الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                    ومن ذلك : أن الناس - قديما وحديثا - لم يزالوا يعتمدون على قول الصبيان المرسل معهم الهدايا ، وأنها مبعوثة إليهم ، فيقبلون أقوالهم ، ويأكلون الطعام المرسل به ، ويلبسون الثياب ، ولو كانت أمة لم يمتنعوا من وطئها ، ولم يسألوا إقامة البينة على ذلك ; اكتفاء بالقرائن الظاهرة .

                    ومن ذلك : أن الضيف يشرب من كوز صاحب البيت ، ويتكئ على وساده ، ويقضي حاجته في مرحاضه من غير استئذان باللفظ له ، ولا يعد بذلك متصرفا في ملكه بغير إذنه .

                    ومن ذلك : أنه يطرق عليه بابه ، ويضرب حلقته بغير استئذانه ، اعتمادا على القرينة العرفية ومن ذلك : أخذ ما يسقط من الإنسان مما لا تتبعه همته ، كالسوط والعصا والفلس والتمرة .

                    ومن ذلك : أخذ ما يبقى في القراح والحائط من الأمتعة والثمار بعد تخلية أهله له وتسييبه ومن ذلك : أخذ ما يسقط من الحب عند الحصاد ، ويسمى اللقاط ، ومن ذلك : أخذ ما ينبذه الناس رغبة عنه من الطعام والخرق والخزف ونحوه .

                    ومن ذلك : قول أهل المدينة - وهو الصواب - أنه لا يقبل قول المرأة : إن زوجها لم يكن ينفق عليها ولا يكسوها فيما مضى من الزمان ; لتكذيب القرائن الظاهرة لها .

                    وقولها في ذلك هو الحق الذي ندين الله به ، ولا نعتقد سواه ، والعلم الحاصل بإنفاق الزوج وكسوته في الزمن الماضي اعتمادا على [ ص: 21 ] الأمارات الظاهرة أقوى من الظن الحاصل باستصحاب الأصل وبقاء ذلك في ذمته بأضعاف مضاعفة .

                    فكيف يقدم هذا الظن الضعيف على ذلك العلم الذي يكاد يبلغ القطع ؟ فإن هذه الزوجة لم يكن ينزل عليها رزقها من السماء ، كما كان ينزل على مريم بنت عمران ، ولم تكن تشاهد تخرج من منزلها تأتي بطعام وشراب ، والزوج يشاهد في كل وقت داخلا عليها بالطعام والشراب ، فكيف يقال : " القول قولها " ويقدم ظن الاستصحاب على هذا العلم اليقيني ؟ والله أعلم .

                    ومن ذلك : أن صاحب المنزل إذا قدم الطعام إلى الضيف ووضعه بين يديه ، جاز له الإقدام على الأكل ، وإن لم يأذن له لفظا ، اعتبارا بدلالة الحال الجارية مجرى القطع ومن ذلك : { إذن النبي صلى الله عليه وسلم للمار بثمر الغير . أن يأكل من ثمره ولا يحمل } اكتفاء بشاهد الحال ، حيث لم يجعل عليه حائطا ولا ناطورا .

                    ومن ذلك : جواز قضاء الحاجة في الأقرحة والمزارع التي على الطرقات بحيث لا ينقطع منها المارة . وكذلك الصلاة فيها ، ولا يكون ذلك غصبا لها ولا تصرفا ممنوعا .

                    ومن ذلك : الشرب من المصانع الموضوعة على الطرقات ، وإن لم يعلم الشارب إذن أربابها في ذلك لفظا اعتمادا على دلالة الحال ، ولكن لا يتوضأ منها ، لأن العرف لا يقتضيه ، ودلالة الحال لا تدل عليه ، إلا أن يكون هناك شاهد حال يقتضي ذلك فلا بأس بالوضوء حينئذ .

                    ومن ذلك : القضاء بالأجرة للغسال والخباز والطباخ والدقاق وصاحب الحمام والقيم ، وإن لم يعقد معه عقدة إجارة ، اكتفاء بشاهد الحال ودلالته .

                    ولو استوفى هذه المنافع ولم يعطهم الأجرة لعد ظالما غاصبا ، مرتكبا لما هو من القبائح المنكرة .

                    ومن ذلك : انعقاد التبايع في سائر الأعصار والأمصار بمجرد المعاطاة ، من غير لفظ ، اكتفاء بالقرائن والأمارات الدالة على التراضي ، الذي هو شرط في صحة البيع .

                    التالي السابق


                    الخدمات العلمية