الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  صحيح البخاري 1792 وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ عمدة القاري هَذَا أَيْضًا مِنَ التَّرْجَمَةِ، وَ"قَوْلِ" مَجْرُورٌ؛ لِأَنَّهُ عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ: " وُجُوبِ الصَّوْمِ"، وَأَشَارَ بِإِيرَادِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ إِلَى أُمُورٍ تَتَضَمَّنُ هَذِهِ الْآيَةَ، وَهِيَ فَرْضِيَّةُ صَوْمِ رَمَضَانَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ وَأَنَّهُ كَانَ فَرْضًا مَنْ قَبْلِنَا مِنَ الْأُمَمِ، وَأَنَّ الصَّوْمَ وَصْلَةٌ إِلَى التُّقَى؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْبِرِّ الَّذِي يَكُفُّ الْإِنْسَانَ عَنْ كَثِيرٍ مِمَّا تَطَّلِعُ لَهُ النَّفْسُ مِنَ الْمَعَاصِي. وَفِيهِ تَزْكِيَةٌ لِلْبَدَنِ، وَتَضْيِيقٌ لِمَسَالِكِ الشَّيْطَانِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: " يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ". ثُمَّ إِنَّهُمْ تَكَلَّمُوا فِي هَذَا التَّشْبِيهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ فَقِيلَ: إِنَّهُ تَشْبِيهٌ فِي أَصْلِ الْوُجُوبِ لَا فِي قَدْرِ الْوَاجِبِ، وَكَانَ الصَّوْمُ عَلَى آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَيَّامَ الْبِيضِ، وَصَوْمُ عَاشُورَاءَ عَلَى قَوْمِ مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَكَانَ عَلَى كُلِّ أُمَّةٍ صَوْمٌ، وَالتَّشْبِيهُ لَا يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ كَمَا فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ"، وَهَذَا تَشْبِيهُ الرُّؤْيَةِ بِالرُّؤْيَةِ لَا تَشْبِيهُ الْمَرْئِيِّ بِالْمَرْئِيِّ، وَقِيلَ: هَذَا التَّشْبِيهُ فِي الْأَصْلِ وَالْقَدْرِ وَالْوَقْتِ جَمِيعًا، وَكَانَ عَلَى الْأَوَّلِينَ صَوْمُ رَمَضَانَ، لَكِنَّهُمْ زَادُوا فِي الْعَدَدِ، وَنَقَلُوا مِنْ أَيَّامِ الْحَرِّ إِلَى أَيَّامِ الِاعْتِدَالِ. وَعَنِ الشَّعْبِيِّ: إِنَّ النَّصَارَى فُرِضَ عَلَيْهِمْ شَهْرُ رَمَضَانَ كَمَا فُرِضَ عَلَيْنَا، فَحَوَّلُوهُ إِلَى الْفَصْلِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ رُبَّمَا صَامُوهُ فِي الْقَيْظِ، فَعَدُّوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا، ثُمَّ جَاءَ بِعْدَهُمْ قَرْنٌ مِنْهُمْ فَأَخَذُوا بِالثِّقَةِ فِي أَنْفُسِهِمْ، فَصَامُوا قَبْلَ الثَّلَاثِينَ يَوْمًا وَبَعْدَهَا، ثُمَّ لَمْ يَزَلِ الْآخِرُ يَسْتَنُّ بِسُنَّةِ الْقَرْنِ الَّذِي قَبْلَهُ حَتَّى صَارَتْ إِلَى خَمْسِينَ. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ التَّشْبِيهُ إِنَّمَا هُوَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ صَوْمَهُمْ كَانَ مِنَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ إِلَى الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ، وَكَانَ ذَلِكَ فُرِضَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي أَوَّلِ مَا افْتُرِضَ عَلَيْهِمُ الصَّوْمُ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: النَّصَارَى كُتِبَ عَلَيْهِمْ رَمَضَانُ، وَكُتِبَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَأْكُلُوا وَلَا يَشْرَبُوا بَعْدَ النَّوْمِ، وَلَا يَنْكِحُوا النِّسَاءَ شَهْرَ رَمَضَانَ، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى النَّصَارَى، وَجَعَلَ يَتَقَلَّبُ عَلَيْهِمْ فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ اجْتَمَعُوا فَجَعَلُوا صِيَامًا فِي الْفَصْلِ بَيْنَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ، وَقَالُوا: نَزِيدُ عِشْرِينَ يَوْمًا نُكَفِّرُ بِهَا مَا صَنَعْنَا، فَجَعَلُوا صِيَامَهُمْ خَمْسِينَ يَوْمًا، فَلَمْ يَزَلِ الْمُسْلِمُونَ عَلَى ذَلِكَ يَصْنَعُونَ كَمَا تَصْنَعُ النَّصَارَى، حَتَّى كَانَ مِنْ أَمْرِ أَبِي قَيْسِ بْنِ صِرْمَةَ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا مَا كَانَ، فَأَحَلَّ اللَّهُ لَهُمُ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ وَالْجِمَاعَ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ. وَفِي تَفْسِيرِ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: وَاللَّهِ، لَقَدْ كُتِبَ الصِّيَامُ عَلَى كُلِّ أُمَّةٍ خَلَتْ كَمَا كَتَبَهُ عَلَيْنَا شَهْرًا كَامِلًا، وَفِي تَفْسِيرِ الْقُرْطُبِيِّ عَنْ قَتَادَةَ: كَتَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى قَوْمِ مُوسَى، وَعِيسَى عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ صِيَامَ رَمَضَانَ فَغَيَّرُوا، وَزَادَ أَحْبَارُهُمْ عَشَرَةَ أَيَّامٍ أُخْرَى، ثُمَّ مَرِضَ بَعْضُ أَحْبَارِهِمْ، فَنَذَرَ إِنْ شُفِيَ أَنْ يَزِيدَ فِي صَوْمِهِمْ عَشَرَةَ أَيَّامٍ أُخْرَى فَفَعَلَ، فَصَارَ صَوْمُ النَّصَارَى خَمْسِينَ يَوْمًا، فَصَعُبَ عَلَيْهِمْ فِي الْحَرِّ، فَنَقَلُوهُ إِلَى الرَّبِيعِ قَالَ: وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ النَّحَّاسُ وَأَسْنَدَ فِيهِ حَدِيثًا يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهِ. (فَإِنْ قُلْتَ): لَمْ يُعْلَمْ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ إِلَّا أَصْلُ فَرْضِيَّةِ الصَّوْمِ، وَلَمْ يُعْلَمِ الْعَدَدُ، وَلَا كَوْنُهُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، (قُلْتُ): لَمَّا عُلِمَ فِيهَا أَصْلُ الْفَرْضِ نَزَلَ قَوْلُهُ: أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْفَرْضَ أَيَّامٌ مَعْدُودَاتٌ، وَلَمَّا نَزَلَ: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ عُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ الْعَدَدَ هُوَ ثَلَاثُونَ يَوْمًا؛ لِأَنَّهُ فُرِضَ فِي رَمَضَانَ، وَالشَّهْرُ ثَلَاثُونَ يَوْمًا، وَإِنْ نَقَصَ فَحُكْمُهُ حُكْمُهُ، وَعَنْ هَذَا قَالُوا: إِنَّ الشَّهْرَ مَرْفُوعٌ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ: الصِّيَامُ فِي قَوْلِهِ: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ وَقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلَى: صُومُوا شَهْرَ رَمَضَانَ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ: أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَانْتِصَابُ "أَيَّامًا" عَلَى الظَّرْفِيَّةِ؛ أَيْ: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ، وَبَيَّنَهَا بِقَوْلِهِ: شَهْرُ رَمَضَانَ (فَإِنْ قُلْتَ): مَا الْحِكْمَةُ فِي التَّنْصِيصِ عَلَى الثَّلَاثِينَ الَّتِي هِيَ الشَّهْرُ الْكَامِلُ؟ (قُلْتُ): قَالُوا: لَمَّا أَكَلَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي نُهِيَ عَنْهَا، بَقِيَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي جَوْفِهِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، فَلَمَّا تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَمَرَهُ بِصِيَامِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا بِلَيَالِيهِنَّ، ذَكَرَهُ فِي خُلَاصَةِ الْبَيَانِ فِي تَلْخِيصِ مَعَانِي الْقُرْآنِ.

                                                                                                                                                                                  ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية