الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                            ( وتجوز ) ( الصبح خلف الظهر ) وكذا كل صلاة هي أقصر من صلاة الإمام ( في الأظهر ) لاتفاق نظم الصلاتين وقطع به كعكسه .

                                                                                                                            والثاني لا يجوز لأنه يحتاج إلى الخروج عن صلاة الإمام قبل فراغه ، وفي تعبيره بيجوز إيماء إلى أن تركه أولى ولو مع الانفراد ، لكن يحصل بذلك فضيلة الجماعة وإن فارق إمامه عند قيامه للثالثة كما أفتى به الوالد رحمه الله تعالى وعبارة ابن العماد : فإن شاء نوى مفارقته وسلم ، وإن شاء انتظره ليسلم معه وهو الأفضل ، فإن فارقه لم تبطل صلاته ولم تفت به الفضيلة بلا خلاف ا هـ . أي على الأظهر القائل بجواز الاقتداء ، وعللوا أفضلية الانتظار بأنه يجوز به فضل أداء السلام مع الإمام ، وقالوا تفريعا على صحة الاقتداء بمصلي الكسوف أنه يجب عليه مفارقته عند القيام الثاني من الركعة الأولى وتحصل له فضيلة الجماعة ، لأنه فارق بعذر فأشبه ما إذا قطع الإمام القدوة ، وقالوا تفريعا على صحة الاقتداء بمصلي الجنازة أنه لا يوافقه في التكبيرات وغيرها ، بل فائدته حصول فضيلة الجماعة . وقال الشارح : وظاهر أنها : أي فضيلة الجماعة لا تفوت في المفارقة المخير بينها وبين الانتظار ، ولهذا قال جماعة من المتأخرين في مسألتنا : لك أن تقول إذا كان الأولى الانفراد فلم حصلت له فضيلة الجماعة [ ص: 215 ] لأنها خلاف الأولى ا هـ .

                                                                                                                            ولا يخالف ما ذكرته قول بعض المتأخرين : إن صلاة العراة ونحوهم جماعة صحيحة ولا ثواب فيها لأنها غير مطلوبة ا هـ : أي لأن انتفاء طلبها منهم لعدم أهليتهم لها بسبب صفة قامت بهم بخلاف مسألتنا ولا قول الروضة وغيرها إن الأولى فيها الانفراد خروجا من الخلاف لما فيه من الاتفاق على صحتها فيه بخلافها في الجماعة وإن نال فضلها في الأظهر بل ما ذكرته أولى مما قالوه من أن من صلى على جنازة لا يستحب له إعادتها على الصحيح ، ومن مقابله أنه إن صلى منفردا ثم وجد جماعة استحبت له الإعادة معهم لحيازة فضلها وإلا فلا ، وعلى الصحيح لو أعادها صحت نفلا على الصحيح ، وقيل فرضا كالطائفة الثانية ا هـ .

                                                                                                                            والصلاة في هذه المسألة مطلوب تركها فضلا عن طلب ترك جماعتها .

                                                                                                                            والصلاة في مسألتنا واجب فعلها وإن انتفى طلب الجماعة فيه ، وعلم مما تقرر من خبر معاذ المار حصول فضيلة الجماعة خلف معيد الفريضة صبحا كانت أو غيرها ، ويدل عليه أيضا خبر ابن حبان في صحيحه من حديث جابر رضي الله عنه { أنه كان يصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المغرب ثم يرجع إلى قومه فيؤمهم } وخبر أبي داود والترمذي والنسائي من حديث يزيد بن الأسود وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم { أنه صلى الله عليه وسلم صلى الصبح في مسجد الخيف ، فلما انفتل من صلاته رأى في آخر القوم رجلين لم يصليا معه فقال : ما منعكما أن تصليا معنا ؟ فقالا : يا رسول الله صلينا في رحالنا ، فقال : إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصلياها معهم فإنها لكما نافلة } وهو كما مر يدل بالعموم وعدم الاستفصال على أنه لا فرق بين المصلي منفردا والمصلي جماعة إماما أو مأموما .

                                                                                                                            وقد علل الشيخان وغيرهما الوجه المرجوح القائل بأن صلاة بطن نخل أفضل من صلاة ذات الرقاع بحصول فضيلة الجماعة على التمام لكل طائفة ، ومرادهم أن إيقاع الصلاة بكمالها خلف الإمام أكمل من إيقاع البعض وإن حصلت فضيلة الجماعة في جميع الصلاة .

                                                                                                                            وأما قولهم يسن للمفترض أن لا يقتدي بالمتنفل للخروج من خلاف أبي حنيفة فمحله في النفل المتمحض ، أما الصلاة المعادة فلا لأنه قد اختلف في فرضيتها إذ قيل : إن الفرض إحداهما يحتسب الله ما شاء منهما ، وربما قيل يحتسب أكملهما ، لأن الثانية لو تعينت للنفلة لم يسن فعلها في جماعة كسنة الظهر وغيرها .

                                                                                                                            وقيل إن من صلى منفردا فالفرض الثانية لكمالها ، وإن صلى في الجماعة فالأولى .

                                                                                                                            وقيل إن كلا منهما فرض لأن الثانية مأمور بها والأولى مسقطة للحرج لا مانعة من وقوع الثانية فرضا بدليل سائر فروض الكفايات كالطائفة الثانية المصلية على الجنازة وغيرها ( فإذا قام ) الإمام ( للثالثة إن شاء ) المأموم ( فارقه ) بالنية ( وسلم ) لانقضاء صلاته ، ولا كراهة لأنه فراق بعذر كما سيأتي آخر الباب ( وإن شاء انتظره ليسلم معه ) ليحوز أداء السلام مع الجماعة ( قلت : انتظاره أفضل ، والله أعلم ) لما مر [ ص: 216 ] إن لم يخش خروج الوقت قبل تحلله ، وعلم منه حصول فضيلة الجماعة كما تقرر وإذا انتظره أطال الدعاء بعد تشهده فيما يظهر ، وخرج بفرضه الكلام في الصبح والمغرب خلف الظهر مثلا ، فلا يجوز له أن ينتظره إذا قام للرابعة على الأصح في التحقيق وغيره ، لأنه يحدث جلوس تشهد لم يفعله الإمام ، بخلافه في تلك فإنه وافقه فيه ثم استدامه ، وعلم مما ذكرناه أنه لو جلس إمامه للاستراحة فقط لزمه مفارقته ، وأنه لا أثر أيضا لجلوسه للتشهد من غير تشهد في الصبح بالظهر ، إذ جلوسه من غير تشهد كلا جلوس لأنه تابع له فلا يعتد به بدونه ، وهذا هو مراد ابن المقري بقوله أحدث جلوسا ، كما أن مراد الشيخين بقولهما أحدث تشهدا جلوسه .

                                                                                                                            ويؤخذ من ذلك بالأولى أنه لو ترك إمامه الجلوس والتشهد لزمه مفارقته لأن المخالفة حينئذ أفحش ، ويجري ما ذكر فيمن صلى الصبح خلف مصلي الظهر وترك إمامه التشهد الأول فيجب على المأموم مفارقته عند قيامه للثالثة كما أفتى به الوالد رحمه الله تعالى أخذا من تعليلهم جواز انتظار المأموم إمامه فيها بأنه وافقه في جلوس تشهده ثم استدامه ، وتعليلهم لزوم مفارقة مصلي الرباعية بأنه يحدث جلوس تشهد لم يفعله إمامه ، ويصح اقتداء من في التشهد بالقائم ولا يجوز له متابعته بل ينتظره إلى أن يسلم وهو أفضل ، وله مفارقته وهو فراق بعذر ، ولا نظر هنا إلى أنه أحدث جلوسا [ ص: 217 ] لم يفعله الإمام لأن المحذور إحداثه بعد نية الاقتداء لا دوامه كما هنا .

                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                            حاشية الشبراملسي

                                                                                                                            ( قوله : لكن يحصل بذلك إلخ ) قد يؤخذ منه صحة المعادة خلف المقضية لحصول فضيلة الجماعة فيها ، وتقدم للشارح أن الجماعة شرط في المعادة بتمامها .

                                                                                                                            ( قوله : وقالوا تفريعا إلخ ) أي وهو مرجوح وكذلك قوله وقالوا تفريعا الآتي ( قوله : وقال الشارح ) أي في فصل خرج الإمام من صلاته إلخ الآتي .

                                                                                                                            ( قوله : ولهذا قال إلخ ) أي لقول الشارح : إن فضيلة الجماعة لا تفوت في المفارقة إلخ .

                                                                                                                            ( قوله : في مسألتنا ) أي وهي جواز الصبح خلف الظهر . ( قوله : فلم حصلت له إلخ ) هذا ظاهر على أن الانفراد أفضل كما فرضه ، وأشعر به قول الشارح قبل ، وفي تعبيره بيجوز إيماء إلخ ، [ ص: 215 ] أما إن قلنا بأن الجماعة أفضل فلا يرد السؤال .

                                                                                                                            ( قوله : لأنها ) الأولى مع أنها إلخ .

                                                                                                                            ( قوله : بخلاف مسألتنا ) أي فإن أهليتهم للصلاة حاصلة وانتفاء طلب الجماعة منهم لمجرد اختلاف الصلاتين ( قوله : بل ما ذكرته إلخ ) أي توجيها لحصول فضيلة الجماعة من قوله وعللوا أفضلية انتظاره إلخ .

                                                                                                                            ( قوله : لو أعادها ) أي صلاة الجنازة ولو منفردا ومرارا .

                                                                                                                            ( قوله : في هذه المسألة ) أي صلاة الجنازة .

                                                                                                                            ( قوله : فلما انفتل ) أي التفت .

                                                                                                                            ( قوله : فمحله في النفل المتمحض ) أي وعليه فلو اقتدى هل تحصل له فضيلة الجماعة أو لا ؟ فيه نظر .

                                                                                                                            وتقدم عن سم حصول الثواب في النفل الذي لا تشرع فيه الجماعة ، وقضيته حصول فضل الجماعة .

                                                                                                                            ( قوله : أما الصلاة المعادة فلا ) أي فلا يسن للمصلي الفرض [ ص: 216 ] أن لا يقتدي بإمامها بل يسن له الاقتداء لحصول فضيلة الجماعة فيها .

                                                                                                                            ( قوله : إن لم يخش خروج الوقت ) أي فإن خشيه فعدم الانتظار أولى ، وإنما لم تجب نية المفارقة لجواز المد في الصلاة .

                                                                                                                            ( قوله : أطال الدعاء ) أي ندبا ولا يكرر التشهد فلو لم يحفظ إلا دعاء قصيرا كرره لأن الصلاة لا سكوت فيها ، وإنما لم يكرر التشهد خروجا من خلاف من أبطل بتكرير الركن القولي .

                                                                                                                            ( قوله : لأنه يحدث جلوس تشهد ) يؤخذ من هذا الاستدلال أن له انتظاره في السجود الثاني فليراجع ا هـ سم على حج . أقول : وانتظاره أفضل .

                                                                                                                            ( قوله : وعلم مما ذكرناه ) أي من قولنا : إنه يحدث جلوس تشهد إلخ .

                                                                                                                            ( قوله : للاستراحة ) أي ويعلم ذلك بالقرينة كما لو صلى المغرب خلف رباعية .

                                                                                                                            ( قوله : لجلوسه ) أي الإمام . ( قوله : لأنه ) أي الجلوس تابع له : أي التشهد .

                                                                                                                            ( قوله : فلا يعتد به بدونه ) هو ظاهر إن علم من حال الإمام أنه لم يتشهد ، وأما لو لم يعلم ذلك بأن ظنه وتبين خلافه فينبغي عدم الضرر لأنه كالجاهل ، وهو يغتفر له ما لا يغتفر لغيره لعذره .

                                                                                                                            ( قوله : ويجري ما ذكر ) قد يقال : لا حاجة لهذا بعد قوله ويؤخذ من ذلك بالأولى إلخ ، فإن هذا الذي جعله مأخوذا بالأولى هو عين ما ذكره بقوله : ويجري ما ذكر فيمن صلى إلخ ( قوله عند قيامه للثالثة ) أي حيث أراد الجلوس للتشهد ، فلو لم يرد ذلك لم يبعد انتظاره في السجود وإن طال من غير نية مفارقة .

                                                                                                                            ( قوله : وهو فراق بعذر ) قد يشعر هذا بحصول فضيلة الجماعة لمن ذكر ، لكن سيأتي فيما لو أحرم منفردا ثم نوى القدوة في خلال صلاته أن ذلك مكروه مفوت لفضيلة الجماعة حتى فيما أدركه مع الإمام ا هـ .

                                                                                                                            وقضيته عدم حصول الفضيلة هنا ، وقضية قوله هنا وهو أفضل إلخ حصول الفضيلة ، اللهم إلا أن يقال : إذا نوى الاقتداء وإن لم تحصل له فضيلة الجماعة [ ص: 217 ] لكن تحصل له فضيلة في الجملة ، فإذا نوى المفارقة لمخالفة الإمام له من حيث كونه قائما وهو قاعد مثلا يكون ذلك عذرا غير مفوت لما حصل له من الفضيلة الحاصلة بمجرد ربط صلاته بصلاة الإمام



                                                                                                                            حاشية المغربي

                                                                                                                            [ ص: 213 - 214 ] ( قوله : وعبارة ابن العماد إلى قوله وعلم مما تقرر من خبر معاذ ) من فتاوى والده حرفا بحرف وإن أوهم سياقه خلاف ذلك ( قوله : ولهذا ) أي ولكون فضيلة الجماعة حاصلة مع القول بأن الانفراد أولى الذي فهمه عنهم ، فاستشكال هؤلاء الجماعة مبني على ذلك فهم موافقون له فيما فهمه ، واحتاج إلى هذا ; لأن جميع ما قدمه من النقول [ ص: 215 ] ليس فيه التصريح بأن الانفراد أولى فتأمل ( قوله : ولا قول الروضة وغيرها إلخ ) عبارة الفتاوى : وأما قول الروضة وغيرها إلخ ( قوله : صبحا كانت أو غيرها ) في علم ذلك من خبر معاذ نظر ظاهر ; لأنه مفروض في عشاء الآخرة كما مر [ ص: 216 ]

                                                                                                                            ( قوله : وهذا هو مراد ابن المقري ) يعني قوله ; لأنه يحدث جلوس تشهد لم يفعله الإمام ، فالكلام في المغرب كما يعلم كالذي نذكره بعد من الروض وشرحه ( قوله : كما أن مراد الشيخين بقولهما أحدث تشهدا جلوسه ) أي معه بقرينة ما قبله ( قوله : ويؤخذ من ذلك بالأولى أنه لو ترك إمامه الجلوس والتشهد ) يعني في الصبح بالظهر ( قوله : ويجري ما ذكر ) أي في المغرب ، وقوله : فيمن صلى الصبح مكرر مع قوله ويؤخذ من ذلك بالأولى إلخ ( قوله : وتعليلهم لزوم مفارقة مصلي الرباعية ) كذا في : نسخ الشارح كالفتاوى ، وكان المصدر مضافا لمفعول وفاعله محذوف لعلمه : أي مصلي المغرب ( قوله : ولا نظر هنا إلى أنه أحدث جلوسا ) فيه مسامحة إذ لا إحداث هنا .




                                                                                                                            الخدمات العلمية