الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  صحيح البخاري 1645 " وَقَالَ لَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ طَافَ طَوَافًا وَاحِدًا، ثُمَّ يَقِيلُ ثُمَّ يَأْتِي مِنًى يَعْنِي يَوْمَ النَّحْرِ، وَرَفَعَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ" عمدة القاري مُطَابَقَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ فِي قَوْلِهِ: " ثُمَّ يَأْتِي مِنًى يَوْمَ النَّحْرِ" وَمُقْتَضَاهُ أَنْ يَكُونَ خَرَجَ مِنْهَا إِلَى مَكَّةَ لِأَجْلِ الطَّوَافِ قَبْلَ ذَلِكَ، وَأَبُو نُعَيْمٍ هُوَ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، وَدُكَيْنٌ لَقَبُ عَمْرِو بْنِ حَمَّادٍ وَالِدِ الْفَضْلِ الْقُرَشِيِّ التَّيْمِيِّ الْكُوفِيِّ الْأَحْوَلِ، وَسُفْيَانُ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الْعُمَرِيُّ. قَوْلُهُ: " وَرَفَعَهُ قَالَ" ؛ أَيْ أَبُو نُعَيْمٍ، رَفَعَ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَوَصَلَ التَّعْلِيقَ الْمَذْكُورَ مُسْلِمٌ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفَاضَ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ رَجَعَ فَصَلَّى الظُّهْرَ بِمِنًى، وَيَذْكُرُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَهُ ، وَهَذَا صَرِيحٌ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الظَّهْرَ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى، وَفِي الصَّحِيحِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ : فَصَلَّى يَوْمَ النَّحْرِ بِمَكَّةَ الظُّهْرَ . قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: وَكَذَا قَالَتْهُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا، قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَهَذَا هُوَ الْفَصْلُ الَّذِي أَشْكَلَ عَلَيْنَا الْفَصْلُ فِيهِ لِصِحَّةِ الطُّرُقِ فِي كُلِّ ذَلِكَ، وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ أَحَدَ الْخَبَرَيْنِ وَهْمٌ، وَلَا نَدْرِي أَيُّهَمَا هُوَ؟ انْتَهَى. (قُلْتُ): الْأَحَادِيثُ كُلُّهَا صَحِيحَةٌ وَلَا شَيْءَ مِنْ وَهْمٍ فِي ذَلِكَ أَصْلًا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ رُجُوعَهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مِنًى فِي وَقْتِ الظُّهْرِ مُمْكِنٌ، لِأَنَّ النَّهَارَ كَانَ طَوِيلًا، وَإِنْ كَانَ قَدْ صَدَرَ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَدْرِ هَذَا النَّهَارِ، وَأَحَادِيثُ عَائِشَةَ لَيْسَتْ نَاصَّةً أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الظُّهْرَ بِمَكَّةَ، بَلْ مُحْتَمَلَةٌ إِنْ كَانَ الْمَحْفُوظُ فِي الرِّوَايَةِ: "حَتَّى صَلَّى الظُّهْرَ"، وَإِنْ كَانَتِ الرِّوَايَةُ: "حِينَ صَلَّى الظُّهْرَ" وَهُوَ الْأَشْبَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الظُّهْرَ بِمِنًى قَبْلَ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى الْبَيْتِ وَهُوَ مُحْتَمَلٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ مُحِبُّ الدِّينِ الطَّبَرِيُّ: الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ كُلِّهَا مُمْكِنٌ؛ إِذْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ صَلَّى مُنْفَرِدًا فِي أَحَدِ الْمَوْضِعَيْنِ، ثُمَّ مَعَ جَمَاعَةٍ فِي الْآخَرِ، أَوْ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ بِمِنًى ثُمَّ أَفَاضَ فَوَجَدَ قَوْمًا لَمْ يُصَلُّوا فَصَلَّى بِهِمْ، ثُمَّ لَمَّا رَجَعَ إِلَى مِنًى وَجَدَ قَوْمًا آخَرِينَ فَصَلَّى بِهِمْ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَتَقَدَّمُهُ أَحَدٌ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ كَرَّرَ الصَّلَاةَ بِمَكَّةَ وَمِنًى لِيَتَبَيَّنَ جَوَازُ الْأَمْرَيْنِ فِي هَذَا الْيَوْمِ تَوْسِعَةً عَلَى الْأُمَّةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَذِنَ فِي الصَّلَاةِ فِي أَحَدِ الْمَوْضِعَيْنِ فَنُسِبَتْ إِلَيْهِ. (فَإِنْ قُلْتَ): كَيْفَ الْجَمْعُ بَيْنَ حَدِيثِ الْبَابِ وَبَيْنَ الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ هَذَا الْيَوْمَ أَرْخَصَ اللَّهُ تَعَالَى لَكُمْ إِذَا رَمَيْتُمُ الْجَمْرَةَ أَنْ تَحِلُّوا؛ يَعْنِي مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَرَّمْتُمْ إِلَّا النِّسَاءَ، فَإِذَا أَمْسَيْتُمْ قَبْلَ أَنْ تَطُوفُوا صِرْتُمْ حَرَمًا كَهَيْئَتِكُمْ قَبْلَ أَنْ تَرْمُوا الْجَمْرَةَ حَتَّى تَطُوفُوا بِهِ . فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ أَخَّرَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ حَتَّى أَمْسَى عَادَ مُحْرِمًا كَمَا كَانَ قَبْلَ رَمْيِ الْجَمْرَةِ يَحْرُمُ عَلَيْهِ لُبْسُ الْمَخِيطِ وَغَيْرِهِ مِنْ مُحْرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ. (قُلْتُ): حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ هَذَا شَاذٌّ أَجْمَعُوا عَلَى تَرْكِ الْعَمَلِ بِهِ، وَقَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ: وَهَذَا حُكْمٌ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ مَنْسُوخٌ، وَالْإِجْمَاعُ، وَإِنْ كَانَ لَا يُنْسَخُ، فَهُوَ يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ نَاسِخٍ وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

                                                                                                                                                                                  ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية