الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                            جزء صفحة
                                                                                                                            نهاية المحتاج شرح المنهاج

                                                                                                                            فصل في صفة الأئمة ومتعلقاتها واعلم أن الإمام تطلب فيه صفات بعضها واجب وبعضها مستحب  ، كما سيأتي أن الواجب أن تكون صلاته صحيحة عند المقتدي مغنية عن القضاء ، وإلا فلا تصح القدوة . وقد شرع في بيان ذلك فقال : ( فصل ) في صفة الأئمة ومتعلقاتها ( لا يصح اقتداؤه بمن يعلم بطلان صلاته   ) كعلمه بكفره أو حدثه لتلاعبه ( أو يعتقده ) أي البطلان بأن يظنه ظنا غالبا وليس المراد به ما اصطلح عليه الأصوليون ، وهو الجازم المطابق لدليل ( كمجتهدين اختلفا في القبلة ) [ ص: 163 ] اجتهادا ولو مع التيامن والتياسر ، وإن اتحدت الجهة ( أو ) في ( إناءين ) كماء طاهر ونجس ، وأدى اجتهاد كل لغير ما أدى إليه اجتهاد صاحبه فصلى كل لجهة ، أو توضأ من إناء فيمتنع على أحدهما أن يقتدي بالآخر لاعتقاده بطلان صلاته ( فإن تعدد الطاهر ) من الآنية كالمثال الآتي ولم يظن من حال غيره شيئا ( فالأصح الصحة ) أي صحة اقتداء بعضهم ببعض ( ما لم يتعين إناء الإمام للنجاسة ) لما يأتي .

                                                                                                                            ( فإن ) ( ظن ) بالاجتهاد ( طهارة إناء غيره ) كإنائه   ( اقتدى به قطعا ) جوازا لعدم تردده أو نجاسته لم يقتد به قطعا كما في حق نفسه ( فلو ) ( اشتبه خمسة ) من الآنية ( فيها ) إناء ( نجس على خمسة ) من الناس واجتهد كل منهم ( فظن كل طهارة إنائه )  والإضافة هنا ليست للملك ، إذ لا يشترط في المجتهد فيه كونه مملوكا له ، وإنما هي للاختصاص ( فتوضأ به ) ولم يظن شيئا من أحوال الأربعة الباقية ( وأم كل منهم ) الباقين ( في صلاة ) من الخمس مبتدئين بالصبح ( ففي الأصح ) السابق فيما قبلها ( يعيدون العشاء ) لتعين النجاسة في إمامها بزعمهم ، وإنما عولوا على التعيين بالزعم هنا مع كون الأمر منوطا بظن المبطل المعين ولم يوجد ، بخلاف المبهم لما مر من صحة الصلاة بالاجتهاد إلى جهات متعددة  ؛ لأنه لما كان الأصل في فعل المكلف صونه عن الإبطال [ ص: 164 ] ما أمكن اضطررنا ؛ لأجل ذلك إلى اعتباره ، وهو يستلزم اعترافه ببطلان صلاة الأخير فكان مؤاخذا به بخلاف ما مر ثم ، فإن كل اجتهاد وقع صحيحا فلزمه أن يعمل بمقتضاه ولا مبالاة بوقوع مبطل غير معين ( إلا إمامها فيعيد المغرب ) لتعين النجاسة في حقه ، ومرادهم بتعين النجاسة عدم احتمال بقاء وجودها في حق غيره . وضابط ذلك أن كلا يعيد ما صلاه مأموما آخر .

                                                                                                                            والوجه الثاني يعيد كل منهم ما صلاه مأموما وهو أربع صلوات ؛ لعدم صحة الاقتداء كما تقدم ، ولو كان في الخمسة نجسان صحت صلاة كل خلف اثنين فقط ، أو النجس منها ثلاثة فبواحد فقط .

                                                                                                                            ويؤخذ مما مر في الضابط أن من تأخر منهم تعين الاقتداء به للبطلان ، ولو كان النجس أربعة [ ص: 165 ] لم يقتد أحد منهم بأحد ، ولو سمع صوت حدث أو شمه بين خمسة وتناكروه ، وأم كل في صلاة  فكما ذكر في الأواني ( و ) شمل قوله يعتقده الاعتقاد الجازم لدليل نشأ عن اجتهاد في الفروع فعليه ( لو ) ( اقتدى شافعي بحنفي ) مثلا ارتكب مبطلا في اعتقادنا أو اعتقاده كأن ( مس فرجه أو افتصد )   ( فالأصح الصحة في الفصد دون المس اعتبارا ) فيهما ( بنية المقتدي ) هو من زيادته على المحرر ، ومراده بالنية الاعتقاد ؛ لأنه محدث عنده بالمس دون الفصد ، وقد صورها صاحب الخواطر السريعة بما إذا نسي الإمام كونه مفتصدا  لتكون نيته جازمة في اعتقاده ، بخلاف ما إذا علمه ؛ لأنه متلاعب عندنا أيضا لعلمنا بعدم جزمه بالنية ، قيل ويرده كلام الأصحاب فإنهم عللوا الوجه القائل باعتبار عقيدة الإمام بأنه يرى أنه متلاعب في الفصد ونحوه فلا تقع منه نية صحيحة ، فالخلاف إنما هو عند علمه حال النية بفصده .

                                                                                                                            ويجاب بأن المراد بالتلاعب في تعليل ما ذكر بالنظر للمأموم دون الإمام ، إذ غاية أمره أنه عالم حال [ ص: 166 ] النية بمبطل عنده ، وعلمه به مؤثر في جزمه عنده لا عندنا ، ومقابل الأصح أن العبرة بعقيدة الإمام لما مر ، ولا يشكل على ما تقرر حكمنا باستعمال مائه وعدم مفارقته عند سجوده ل { ص } .

                                                                                                                            ولا قولهم لو نوى مسافران شافعي وحنفي إقامة أربعة أيام بموضع انقطع بوصولهما سفر الشافعي فقط وجاز له الاقتداء بالحنفي مع اعتقاده بطلان صلاته  ؛ لأن كلامهم هنا في ترك واجب لا يجوزه الشافعي مطلقا بخلافه ثم فإنه يجوز القصر في الجملة ، وسيأتي فيه زيادة في بابه ، وأيضا فالمبطل هنا وفيما لو سجد ل { ص } أو تنحنح عمدا عهد اغتفار نظيره في اعتقاد الشافعي لو وقع من جاهل ، والحنفي مثله فلا ينافي اعتقاد كل جواز ما أقدم عليه فاغتفر له قياسا عليه ، بخلاف الصلاة مع نحو المس فإنه يستوي في ذلك الجاهل وغيره .

                                                                                                                            ولو شك شافعي في إتيان المخالف بالواجبات عند المأموم  لم يؤثر في صحة الاقتداء به تحسينا للظن به [ ص: 167 ] في توقي الخلاف ، ولو ترك الإمام البسملة  لم تصح قدوة الشافعي به ولو كان المقتدى به الإمام الأعظم أو نائبه كما نقلاه عن تصحيح الأكثرين وقطع جماعة وهو المعتمد ، وإن نقلا عن الحليمي والأودني الصحة خلفه واستحسناه . وتعليل الجواز بخوف الفتنة ممنوع ، فقد لا يعلم الإمام بعدم اقتدائه أو مفارقته كأن يكون في الصف الأخير مثلا أو يتابعه في أفعالها من غير ربط وانتظار كثير فينتفي خوف الفتنة .

                                                                                                                            التالي السابق



                                                                                                                            الخدمات العلمية