الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 352 ] ( ويكره النساء وحدهن الجماعة ) لأنها لا تخلو عن ارتكاب محرم ، وهو قيام الإمام وسط الصف فيكره كالعراة [ ص: 353 ] ( فإن فعلن قامت الإمام وسطهن ) لأن عائشة رضي الله عنها فعلت كذلك ، وحمل فعلها الجماعة على ابتداء الإسلام [ ص: 354 ] ولأن في التقدم زيادة الكشف .

التالي السابق


( قوله لأنها لا تخلو إلخ ) صريح في أن ترك القدم لإمام الرجال محرم ، وكذا صرح الشارح وسماه في الكافي مكروها وهو الحق : أي كراهة تحريم ، لأن مقتضى المواظبة على التقدم منه صلى الله عليه وسلم بلا ترك الوجوب فلعدمه كراهة التحريم فاسم المحرم مجاز ، واستلزم ما ذكر أن جماعة النساء تكره كراهة تحريم لأن ملزوم متعلق الحكم : أعني الفعل المعين ملزوم لذلك الحكم ، ثم شبهها بجماعة العراة فاقتضى أنها أيضا تكره كذلك لاتحاد اللازم . وهو أحد الأمور : إما ترك واجب التقدم ، وإما زيادة الكشف الذي هو أفحش من كشف المرأة إذا تقدمت وهي لابسة ثوبا محشوا من قرنها إلى قدمها فإن الكراهة ثابتة في حقها أيضا ، ولا كشف عورة فكيف بالعاري المتعرض للنظر أو زيادة كشف عورة يقدر على ستر بعضها ، ثم ثبوت كراهة تقدمها وهي بهذا الستر المذكور إنما يتم الاستدلال عليه بفعل عائشة فقط لما أتت ، فإنها ما تركت واجب التقدم إلا لأمر هو أوجب منه ، والله أعلم ما هو ، ألذلك القدر من الانكشاف الملازم لشخوصها عنهن ، أو هو لنفس شخوصها عنهن شبيهة بالرجال أو لغير ذلك . واعلم أن جماعتهن لا تكره في صلاة الجنازة لأنها فريضة ، وترك التقدم مكروه فدار الأمر بين فعل [ ص: 353 ] المكروه بفعل الفرض أو ترك الفرض لتركه فوجب الأول ، بخلاف جماعتهن في غيرها ولو صلين فرادى فقد تسبق إحداهن فتكون صلاة الباقيات نفلا والتنفل بها مكروه فيكون فراغ تلك موجبا لفساد الفرضية للصلاة الباقيات كتقييد الخامسة بالسجدة لمن ترك القعدة الأخيرة ( قوله فإن فعلن قامت الإمام وسطهن ) لأن ترك التقدم أسهل من زيادة الكشف ولا بد من أحدهما ، ولو تقدمت صح ، ومقتضى ما علم من التقرير أن تأثم به ( قوله وحمل فعلها على ابتداء الإسلام ) وهكذا في المبسوط ، قال السروجي فيه بعد : { فإنه صلى الله عليه وسلم أقام بمكة بعد النبوة ثلاث عشرة سنة } كما رواه البخاري ومسلم ، { ثم تزوج عائشة رضي الله عنها ، وبنى بها بالمدينة وهي بنت تسع سنين ، وبقيت عنده تسع سنين } وما تؤم إلا بعد بلوغها ، فأين ذلك من ابتداء الإسلام ، لكن يمكن أن يقال إنه منسوخ ، فعلته حين كان النساء يحضرن الجماعة انتهى . وفي نقل التزوج بها بعض خلل : يعني يحمل قوله ابتداء الإسلام على أنه منسوخ ، لكن ما في المستدرك أنها كانت تؤذن وتقيم وتؤم النساء فتقوم وسطهن ، وما في كتاب الآثار لمحمد : أخبرنا أبو حنيفة عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي أن عائشة رضي الله عنها كانت تؤم النساء في شهر رمضان فتقوم وسطهن ، ومعلوم أن جماعة التراويح إنما استقرت بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، وما في أبي داود عن أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث بن عمير الأنصارية { أن النبي صلى الله عليه وسلم لما غزا بدرا قالت له : يا رسول الله ائذن لي في الغزاة معك أمرض مرضاكم ، ثم لعل الله يرزقني شهادة قال : قري في بيتك فإن الله يرزقك الشهادة ، قال : فكانت تسمى الشهيدة ، وكانت قد قرأت القرآن فاستأذنت النبي صلى الله عليه وسلم أن تتخذ في دارها مؤذنا يؤذن لها ، قال : وكانت دبرت غلاما لها وجارية فقاما إليها بالليل فغماها بقطيفة لها حتى ماتت وذهبا ، فأصبح عمر فقام في الناس فقال : من عنده من هذين علم أو من [ ص: 354 ] رآهما فليجئ بهما ، فأمر بهما فصلبا فكانا أول مصلوبين بالمدينة } . ثم أخرجه عن الوليد بن جميع عن عبد الرحمن بن خلاد عنها . وفيه : { وكان صلى الله عليه وسلم يزورها وجعل لها مؤذنا وأمرها أن تؤم أهل دارها } . قال عبد الرحمن : فأنا رأيت مؤذنها شيخا كبيرا ، كلها ينفي ثبوت النسخ . وفي الحديث الأخير الوليد بن جميع وعبد الرحمن بن خالد الأنصاري ، قال فيهما ابن القطان : لا يعرف حالهما انتهى . وقد ذكرهما ابن حبان في الثقات ، وقد يجاب بجواز كونه إخبارا عن مواظبة كانت قبل النسخ . وقوله كانت تؤم في شهر رمضان لا يستلزم التراويح . وقوله جعل له مؤذنا وأمرها أن تؤم لا يستلزم استمرار إمامتها إلى وفاته صلى الله عليه وسلم . وما رواه عبد الرزاق عن إبراهيم بن محمد عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : تؤم المرأة النساء تقوم وسطهن : لا يقتضي علم ابن عباس ببقاء شرعيتها لجواز كون المراد إفادة مقامها بتقدير ارتكابها ذلك أو خفي على ابن عباس الناسخ ، ولكن يبقى الكلام بعد هذا في تعيين الناسخ ، إذ لا بد في ادعاء النسخ منه ، ولم يتحقق في النسخ إلا ما ذكر بعضهم من إمكان كونه ما في أبي داود وصحيح ابن خزيمة { صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها ، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها } يعني الخزانة التي تكون في البيت . وروى ابن خزيمة عنه صلى الله عليه وسلم { إن أحب صلاة المرأة إلى الله في أشد مكان في بيتها ظلمة } وفي حديث له ولابن حبان { هو أقرب ما تكون من وجه ربها وهي في قعر بيتها } ومعلوم أن المخدع لا يسع الجماعة ، وكذا قعر بيتها وأشده ظلمة . ولا يخفى ما فيه ، وبتقدير التسليم فإنما يفيد نسخ السنية ، وهو لا يستلزم ثبوت كراهة التحريم في الفعل بل التنزيه ومرجعها إلى خلاف الأولى ، ولا علينا أن نذهب إلى ذلك فإن المقصود اتباع الحق حيث كان




الخدمات العلمية