الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                              5777 6128 - حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، ح.

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 502 ] وقال الليث: حدثني يونس، عن ابن شهاب، أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أن أبا هريرة أخبره أن أعرابيا بال في المسجد، فثار إليه الناس ليقعوا به، فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " دعوه، وأهريقوا على بوله ذنوبا من ماء - أو سجلا من ماء - فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين". [انظر: 220 - فتح: 10 \ 525].

                                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                              ذكر فيه أحاديث:

                                                                                                                                                                                                                              أحدها:

                                                                                                                                                                                                                              حديث أبي موسى: لما بعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعاذ بن جبل قال لهما: "يسرا ولا تعسرا .. " الحديث.

                                                                                                                                                                                                                              ثانيها:

                                                                                                                                                                                                                              حديث أبي التياح - وهو لقب - وكنيته: أبو حماد، واسمه: يزيد بن حميد الضبعي، من أنفسهم، البصري، مات سنة ثمان وعشرين، وقيل: سنة ثلاثين ومائة - قال: سمعت أنس بن مالك قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "يسروا ولا تعسروا، وسكنوا ولا تنفروا".

                                                                                                                                                                                                                              وأما ثالثها:

                                                                                                                                                                                                                              حديث عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: ما خير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أمرين قط إلا (أخذ) أيسرهما، ما لم يكن إثما .. الحديث.

                                                                                                                                                                                                                              رابعها:

                                                                                                                                                                                                                              حديث الأزرق بن قيس قال: كنا على شاطئ نهر بالأهواز قد نضب عنه الماء، فجاء أبو برزة الأسلمي على فرس، فصلى وخلى فرسه، فانطلقت الفرس، فترك صلاته وتبعها حتى أدركها فأخذها، ثم جاء فقضى صلاته، وفينا رجل له رأي، فأقبل يقول: انظروا إلى هذا [ ص: 503 ] الشيخ ترك صلاته من أجل فرس. فأقبل فقال: ما عنفني أحد منذ فارقت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . قال: وقال: إن منزلي متراخ، فلو صليت وتركت فرسي لم آت أهلي إلى الليل. وذكر أنه صحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكر من تيسيره.

                                                                                                                                                                                                                              والأزرق هذا: هو تابعي ثقة، من أفراد البخاري وأبي داود والنسائي، والده قيس الحارثي من بلحارث بن كعب بن عمرو بن خالد بن مالك بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان، أخو النخع، واسمه: جسر بن عمرو بن علة بن خالد بن مالك، وهو مذحج.

                                                                                                                                                                                                                              وأبو برزة نضلة بن عبيد الأسلمي. قيل: إنه مات بمرو في إمارة يزيد بن معاوية، بعد سنة أربع وستين (في المفازة) بين سجستان وهراة. وقيل: مات بالبصرة.

                                                                                                                                                                                                                              والبخاري أخرجه عن أبي النعمان، واسمه: محمد بن الفضل السدوسي عارم، مات سنة أربع وعشرين ومائتين. وروى البخاري مرة، عن المسندي، عنه. وقيل: إنه تغير بأخرة. وروى مسلم عن عبد بن حميد وجماعة، عنه.

                                                                                                                                                                                                                              الحديث الخامس:

                                                                                                                                                                                                                              حدثنا أبو اليمان، ثنا شعيب، عن الزهري، ح. وقال الليث: حدثني يونس، عن ابن شهاب، أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أن أبا هريرة - رضي الله عنه - أخبره أن أعرابيا بال في المسجد، فثار إليه الناس ليقعوا فيه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "دعوه، وأهريقوا على بوله ذنوبا من ماء - أو: سجلا من ماء - فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين".

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 504 ] وهذه الأحاديث ستأتي أيضا، بأمره - عليه السلام - بالتيسير في الحدود والأحكام.

                                                                                                                                                                                                                              قال الطبري: ومعنى قوله: ("يسروا ولا تعسروا") فيما كان من نوافل الخير دون ما كان فرضا من الله، وفيما (خير) الله سبحانه في عمله من فرائضه في حال العذر كالصلاة قاعدا في حال العجز عن القيام، وكالإفطار في رمضان في السفر والمرض، وشبه ذلك مما رخص الله فيه لعباده وأمر بالتيسير في النوافل والإتيان بما لم يكن شاقا ولا فادحا; خشية الملل لها ورفضها، وذلك أن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل، وقال - عليه السلام - لبعض أصحابه: "لا تكن كفلان كان يقوم الليل فتركه" .

                                                                                                                                                                                                                              وقال غير الطبري: من تيسيره - عليه السلام - أنه لم يعنف البائل في المسجد ورفق به، ومن ذلك قطع أبي برزة لصلاته واتباعه فرسه، وأنه رأى من تيسير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما حمله على ذلك. وجماعة الفقهاء يرون أن من كان في صلاة وانفلتت دابته أنه يقطع صلاته ويتبعها; لأن الصلاة تدرك إعادتها، ومسير دابته عنه قاطع له. وقد استوعبنا ذلك في الصلاة; لكن عندنا تصلى صلاة شدة الخوف (. . .) .

                                                                                                                                                                                                                              وقال ابن التين: معنى: (قضى صلاته) ابتدأها، وهو صحيح إن كانت الدابة قريبة أمسكها وإلا قطع وأمسك وابتدأ.

                                                                                                                                                                                                                              قال الطبري: وفي أمره - عليه السلام - بالتيسير في ذلك معان: الأمان من الملال، ومن مخالطة العجب قلب صاحبه حتى يرى كأن له فضلا على من قصر عن مثل فعله فيهلك; ولهذا قال - عليه السلام - : "هلك المتنطعون"

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 505 ] وبلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن قوما أرادوا أن يختصوا، وحرموا الطيبات واللحم على أنفسهم، فقام خطيبا وأوعد في ذلك أشد الوعيد. وقال: "لم أبعث بالرهبانية، وإن خير الدين عند الله الحنيفية السمحة، وإن أهل الكتاب هلكوا بالتشديد، شددوا فشدد الله عليهم" .

                                                                                                                                                                                                                              وفي هذا من الفقه: أن أمر الدنيا نظير ذلك في أن الغلو وتجاوز القصد فيها مذموم. وبذلك نزل القرآن قال تعالى: والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا [الفرقان: 67] الآية، فحمد الله تعالى في نفقاتهم ترك الإسراف والإقتار، وقال: وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل [الإسراء: 26] فأمر بترك التبذير فيما يعطى في سبيله التي يرجى بها الزلفة لديه.

                                                                                                                                                                                                                              فالواجب واجب على كل ذي لب أن تكون أموره كلها قصدا في (عبادته) كان، أو في أمر دنياه، وفي عداوة كان أو محبة، في أكل أو شرب، أو لباس أو عري، وكل هذا ورد الخبر عن السلف أنهم كانوا يفعلونه.

                                                                                                                                                                                                                              وأما اجتهاده - عليه السلام - في عبادة ربه، فإن الله كان خصه من القوة ما لم يخص به غيره، (فكان) ما فعل من ذلك سهلا عليه; على أنه - عليه السلام - لم يكن يحيي ليله كله قياما، ولا شهرا كله صياما غير رمضان. وقد قيل: إنه كان يصوم شعبان كله فيصله برمضان.

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 506 ] قلت: كذا عبر به ابن بطال، وهو في الصحيح فلا ينبغي أن نغير ذلك فأما سائر شهور السنة فإنه كان يصوم بعضه ويفطر بعضه، ويقوم بعض الليل وينام بعضه، وكان إذا عمل عملا داوم عليه فهو أحق من اقتدي به الذي اصطفاه الله لرسالته وانتخبه لوحيه .

                                                                                                                                                                                                                              فصل:

                                                                                                                                                                                                                              قوله في حديث أبي موسى - رضي الله عنه - : (وشراب من الشعير يقال له: المزر)، كذا عند ابن فارس أنه نبيذ الشعير ، قال الجوهري: هو من الذرة . ولعله منهما.

                                                                                                                                                                                                                              وقوله فيه: ("كل مسكر خمر"). فيه بيان أن العلة الإسكار، وأن التحريم يتعلق بذلك من غير التفات إلى ما يعمل منه.

                                                                                                                                                                                                                              فصل:

                                                                                                                                                                                                                              قولها: (وما انتقم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لنفسه). أي: في الغالب كما قيل; لأنه أمر بقتل جماعة، منهم ابن خطل، لكنه عند التأمل يرجع إلى (انتهاك) الحرمات. وقيل: أرادت إذا أوذي بغير السبب المؤدي إلى الكفر: من أخذ المال، وجبذ الأعرابي بثوبه، وتظاهر عائشة وحفصة ( - رضي الله عنهما - ) عليه. وأما من أذاه بالسب فهو كفر وانتهاك لحرمة الله فينتقم، لما يكون ذلك ليس بحق نفسه.

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 507 ] وقولها: (وما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما). تريد: في أمر دنياه، لقولها: (ما لم يكن إثما)، والإثم لا يكون إلا في أمر الآخرة، وقد سلف إيضاحه.

                                                                                                                                                                                                                              فصل:

                                                                                                                                                                                                                              ومعنى (نضب عنه الماء): غار وبعد في الأرض وسفل وهو بفتح الضاد،

                                                                                                                                                                                                                              وقوله: (وفينا رجل له رأي). قال الداودي: يظن أنه يحسن. وليس كذلك، وهذا هو المتعاطي ما لا يعلم.

                                                                                                                                                                                                                              (والتعنيف: التعيير واللوم) .

                                                                                                                                                                                                                              وقوله: (ومنزلي متراخ) أي: بعيد.

                                                                                                                                                                                                                              فصل:

                                                                                                                                                                                                                              قوله: (فثار إليه). أي: وثب.

                                                                                                                                                                                                                              والذنوب: الدلو فيه الماء، قال ابن السكيت: قريب من المليء، يؤنث ويذكر، ولا يقال لها وهي فارغة: ذنوب. وعبارة ابن فارس: الذنوب: الدلو العظيمة.

                                                                                                                                                                                                                              والسجل - مذكر - : وهو الدلو إذا كان فيه ما قل أو كثر، ولا يقال لها وهي فارغة: سجل .




                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية