الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
( قال ) ويقطع السارق من المستودع والمضارب والمستعير والغاصب والمرتهن عندنا ، وعلى قول زفر والشافعي رحمهما الله تعالى لا يقطع بخصومة هؤلاء ما لم يحضر المالك والكلام مع الشافعي رحمه الله تعالى ينبني على أن لهؤلاء حق الخصومة في الاسترداد عندنا ، وعند الشافعي رحمه الله تعالى ليس لهم ذلك عند جحود من في يده ما لم يحضر المالك ، وقد بينا هذا في الوديعة ، فأما الكلام مع زفر رحمه الله تعالى يتحقق في هذه المسألة هو يقول خصومة هؤلاء تقوم مقام خصومة المالك فلا يستوفى القطع بمثله ، كما لا يستوفى بخصومة وكيل المسروق منه ، وهذا ; لأنه استوفى مع تمكن الشبهة ، فإن المالك إذا حضر ربما يقر بالملك له أو أنه كان مأذونا في الأخذ من جهته ، وما يندرئ بالشبهات لا يستوفي مع تمكن الشبهة ، ألا ترى أن القصاص في النفس لا يستوفى بخصومة المستودع عند غيبة المالك لهذا المعنى ؟

فأما الأب أو الوصي ، فقد قيل على قول زفر رحمه الله لا يستوفى القطع بخصومتهما أيضا لاعتبار معنى النيابة ، وقيل : إنه يستوفى ; لأنه ليس فيه تمكن الشبهة في الحال ، فإن إقرار الصغير بالملك للسارق لغو ، ولهذا ملك الأب استيفاء القصاص في الطرف والنفس جميعا وملك الوصي استيفاء القصاص في الطرف في إحدى الروايتين توضيحه أن المال مضمون على السارق ، وفي استيفاء القطع إسقاط الضمان وصاحب اليد إذا لم يكن مالكا لا يملك إسقاط الضمان فلا يستوفى القطع بخصومته .

( وحجتنا ) فيه أن السرقة تمت موجبة للقطع فيستوفى القطع بخصومة المسروق منه كالمالك والأب والوصي إن سلم ، وبيانه أن المالك لو حضر وخاصم يستوفي القطع بالاتفاق وتأثيره أن يعد تمام الفعل موجبا للقطع ، الشرط ظهوره عند الإمام بلا شبهة ، وقد ظهر بخصومة هؤلاء ; لأن أيديهم صحيحة ، وصاحب اليد الصحيحة إذا أزيلت يده كان له حق الخصومة في الإعادة ; لأن اليد مقصود كالملك ، ألا ترى أن الغاصب يضمن بتفويت اليد ؟ ولأن صاحب اليد وإن كان أمينا فلا يتمكن من أداء الأمانة إلا بيده ، وإن كان ضامنا فلا يتمكن من إسقاط الضمان عن نفسه إلا بيده فكانت اليد مقصودة له ، ولا شك في حق المرتهن أن اليد مقصودة ; لأن موجب عقد الرهن ثبوت يد الاستيفاء حقا للمرتهن ، وكل من كان خصما في إثبات إزالة يده يكون خصما في إثبات سبب الإزالة ، كمن ادعى عينا في يد إنسان أنه له اشتراه [ ص: 145 ] من فلان الغائب وأقام البينة على ذلك قبلت بينته حتى إذا حضر الغائب وأنكر البيع لم يلتفت إلى ذلك ; لأنه لما كان خصما في إثبات الملك لنفسه كان خصما في إثبات سببه ، وسبب الإزالة هاهنا السرقة فيظهر بخصومته عند الإمام بلا شبهة ; لأنه أصل في هذه الخصومة ، وإنما يخاصم باعتبار حقه لا باعتبار ملك الغير ، ألا ترى أنه يستغني عن إضافة الخصومة إلى غيره ؟ فإنه يقول : سرق مني وأزال يدي بخلاف الوكيل ، وإذا ظهرت السرقة بلا شبهة استوفى الإمام القطع حقا لله تعالى ، ولا يمتنع الاستيفاء لتوهم اعتراض إقرار من المالك إذا حضر ، ألا ترى أن المالك إذا حضر وغاب المودع يستوفى القطع ، وإن كان يتوهم أن يحضر المودع فيقر أنه كان ضيفا عنده .

وهذا ; لأن المؤثر شبهة يتوهم وجودها في الحال ، فأما ما يتوهم اعتراضها لا يعتبر ، ألا ترى أن القطع يستوفى بالإقرار ، وإن كان يتوهم اعتراض الرجوع من المقر ، وصاحب اليد بهذه الخصومة إنما يقصد إحياء حق المالك لا إسقاطه ، ولكن الإمام إذا استوفى القطع حقا لله تعالى فمن ضرورته سقوط الضمان على ما نبينه فلا يصير به المودع مسقطا للضمان بل القطع مشروع بطريق الزجر ، فإذا علم السارق أنه لا يقطع بخصومة المودع في حال غيبة المالك يجترئ على سرقة الوديعة فلتحقيق الزجر يستوفى القطع بخصومته ويكون ذلك من الحفظ حكما .

كما أن الله تعالى وصف القصاص بأنه حياة ، وهو إماتة في الحقيقة ، ولكن فيه حياة بطريق الزجر ، فأما القصاص إنما لا يستوفى بخصومة المودع لتمكن شبهة عفو من المالك في الحال ، ولأن اليد فيما تناوله من الإيداع له ، وهو المالية ووجوب القصاص باعتبار معنى النفسية ، وذلك لا يتناوله الإيداع بخلاف الخصومة في السرقة ، فإنه يكون في المال باعتبار معنى المالية فيكون المودع أصلا بنفسه ، ولأن الحرز الذي هو المودع لا أثر له في القصاص بخلاف القطع ، فإنه لا يجب إلا بهتك الحرز وأخذ المال وكل واحد منهما جناية تصلح سببا للعقوبة فكان المودع باعتبار هذا المعنى كالمودع ; لأنه صاحب أحد وصفي السبب فكما أن المالك أصل في الخصومة المظهرة للسرقة بلا شبهة ، فكذلك المودع

التالي السابق


الخدمات العلمية