الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  1815 24 - (حدثنا مسلم بن إبراهيم قال: حدثنا هشام قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين إلا أن يكون رجل كان يصوم صومه فليصم ذلك اليوم).

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  مطابقته للترجمة من حيث إنها مأخوذة منه، ورجاله مروا غير مرة، وهشام هو الدستوائي.

                                                                                                                                                                                  وأخرجه مسلم في الصوم أيضا من حديث علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين إلا رجل كان يصوم صوما فليصمه"، وأخرجه أبو داود فيه عن مسلم بن إبراهيم، شيخ البخاري، قال: أخبرنا هشام عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا يتقدمن أحدكم صوم رمضان بيوم ولا يومين إلا أن يكون رجل كان يصوم صوما فليصم ذلك اليوم"، وأخرجه الترمذي فيه، حدثنا أبو كريب، حدثنا عبدة بن سليمان، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تقدموا الشهر بيوم ولا بيومين إلا أن يوافق ذلك صوما، وكان يصومه أحدكم، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته "، الحديث، وقال: حديث حسن صحيح، وأخرجه النسائي فيه، قال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا الوليد عن الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: " ألا لا تقدموا قبل الشهر بصيام إلا رجل كان يصوم صياما أتى ذلك اليوم على صيامه"، وأخرجه ابن ماجه، حدثنا هشام بن عمار، قال: حدثنا عبد الحميد بن حبيب والوليد بن مسلم عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة [ ص: 288 ] قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: " لا تقدموا صيام رمضان بيوم ولا بيومين إلا رجل كان يصوم صوما فيصومه"، ولما أخرج الترمذي هذا الحديث قال: وفي الباب عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم (قلت): حديث بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أخرجه النسائي من رواية منصور عن ربعي، عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال.." الحديث، وفي الباب أيضا عن حذيفة عند أبي داود، وعن ابن عباس عند أبي داود والترمذي، وعن عائشة عند أبي داود أيضا عن عمر رضي الله تعالى عنه عند البيهقي، وعن جابر بن خديج عند الدارقطني، وعن ابن مسعود عند الطبراني في (الكبير)، وعن ابن عمر عند مسلم، وعن علي بن أبي طالب عند أحمد والطبراني، وعن طلق بن علي عند الطبراني أيضا، وعن سمرة بن جندب عند الطبراني أيضا، وعن البراء بن عازب عنده أيضا.

                                                                                                                                                                                  قوله: " عن أبي سلمة عن أبي هريرة" ، وعند الإسماعيلي من رواية خالد بن الحارث: حدثني أبو سلمة، حدثني أبو هريرة، وكذا في رواية أبي عوانة من طريق معاوية بن سلام عن يحيى. قوله: " لا يتقدمن أحدكم رمضان" ، في رواية خالد بن الحارث المذكور: " لا تقدموا بين يدي رمضان بصوم"، وفي رواية أحمد عن روح عن هشام: " لا تقدموا قبل رمضان بصوم". قوله: " إلا أن يكون رجل" (يكون) هنا تامة، معناه: إلا أن يوجد رجل يصوم صوما، وفي رواية الكشميهني: "صومه" أي: صومه المعتاد كصوم الورد أو النذر أو الكفارة.

                                                                                                                                                                                  وقال العلماء: معنى الحديث: لا تستقبلوا رمضان بصيام على نية الاختلاط لرمضان تحذيرا مما صنعت النصارى في الزيادة على ما افترض عليهم برأيهم الفاسد فكان صلى الله عليه وسلم يأمر بمخالفة أهل الكتاب، وكان أولا يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، ثم أمر بعد ذلك بمخالفتهم. (فإن قلت): هذا النهي للتحريم أو للتنزيه؟ (قلت): حكى الترمذي عن أهل العلم الكراهة، وكثيرا ما يطلق المتقدمون الكراهة على التحريم، ولا شك أن فيه تفصيلا واختلافا للعلماء، فذهب داود إلى أنه لا يصح صومه أصلا، ولو وافق عادة له، وذهبت طائفة إلى أنه لا يجوز أن يصام آخر يوم من شعبان تطوعا إلا أن يوافق صوما كان يصومه، وأخذوا بظاهر هذا الحديث، روي ذلك عن عمر بن الخطاب، وعلي، وعمار، وحذيفة، وابن مسعود، ومن التابعين: سعيد بن المسيب، والشعبي، والنخعي، والحسن، وابن سيرين، وهو قول الشافعي، وكان ابن عباس وأبو هريرة يأمران بفصل يوم أو يومين، كما استحبوا أن يفصلوا بين صلاة الفريضة والنافلة بكلام أو قيام أو تقدم أو تأخر. وقال عكرمة: من صام يوم الشك فقد عصى الله ورسوله. وأجازت طائفة صومه تطوعا، روي عن عائشة وأسماء، أختها، أنهما كانتا تصومان يوم الشك، وقالت عائشة: لأن أصوم يوما من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوما من رمضان، وهو قول الليث والأوزاعي وأبي حنيفة وأحمد وإسحاق، وذكر ابن المنذر عن عطاء وعمر بن عبد العزيز والحسن: أنه إذا نوى صومه من الليل على أنه من رمضان ثم علم بالهلال أول النهار أو آخره أنه يجزيه، وهو قول الثوري والأوزاعي وأبي حنيفة وأصحابه.

                                                                                                                                                                                  وقيل: الحكمة في هذا النهي التقوى بالفطر لرمضان ليدخل فيه بقوة ونشاط، وقيل: لأن الحكم علق بالرؤية، فمن تقدمه بيوم أو بيومين، فقد حاول الطعن في ذلك الحكم، وإنما اقتصر على يوم أو يومين؛ لأنه الغالب ممن يقصد ذلك، وقالوا: غاية المنع من أول السادس عشر من شعبان؛ لما رواه أصحاب السنن من حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعا " إذا انتصف شعبان فلا تصوموا " وأخرجه ابن حبان وصححه، وقال الروياني من الشافعية: يحرم التقدم بيومين؛ لحديث الباب، ويكره التقدم من نصف شعبان؛ للحديث الآخر، وقال جمهور العلماء: يجوز الصوم تطوعا بعد النصف من شعبان، وقال بعضهم: وضعف الحديث الوارد فيه، وقد قال أحمد وابن معين : إنه منكر، وقد استدل البيهقي بحديث الباب على ضعفه، فقال: الرخصة في ذلك بما هو أصح من حديث العلاء، (قلت): هذا الحديث صححه ابن حبان وابن حزم وابن عبد البر ، ولما رواه الترمذي قال: حديث حسن صحيح، ولفظه: " إذا بقي نصف من شعبان فلا تصوموا"، ولفظ النسائي: " فكفوا عن الصوم"، ولفظ ابن ماجه :" وإذا كان النصف من شعبان فلا صوم حتى يجيء رمضان"، ولفظ ابن حبان: " فأفطروا حتى يجيء رمضان"، وفي رواية له: " لا صوم بعد النصف من شعبان حتى يجيء رمضان"، ولفظ ابن عدي: " إذا انتصف شعبان فأفطروا"، ولفظ البيهقي [ ص: 289 ] : " إذا مضى النصف من شعبان فأمسكوا عن الصيام حتى يدخل رمضان".

                                                                                                                                                                                  والعلاء بن عبد الرحمن احتج به مسلم وابن حبان وغيرهما ممن التزم الصحة، ووثقه النسائي، وروى عنه مالك والأئمة، ورواه عن العلاء جماعة: عبد العزيز الدراوردي، وأبو العميس، وروح بن عبادة، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وزهير بن محمد، وموسى بن عبيدة الربذي، وعبد الرحمن بن إبراهيم القاري المديني. وقد جمع بين الحديثين بأن حديث العلاء محمول على من يضعفه الصوم، وحديث الباب مخصوص بمن يحتاط بزعمه لرمضان، وقيل: كان أبو هريرة يصوم في النصف الثاني من شعبان، فقال: من يقول العبرة بما رأى أن فعله هو المعتبر، وقيل: فعله يدل على أن ما رواه منسوخ.

                                                                                                                                                                                  وقد روى الطحاوي ما يقوي قول من ذهب إلى أن الصوم فيما بعد انتصاف شعبان جائز غير مكروه، بما رواه من حديث ثابت عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أفضل الصيام بعد رمضان شعبان "، وبما رواه من حديث عمران بن حصين: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل: هل صمت من سرر شعبان؟ قال: لا، قال: فإذا أفطرت من رمضان فصم يومين" (قلت): أما حديث ثابت عن أنس فضعيف؛ لأن في سنده صدقة بن موسى، وفيه مقال، فقال يحيى: ليس حديثه بشيء، وضعفه النسائي وأبو داود. وأما حديث عمران بن حصين فأخرجه الشيخان وأبو داود، قوله: " سرر شعبان" ؛ السرر بفتح السين المهملة والراء: ليلة يستسر الهلال، يقال: سرار الشهر وسراره، بالكسر والفتح، وسرره. واختلفوا فيه، فقيل: أوله، وقيل: وسطه، وقيل: آخره، وهو المراد هنا، كذا قاله الهروي والخطابي عن الأوزاعي.




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية