الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  4005 263 - حدثني عبيد الله بن موسى ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن البراء رضي الله عنه قال : لما اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة ، فأبى أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة حتى قاضاهم على أن يقيم بها ثلاثة أيام فلما كتبوا الكتاب كتبوا : هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله ، قالوا : لا نقر بهذا ، لو نعلم أنك رسول الله ما منعناك شيئا ، ولكن أنت محمد بن عبد الله فقال : أنا رسول الله ، وأنا محمد بن عبد الله ثم قال لعلي : امح رسول الله ، قال علي : لا والله ، لا أمحوك أبدا ، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب ، وليس يحسن يكتب فكتب هذا ما قاضى محمد بن عبد الله لا يدخل مكة السلاح إلا السيف في القراب ، وأن لا يخرج من أهلها بأحد إن أراد أن يتبعه ، وأن لا يمنع من أصحابه أحدا إن أراد أن يقيم بها ، فلما دخلها ومضى الأجل أتوا عليا ، فقالوا : قل لصاحبك : اخرج عنا ، فقد مضى الأجل فخرج النبي صلى الله عليه وسلم ، فتبعته ابنة حمزة تنادي يا عم يا عم ، فتناولها علي فأخذ بيدها ، وقال لفاطمة عليها السلام [ ص: 263 ] دونك ابنة عمك حملتها فاختصم فيها علي وزيد وجعفر ، قال علي : أنا أخذتها وهي بنت عمي ، وقال جعفر : ابنة عمي وخالتها تحتي ، وقال زيد : ابنة أخي ، فقضى بها النبي صلى الله عليه وسلم لخالتها ، وقال الخالة بمنزلة الأم ، وقال لعلي : أنت مني وأنا منك ، وقال لجعفر : أشبهت خلقي وخلقي ، وقال لزيد : أنت أخونا ومولانا ، وقال علي : ألا تتزوج بنت حمزة قال : إنها ابنة أخي من الرضاعة .

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  مطابقته للترجمة ظاهرة ، وعبيد الله بن موسى بن باذام الكوفي ، وإسرائيل هو ابن يونس بن أبي إسحاق ، يروي عن جده أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي .

                                                                                                                                                                                  والحديث قد مضى في الصلح ، في باب كيف يكتب : هذا ما صالح فلان بن فلان بعين هذا الإسناد والمتن ، وقال الحافظ المزي : قيل : مر الحديث في الحج ولم أجده فيه .

                                                                                                                                                                                  قوله : " في ذي القعدة " أي : من سنة ست ، قوله : " فأبى " من الإباء ، وهو الامتناع ، قوله : " أن يدعوه " بفتح الدال ، أي : أن يتركوه ، قوله : " حتى قاضاهم " أي : صالحهم وفاصلهم ، قوله : " على أن يقيم بها " أي : بمكة ثلاثة أيام من العام المقبل ، وصرح به في حديث ابن عمر الذي بعده ، قوله : " فلما كتبوا " هكذا هو بصيغة الجمع عند الأكثرين ، ويروى : " فلما كتب الكتاب " بصيغة المجهول من الفعل الماضي المفرد ، قوله : " هذا " إشارة إلى ما تصور في الذهن ، قوله : " ما قاضى " في محل الرفع على أنه خبر لقوله : هذا ، ووقع في رواية الكشميهني " هذا ما قاضا " قيل : هذا غلط ; لأنه لما رأى قوله : " كتبوا ظن أن المراد كتب قريش ، وليس كذلك ، بل المسلمون هم الذين كتبوا ، ( فإن قلت ) : الكاتب كان واحدا ، فما وجه صيغة الجمع ؟ ( قلت ) : لما كانت الكتابة برأيهم أسندت إليهم مجازا ، قوله : " لا نقر لك بهذا الأمر الذي تدعيه " وهو النبوة ، وقد تقدم في الصلح بلفظ : " فقالوا : لا نقر بها " أي : بالنبوة ، قوله : " لو نعلم أنك رسول الله ما منعناك شيئا " وزاد في رواية يوسف " ولبايعناك " ، وفي رواية النسائي عن أحمد بن سليمان ، عن عبيد الله بن موسى شيخ البخاري فيه : " ما منعناك بيته " ، وفي رواية شعبة عن أبي إسحاق : " لو كنت رسول الله لم نقاتلك " ، وفي حديث أنس لاتبعناك ، وفي حديث المسور " فقال سهيل بن عمر : والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ، ولا قاتلناك " ، وفي رواية أبي الأسود ، عن عروة في المغازي : " فقال سهيل : ظلمناك إن أقررنا لك بها ومنعناك " ، وفي رواية عبد الله بن مغفل : " لقد ظلمناك إن كنت رسولا " ، قوله : " امح " بضم الميم من محا يمحو ، قوله : " رسول الله " بالنصب ; لأنه مفعول امح ، ولكن تقديره : امح لفظ رسول الله ، قوله : " قال علي : لا والله لا أمحوك أبدا " أي : لا أمحو اسمك أبدا ، وإنما لم يمتثل الأمر ; لأنه علم بالقرائن أن أمره عليه السلام لم يكن متحتما ، قوله : " وليس يحسن يكتب " أي : والحال أن النبي صلى الله عليه وسلم ليس يحسن الكتابة ; فكتب : " هذا ما قاضى " ، ( فإن قلت ) : قال الله تعالى : الرسول النبي الأمي والأمي لا يحسن الكتابة فكيف كتب ؟ ( قلت ) : فيه أجوبة :

                                                                                                                                                                                  ( الأول ) : أن الأمي من لا يحسن الكتابة ، لا من لا يكتب . ( الثاني ) : أن الإسناد فيه مجازي ، إذ هو الآمر بها ، وقال السهيلي : والحق أن قوله : " فكتب " أي : أمر عليا أن يكتب ، قلت : هو بعينه الجواب الثاني . ( الثالث ) : أنه كتب بنفسه خرقا للعادة على سبيل المعجزة ، وأنكر بعض المتأخرين على أبي مسعود نسبة هذه اللفظة ، أعني قوله : " ليس يحسن يكتب " إلى تخريج البخاري ، وقال : ليست هذه اللفظة في البخاري ولا في مسلم ، وهو كما قال : ليس في مسلم هذا ، ولكن ثبتت هذه اللفظة في البخاري ، وكذلك في رواية النسائي عن أحمد بن سليمان ، عن عبيد الله بن موسى مثل ما هي هنا سواء ، وكذا أخرجها أحمد عن يحيى بن المثنى ، عن إسرائيل ولفظه : " فأخذ الكتاب " ، وليس يحسن أن يكتب فكتب مكان رسول الله : هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله ، قوله : " لا يدخل " بضم الياء من الإدخال ، والسلاح منصوب به ، قوله : " وأن لا يخرج " على صيغة المعلوم ، قوله : " في القراب " ، وقراب السيف جفنه ، وهو وعاء يكون فيه السيف بغمده ، قوله : " فلما دخلها " أي : في العام المقبل ، قوله : " ومضى الأجل " أي : ثلاثة أيام ، قوله : " قل لصاحبك : اخرج عنا " أراد بصاحب علي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم .

                                                                                                                                                                                  [ ص: 264 ] وفي رواية يوسف : " مر صاحبك فليرتحل " ، قوله : " فتبعته ابنة حمزة " هكذا رواه البخاري معطوفا على إسناد القصة التي قبله ، وكذا أخرجه النسائي عن أحمد بن سليمان ، عن عبيد الله بن موسى ، وكذا أخرجه الحاكم في الإكليل وادعى البيهقي أن فيه إدراجا ; لأن زكريا بن أبي زائدة رواه عن أبي إسحاق مفصلا ، فأخرج مسلم والإسماعيلي القصة الأولى من طريقه عن أبي إسحاق حديث البراء فقط ، وأخرج البيهقي قصة بنت حمزة من طريقه عن أبي إسحاق من حديث علي رضي الله تعالى عنه ، وأخرج أبو داود من طريق إسماعيل بن جعفر عن إسرائيل قصة بنت حمزة خاصة من حديث علي بلفظ : لما خرجنا من مكة تبعتنا بنت حمزة الحديث ، قيل : لا إدراج فيه ; لأن الحديث كان عند إسرائيل ، وكذا عند عبيد الله بن موسى عنه بالإسنادين جميعا لكنه في القصة الأولى من حديث البراء أتم ، وبالقصة الثانية من حديث علي أتم ، واسم ابنة حمزة عمارة ، وقيل فاطمة ، وقيل أمامة ، وقيل أمة الله ، وقيل سلمى ، والأول أشهر ، قوله : " تنادي يا عم " إنما خاطبت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بذلك إجلالا له ، وإنما هو ابن عمها أو بالنسبة إلى كون حمزة أخاه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم من الرضاعة ، قوله : " دونك " من أسماء الأفعال ، معناه خذيها ، وهي كلمة تستعمل في الإغراء بالشيء ، قوله : " حملتها " بصيغة الفعل الماضي بتخفيف الميم ، قيل أصله فحملتها بالفاء ، وكأنها سقطت ، وكذا بالفاء في رواية أبي داود ، وفي رواية أبي ذر عن السرخسي والكشميهني حمليها بتشديد الميم بصورة الأمر من التحميل ، وقد مر في الصلح في هذا الموضع للكشميهني أحمليها أمر من الإحمال ، وروى الحاكم من مرسل الحسن فقال علي لفاطمة رضي الله تعالى عنها ، وهي في هودجها أمسكيها عندك ، وعند ابن سعد من مرسل محمد بن علي بن الحسين الباقر بإسناد صحيح إليه ، فبينما بنت حمزة تطوف في الرحال إذ أخذ علي بيدها فألقاها إلى فاطمة في هودجها ، قوله : " فاختصم فيها " ، أي : في بنت حمزة علي بن أبي طالب وزيد بن حارثة وجعفر أخو علي أراد أن كلا منهم أراد أن تكون ابنة حمزة عنده ، وكانت الخصومة فيها بعد قدومهم المدينة ، وثبت ذلك في حديث علي عند أحمد والحاكم ، فإن قلت زيد بن حارثة ليس أخا لحمزة لا نسبا ولا رضاعا ، فكيف اختصم ؟ قلت : قال الكرماني : آخى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بينه وبين حمزة انتهى ، قلت ذكر الحاكم في الإكليل وأبو سعيد في شرف المصطفى من حديث ابن عباس بسند صحيح : أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان آخى بين حمزة وزيد بن حارثة ، وأن عمارة بنت حمزة كانت مع أمها بمكة ، قلت : اسم أمها سلمى بنت عميس وهي معدودة في الصحابة ، فإن قلت : كيف تركت عند أمها وهي في دار الحرب قلت : إما أن أمها لم تكن أسلمت إلا بعد هذه القضية ، وإما أنها قد ماتت ، وروي عن ابن عباس أن عليا قال له : كيف تترك ابنة عمك مقيمة بين ظهراني المشركين ، فإن قلت : كيف أخذوها ، وفيه مخالفة لكتاب العهد قلت : قد تقدم في كتاب الشروط أن النساء المؤمنات لم يدخلن في العهد ، ولئن سلمنا كون الشرط عاما ، ولكن لا نسلم أنه صلى الله تعالى عليه وسلم أخرجها ، ووقع في مغازي سليمان التيمي : أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لما رجع إلى أهله وجد بنت حمزة فقال لها : ما أخرجك ؟ قالت : رجل من أهلك ، ولم يكن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أمر بإخراجها ، وفي حديث علي عند أبي داود أن زيد بن حارثة أخرجها من مكة ، قوله : " وخالتها تحتي " أي : زوجتي واسمها أسماء بنت عميس ، قوله : " والخالة بمنزلة الأم " أي : في الحنو والشفقة وإقامة حق الصغير ، وقال بعضهم : لا حجة فيه لمن زعم أن الخالة ترث ; لأن الأم ترث ، قلت : هي من ذوي الأرحام ، قال الله تعالى : وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله وعلى هذا كانت الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، حتى روي أن عمر رضي الله تعالى عنه قضى في عم لأم وخالة ، أعطى العم الثلثين ، والخالة الثلث ، والحديث لا ينافي توريث الخالة ، بل ظاهره يدل عليه من حيث العموم ، قوله : " وقال لعلي " أي : وقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لعلي بن أبي طالب : أنت مني وأنا منك ، أي : في النسب والصهر والسابقة والمحبة وغير ذلك ، ولم يرد محض القرابة وإلا فجعفر شريكه فيها ، قوله : " وقال لجعفر : أشبهت خلقي وخلقي " بفتح الخاء في الأول وضمها في الثاني .

                                                                                                                                                                                  ( أما الأول ) : فالمراد به الصورة ، فقد شاركه فيها جماعة ممن رأى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، قيل : هم عشرة أنفس غير فاطمة ، وقيل : أكثر من عشرة : منهم إبراهيم ولد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وعبد الله وعون ولدا جعفر وإبراهيم بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، ويحيى بن القاسم بن محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي ، والقاسم بن عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي [ ص: 265 ] طالب ، ومنهم علي بن علي بن عباد بن رفاعة الرفاعي ، شيخ بصري من أتباع التابعين . ( وأما الثاني ) أعني شبهه في الخلق فمخصوص بجعفر ، وهذه منقبة عظيمة له قال الله تعالى : وإنك لعلى خلق عظيم قوله : " وقال لزيد : أنت أخونا ، يعني في الإيمان ، ومولانا يعني من جهة أنه أعتقه ، وهو المولى الأسفل ، وقد طيب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم خواطر الجميع لكل أحد بما يناسبه ، قوله : " وقال علي رضي الله تعالى عنه ، هو موصول بالإسناد المذكور أولا ، قوله : " إنها " أي : بنت حمزة ابنة أخي من الرضاعة ، وذلك أن ثويبة بضم الثاء المثلثة ، وفتح الواو ، وسكون الياء آخر الحروف ، وفتح الباء الموحدة ، مولاة أبي لهب أرضعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، وحمزة رضي الله تعالى عنه ، وقال الذهبي في تجريد الصحابة : إن ثويبة أسلمت .




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية