الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  1701 370 - (حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا غندر قال: حدثنا شعبة، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم بالبطحاء وهو منيخ فقال: أحججت؟ قلت: نعم، قال: بم أهللت؟ قلت: لبيك بإهلال كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم. قال: أحسنت! طف بالبيت وبالصفا والمروة ثم أحل، فطفت بالبيت وبالصفا والمروة، ثم أتيت امرأة من قيس ففلت رأسي، ثم أهللت بالحج فكنت أفتي به حتى كان في خلافة عمر فقال: إن أخذنا بكتاب الله فإنه يأمرنا بالتمام، وإن أخذنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لم يحل حتى يبلغ الهدي محله).

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  مطابقته للترجمة في قوله: (طف بالبيت وبالصفا والمروة ثم أحل)، فإنه يخبر أن المعتمر يحل بعد الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، والحديث مضى في باب من أهل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم فإنه أخرجه هناك عن محمد بن يوسف، عن سفيان، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن أبي موسى، وهنا أخرجه عن محمد بن بشار، عن غندر، وهو محمد بن جعفر البصري.. إلى آخره، وقد مر الكلام فيه هناك مستقصى.

                                                                                                                                                                                  قوله: (منيخ)؛ أي: راحلته، وهو كناية عن النزول بها. قوله: (أحججت) الهمزة فيه للاستفهام؛ أي: هل أحرمت بالحج أو نويت الحج. قوله: (ففلت رأسي)؛ أي: ففتشت رأسي واستخرجت منه القمل، وهو على وزن رمت، وأصله: فليت، قلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ثم حذفت لالتقاء الساكنين فصار "فلت" على وزن "فعت"؛ لأن المحذوف منه لام الفعل، وذلك كما فعل في "رمت" ونحوه من معتل اللام.

                                                                                                                                                                                  قوله: (يأمرنا بالتمام)، وفي رواية الكشميهني: " يأمر". قوله: (حتى يبلغ)، وفي رواية الكشميهني: " حتى بلغ" بلفظ الماضي.

                                                                                                                                                                                  واحتج الطبري بهذا الحديث على أن من زعم أن المعتمر يحل من عمرته إذا أكمل عمرته ثم جامع قبل أن يحلق أنه مفسد لعمرته، فقال: ألا ترى قوله صلى الله عليه وسلم لأبي موسى: " طف بالبيت وبين الصفا والمروة ثم أحل"، ولم يقل: طف بالبيت وبين الصفا والمروة، وقصر من شعرك أو احلق ثم أحل، فتبين بذلك أن الحلق والتقصير ليسا من النسك، وإنما هما من معاني الإحلال كما أن لبس الثياب والطيب بعد طواف المعتمر بالبيت وسعيه من معاني إحلاله، فتبين فساد قول من زعم [ ص: 130 ] أن المعتمر إذا جامع قبل الحلق بعد طوافه وسعيه أنه مفسد عمرته وهو قول الشافعي، وقال ابن المنذر: ولا أحفظ ذلك عن غيره، وقال مالك والثوري والكوفيون: عليه الهدي. وقال عطاء: يستغفر الله ولا شيء عليه. وقال الطبري: وفي حديث أبي موسى بيان فساد من قال: إن المعتمر إن خرج من الحرم قبل أن يقصر أن عليه دما وإن كان طاف وسعى قبل خروجه منه، وفيه أيضا أنه صلى الله عليه وسلم إنما أذن لأبي موسى بالإحلال من عمرته بعد الطواف والسعي، فبان بذلك أن من حل منها قبل ذلك فقد أخطأ وخالف السنة، واتضح به فساد قول من زعم أن المعتمر إذا دخل الحرم فقد حل، وله أن يلبس ويتطيب ويعمل ما يعمله الحلال، وهو قول ابن عمر وابن المسيب، وعروة، والحسن، واختلف العلماء إذا وطئ المعتمر بعد طوافه وقبل سعيه، فقال مالك، والشافعي، وأحمد، وأبو ثور: عليه الهدي وعمرة أخرى مكانها، ويتم عمرته التي أفسدها، قال صاحب التوضيح: ووافقهم أبو حنيفة إذا جامع بعد أربعة أشواط بالبيت أنه يقضي ما بقي من عمرته وعليه دم، ولا شيء عليه، وهذا الحكم لا دليل عليه إلا الدعوى، قلت.....




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية