الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  3945 205 - حدثني إسحاق ، أخبرنا يعقوب ، حدثني ابن أخي ابن شهاب عن عمه ، أخبرني عروة بن الزبير : أنه سمع مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة يخبران خبرا من خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمرة الحديبية ، فكان فيما أخبرني عروة عنهما : أنه لما كاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم سهيل بن عمرو يوم الحديبية على قضية المدة ، وكان فيما اشترط سهيل بن عمرو أنه قال : لا يأتيك منا أحد وإن كان على دينك إلا رددته إلينا ، وخليت بيننا وبينه ، وأبى سهيل أن يقاضي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا على ذلك ، فكره المؤمنون ذلك وامعضوا ، فتكلموا فيه ، فلما أبى سهيل أن يقاضي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا على ذلك كاتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا جندل بن سهيل يومئذ إلى أبيه سهيل بن عمرو ، ولم يأت رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد من الرجال إلا رده في تلك المدة ، وإن كان مسلما ، وجاءت المؤمنات مهاجرات ، فكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهي عاتق ، فجاء أهلها يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرجعها إليهم ، حتى أنزل الله تعالى : في المؤمنات ما أنزل .

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  قال ابن شهاب : وأخبرني عروة بن الزبير أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمتحن من هاجر من المؤمنات بهذه الآية : يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك وعن عمه قال : بلغنا حين أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يرد إلى المشركين ما أنفقوا على من هاجر من أزواجهم ، وبلغنا أن أبا بصير ، فذكره بطوله .

                                                                                                                                                                                  هذا طريق آخر في الحديث المذكور ، وإسحاق هو ابن راهويه ، ويعقوب هو ابن إبراهيم بن سعد ، وابن أخي ابن شهاب اسمه محمد بن عبد الله بن مسلم بن شهاب ، وعمه محمد بن مسلم بن شهاب الزهري .

                                                                                                                                                                                  قوله : " على قضية المدة " أي المصالحة في المدة المعينة ، قوله : " أن يقاضي " أي يصالح ويحاكم ، قوله : " وامعضوا " بتشديد الميم وفتح العين المهملة وضم الضاد المعجمة ، وأصله انمعضوا بالنون قبل الميم ، فأدغمت النون في الميم ، وفي رواية الكشميهني : امتعضوا بالتاء المثناة من الامتعاض .

                                                                                                                                                                                  [ ص: 227 ] يقال : انمعض من شيء سمعه ، وامتعض إذا غضب وشق عليه ، وفي المطالع للأصيلي والهمداني : امتعظوا بمعنى كرهوا ، وهو غير صحيح في الخط والهجاء ، وإنما يصح امتعضوا بضاد غير مشالة ، كما عند أبي ذر وعبدوس بمعنى كرهوا وأنفوا ، ووقع عند القابسي امعظوا بتشديد الميم وظاء معجمة ، وعند بعضهم : اتغظوا من الغيظ ، وعند بعضهم عن النسفي ، وانغضوا بغين معجمة وضاد معجمة غير مشالة من الإنغاض ، وهو الاضطراب ، قال : وكل هذه الروايات إحالات وتعبيرات ، ولا وجه لشيء من ذلك إلا امتعضوا ، قوله : " مهاجرات " حال من المؤمنات ، قوله : " أم كلثوم بنت عقبة " بضم العين وسكون القاف ابن أبي معيط ، واسمه أبان بن أبي عمرو ، واسم أبي عمرو ذكوان بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف ، وقال أبو عمر : أسلمت أم كلثوم بمكة قبل أن تأخذ النساء في الهجرة إلى المدينة ، ثم هاجرت وبايعت ، فهي من المهاجرات المبايعات ، وقيل : هي أول من هاجر من النساء ، وكانت هجرتها سنة سبع في الهدنة التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين المشركين من قريش ، وقال ابن إسحاق : هاجرت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط في هدنة الحديبية ، فخرج أخواها عمارة والوليد ابنا عقبة ، حتى قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألانه أن يردها عليهما بالعهد الذي كان بينه وبين قريش في الحديبية فلم يفعل ، وقال : أبى الله ذلك ، قال أبو عمر : يقولون : إنها مشت على قدميها من مكة إلى المدينة ، فلما قدمت المدينة تزوجها زيد بن حارثة ، فقتل عنها يوم مؤتة ، فتزوجها الزبير بن العوام ، فولدت له زينب ، ثم طلقها ، فتزوجها عبد الرحمن بن عوف ، فولدت له إبراهيم وعوفا ، ومات عنها ، فتزوجها عمرو بن العاص ، فمكثت عنده شهرا وماتت ، وهي أخت عثمان لأمه ، وأمها أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف ، قوله : " وهي عاتق " أي شابة ، وقيل : من أشرفت على البلوغ ، وقيل : من لم تتزوج .

                                                                                                                                                                                  قوله : " قال ابن شهاب : وأخبرني عروة " هو موصول بالإسناد المذكور ، وقد وصله الإسماعيلي ، عن أبي يعلى ، عن أبي خيثمة ، عن يعقوب بن إبراهيم به ، قوله : " كان يمتحن " من الامتحان ، وهو الابتلاء ، أي كان يمتحنهن بالحلف والنظر في الأمارات ; ليغلب على ظنه صدق إيمانهن ، وعن ابن عباس : معنى امتحانهن أن يستحلفن ما خرجن من بغض زوج وما خرجن رغبة عن أرض إلى أرض ، وما خرجن التماس دنيا ، وما خرجن إلا حبا لله ورسوله ، قوله : " بهذه الآية " ، وهي قوله تعالى : يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن الآية ، وسبب نزول هذه الآية ما ذكره المفسرون أن الله تعالى لما نصر رسوله وفتح مكة وفرغ من بيعة الرجال جاءت النساء يبايعنه ، فنزلت هذه الآية وهو على الصفا وعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أسفل منه ، وهو يبايع النساء بأمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، ويبلغهن عنه .

                                                                                                                                                                                  قوله : " وعن عمه " هو عطف على قوله : " حدثني ابن أخي ابن شهاب عن عمه " ، وهو موصول بالإسناد المذكور ، قوله : قال : بلغنا " إلى آخره مرسل ، وهو موصول من رواية معمر ، قوله : " ما أنفقوا " أي أمر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم برد ما أنفق المشركون على نسائهم المهاجرات إليهم ، وقال أبو زيد من أصحابنا الحنفية هو عند أهل العلم مخصوص بنساء أهل العهد والصلح ، وكان الامتحان أن تستحلف المهاجرة : أنها ما خرجت ناشزة ولا هاجرت إلا لله ولرسوله ، فإذا حلفت لم ترد ورد صداقها إلى بعلها ، وإن كانت من غير أهل العهد لم تستحلف ، ولم يرد صداقها ، قوله : " وبلغنا أن أبا بصير ... فذكره مطولا " أشار به إلى ما مضى من قصة أبي بصير في كتاب الشروط مطولا ، واختصره هاهنا ، وأبو بصير بفتح الباء الموحدة ، وكسر الصاد المهملة ، وقد اختلف في اسمه ونسبه ، وقد مر الكلام فيه في كتاب الشروط .




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية