْإِطْعَامُ ، لَمْ يُحْمَلْ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ ، بَلْ يُعْتَبَرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِنَفْسِهِ ، لِأَنَّهُمَا لَا يَشْتَرِكَانِ فِي لَفْظٍ وَلَا مَعْنًى ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ وَسَبَبٍ وَاحِدٍ ، مِثْلُ أَنْ يَذْكُرَ الرَّقَبَةَ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ مُقَيَّدَةً بِالْإِيمَانِ ، ثُمَّ يُعِيدُ ذِكْرَهَا فِي الْقَتْلِ مُطْلَقَةً ، كَانَ الْحَكَمُ لِلْمُقَيَّدِ ، لِأَنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ وَاحِدٌ اسْتَوْفَى بَيَانَهُ فِي أَحَدِ الْمَوْضِعَيْنِ ، وَلَمْ يَسْتَوْفِهِ فِي الْمَوْضِعِ الْآخَرِ . وَأَمَّا الْمُنْفَصِلُ مِنَ الْأَدِلَّةِ الَّتِي يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِهَا فَضِرْبَانِ : أَحَدُهُمَا : مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ ، وَالْآخَرُ : مِنْ قِبَلِ الشَّرْعِ . فَأَمَّا الَّذِي مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ ، فَضِرْبَانِ أَيْضًا : أَحَدُهُمَا : مَا يَجُوزُ وُرُودُ الشَّرْعِ بِخِلَافِهِ ، وَهُوَ مَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْلُ مِنْ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ ، فَهَذَا لَا يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِهِ ، لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يُسْتَدَلُّ بِهِ لِعَدَمِ الشَّرْعِ ، فَإِذَا وَرَدَ الشَّرْعُ سَقَطَ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ وَصَارَ الْحُكْمُ لِلشَّرْعِ . وَالثَّانِي : مَا لَا يَجُوزُ وُرُودُ الشَّرْعِ بِخِلَافِهِ ، مِثْلُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْعَقْلُ مِنْ نَفْيِ الْخَلْقِ عَنْ صِفَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، فَيَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِهَذَا ، وَلِأَجْلِ ذَلِكَ خَصَّصْنَا قَوْلَهُ تَعَالَى : ( ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ) ، وَقُلْنَا : الْمُرَادُ بِهِ مَا خَلَا الصِّفَاتِ ، لِأَنَّ الْعَقْلَ قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى لَا يَجُوزُ أَنْ يَخْلُقَ صِفَاتَهُ ، فَخَصَّصْنَا الْعُمُومَ بِهِ . وَأَمَّا الْأَدِلَّةُ الَّتِي يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِهَا مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ فَوُجُوهٌ : نُطْقُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَمَفْهُومُهُمَا وَأَفْعَالُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَإِقْرَارُهُ ، وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ ، وَالْقِيَاسُ . فَأَمَّا الْكِتَابُ ، فَيَجُوزُ تَخْصِيصُ الْكِتَابِ بِهِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ) خُصَّ بِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ) . وَيَجُوزُ تَخْصِيصُ السُّنَّةِ بِهِ ، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ : لَا يَجُوزُ ذَلِكَ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِهِ هُوَ أَنَّ الْكِتَابَ مَقْطُوعٌ بِصِحَّةِ طَرِيقِهِ ، وَالسُّنَّةُ غَيْرُ مَقْطُوعٌ بِطْرِيقِهَا ، فَإِذَا جَازَ تَخْصِيصُ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ ، فَتَخْصِيصُ السُّنَّةِ بِهِ أَوْلَى . وَأَمَّا السُّنَّةُ : فَيَجُوزُ تَخْصِيصُ الْكِتَابِ بِهَا ، لِأَنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ دَلِيلَانِ ، أَحَدُهُمَا خَاصٌّ ، وَالْآخَرُ عَامٌّ ، فَقُضِيَ بِالْخَاصِّ مِنْهُمَا عَلَى الْعَامِّ ، كَمَا لَوْ كَانَا مِنَ الْكِتَابِ . وَيَجُوزُ تَخْصِيصُ السُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ مِنْ لَفْظِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِعْلِهِ ، وَيَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِإِقْرَارِهِ كَمَا رَأَى الْمُصَلِّي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ فَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرَى مُنْكَرًا مِنْ أَحَدِ فَيُقِرَّهُ عَلَيْهِ . وَيَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ لِأَنَّهُ أَقْوَى مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الظَّوَاهِرِ ، فَإِذَا جَازَ التَّخْصِيصُ بِالظَّوَاهِرِ فَالْإِجْمَاعُ بِذَلِكَ أَوْلَى . وَيَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِالْقِيَاسِ ، لِأَنَّ الْقِيَاسَ يَتَنَاوَلُ الْحُكْمَ فِيمَا يَخُصُّهُ بِلَفْظٍ غَيْرِ مُحْتَمَلٍ ، فَخُصَّ بِهِ الْعُمُومُ كَلَفْظِ الْخَاصِّ . وَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْعُمُومِ بِالْعُرْفِ وَالْعَادَةِ ، لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يُوضَعْ عَلَى الْعَادَةِ ، وَإِنَّمَا وُضِعَ - فِي قَوْلِ بَعْضِ النَّاسِ - عَلَى حَسَبِ الْمَصْلَحَةِ ، وَفِي قَوْلِ الْبَاقِينَ عَلَى مَا أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ، وَذَلِكَ لَا يَقِفُ عَلَى الْعَادَةِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية