الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            ( 6940 ) مسألة : قال : ( وفي اليدين الدية ) أجمع أهل العلم على وجوب الدية في اليدين ، ووجوب نصفها في إحداهما . روي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { : وفي اليدين الدية وفي الرجلين الدية } . وفي كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم { : وفي اليد خمسون من الإبل } . ولأن فيها جمالا ظاهرا ، ومنفعة كاملة ، وليس في البدن من جنسهما غيرهما ، فكان فيهما الدية ، كالعينين . واليد التي تجب فيها الدية من الكوع ; لأن اسم اليد عند الإطلاق ينصرف إليها ، بدليل أن الله تعالى لما قال { : والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } . كان الواجب قطعهما من الكوع ، وكذلك التيمم يجب فيه مسح اليدين إلى الكوعين .

                                                                                                                                            فإن قطع يده من فوق الكوع ، مثل أن يقطعها من المرفق ، أو نصف الساعد ، فليس عليه إلا دية اليد . نص عليه أحمد في رواية أبي طالب . وهذا قول عطاء وقتادة والنخعي وابن أبي ليلى ومالك . وهو قول بعض أصحاب الشافعي . وظاهر مذهبه عند أصحابه ، أنه يجب مع دية اليد حكومة لما زاد ; لأن اسم اليد لها إلى الكوع ، ولأن المنفعة المقصودة في اليد ، من البطش والأخذ والدفع بالكف ، وما زاد تابع للكف ، والدية تجب في قطعها من الكوع بغير خلاف ، فتجب في الزائد حكومة ، كما لو قطعه بعد قطع الكف ، قال أبو الخطاب : وهذا قول القاضي .

                                                                                                                                            ولنا ، أن اليد اسم للجميع إلى المنكب ، بدليل قوله تعالى . { : وأيديكم إلى المرافق } . ولما نزلت آية التيمم مسحت الصحابة إلى المناكب . وقال ثعلب : اليد إلى المنكب . وفي عرف الناس أن جميع ذلك يسمى يدا ، فإذا قطعها من فوق الكوع ، فما قطع إلا يدا ، فلا يلزمه أكثر من ديتها ، فأما قطعها في السرقة ; فلأن المقصود يحصل به ، وقطع بعض الشيء يسمى قطعا له ، كما يقال : قطع ثوبه . إذا قطع جانبا منه . وقولهم : إن الدية تجب في قطعها من الكوع . قلنا : وكذلك تجب بقطع الأصابع منفردة ، ولا يجب بقطعها من الكوع أكثر مما يجب في قطع الأصابع ، والذكر يجب في قطعه من أصله مثل ما يجب بقطع حشفته . فأما إذا قطع اليد من الكوع ، ثم قطعها من المرفق ، وجب في المقطوع ثانيا حكومة ; لأنه وجبت عليه دية اليد بالقطع الأول ، فوجبت بالثاني حكومة ، كما لو قطع الأصابع ثم قطع الكف ، أو قطع حشفة الذكر ثم قطع بقيته ، أو كما لو فعل ذلك اثنان [ ص: 358 ]

                                                                                                                                            ( 6941 ) فصل : فإن جنى عليها فأشلها ، وجبت عليه ديتها ; لأنه فوت منفعتها ، فلزمته ديتها ، كما لو أعمى عينه مع بقائها ، أو أخرس لسانه . وإن جنى على يده فعوجها ، أو نقص قوتها ، أو شانها ، فعليه حكومة لنقصها . وإن كسرها ثم انجبرت مستقيمة ، وجبت حكومة لشينها إن شانها ذلك ، وإن عادت معوجة ، فالحكومة أكثر ; لأن شينها أكثر . وإن قال الجاني : أنا أكسرها ثم أجبرها مستقيمة . لم يمكن من ذلك ; لأنها جناية ثانية . فإن كسرها تعديا ثم جبرها فاستقامت ، لم يسقط ما وجب من الحكومة في اعوجاجها ; لأن ذلك استقر حين انجبرت عوجاء ، وهذه جناية ثانية ، والجبر الثاني لها دون الأولى ، ولا يشبه هذا ما إذا ذهب ضوء عينه ثم عاد ; لأننا تبينا أن الضوء لم يذهب ، وإنما حال دونه حائل ، وها هنا بخلافه ، وتجب الحكومة في الكسر الثاني ; لأنها جناية ثانية .

                                                                                                                                            ويحتمل أن لا تجب ; لأنه أزال ضرر العوج منها ، فكان نفعا ، فأشبه ما لو جنى عليه بقطع سلعة أزالها عنه .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية