الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  1193 14 - ( حدثنا علي قال : حدثنا سفيان قال : سمعت الزهري عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد فيلج النار إلا تحلة القسم ) .

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  مطابقته للترجمة قد ذكرناها في الحديثين السابقين ، ورجاله قد ذكروا غير مرة ، وعلي هو ابن المديني، وسفيان هو ابن عيينة والزهري هو محمد بن مسلم .

                                                                                                                                                                                  والحديث أخرجه مسلم في الأدب ، عن أبي بكر بن أبي بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد وزهير بن حرب . وأخرجه النسائي في التفسير ، عن محمد بن عبد الله بن يزيد . وأخرجه ابن ماجه في الجنائز ، عن أبي بكر بن أبي شيبة .

                                                                                                                                                                                  ذكر معناه قوله : " لا يموت لمسلم " قيد الإسلام شرط ; لأنه لا نجاة للكافر بموت أولاده ، وإنما ينجو من النار بالإيمان والسلامة من المعاصي ، وهذه اللفظة فيها عموم تشمل الرجال والنساء بخلاف الرواية الماضية لأبي هريرة ، فإنها مقيدة بالنساء . قوله : " فيلج النار " من الولوج وهو الدخول ، يقال : ولج يلج ولوجا ولجة ، أي دخل ، قال سيبويه : إنما جاء مصدره ولوجا وهو من مصادر غير المتعدي على معنى ولجت فيه وأولجه أدخله ، قال الله تعالى : يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل أي يزيد من هذا في ذلك ومن ذلك في هذا قوله : " إلا تحلة القسم " بفتح التاء المثناة من فوق وكسر الحاء وتشديد اللام ، وهو مصدر حلل اليمين ، أي كفرها يقال : حلل تحليلا وتحلة وتحلا وهو شاذ ، والتاء فيه زائدة ، ومعنى تحلة القسم ما ينحل به القسم ، وهو اليمين ، تقول العرب : ضربه تحليلا ، وضربه تعزيرا إذا لم يبالغ في ضربه ، وهذا مثل في القليل المفرط القلة ، وهو أن يباشر من الفعل الذي يقسم عليه المقدار الذي يبر قسمه به ، مثل أن يحلف على النزول بمكان ، فلو وقع به وقعة خفيفة أجزأته ، فتلك تحلة قسمه ، وقال أهل اللغة : يقال فعلته تحلة القسم ، أي قدر ما حللت به يميني ، ولم أبالغ ، وقال الخطابي : حللت القسم تحلة ، أي أبررتها ، بقوله : وإن منكم إلا واردها أي لا يدخل النار ليعاقبه بها ، ولكنه يجوز عليها فلا يكون ذلك إلا بقدر ما يبر الله به قسمه ، والقسم مضمر كأنه قال : وإن منكم والله إلا واردها ، وقال ابن بطال : المراد بهذه الكلمة تقليل مكث الشيء ، وشبهوه بتحليل القسم ، وقال الجوهري : التحليل ضد التحريم ، تقول : حللته تحليلا وتحلة ، وفي الحديث : " إلا تحلة القسم " ، أي قدر ما يبر الله قسمه فيه بقوله : وإن منكم إلا واردها وقال القرطبي : اختلف في المراد بهذا القسم ، فقيل : هو معين ، وقيل : غير معين ، فالجمهور على الأول . وقيل : لم يعن به قسم بعينه ، وإنما معناه التقليل لأمر ورودها ، وهذا اللفظ يستعمل في هذا ، يقال : ما ينام فلان إلا كتحليل الألية . ويقال : ما ضربه إلا تحليلا إذا لم يبالغ في الضرب ، أي قدرا يصيبه منه مكروه ، وقال جمهور العلماء : المراد به قوله تعالى وإن منكم إلا واردها وليس المراد دخولها للعقاب ، ولكن للجواز كما قاله [ ص: 34 ] الخطابي ويدل على ذلك ما رواه عبد الرزاق ، عن معمر، عن الزهري في آخر هذا الحديث إلا تحلة القسم يعني الورود ، وفي سنن أبي سعيد بن منصور عن سفيان بن عيينة في آخره : ثم قرأ سفيان : وإن منكم إلا واردها ومن طريق زمعة بن صالح عن الزهري في آخره : قيل : وما تحلة القسم قال قوله وإن منكم إلا واردها وكذا وقع في رواية كريمة في أصل البخاري ، قال أبو عبد الله وإن منكم إلا واردها والمراد بأبو عبد الله هو البخاري نفسه ، ولم يقع هذا في رواية غير كريمة : ومن أقوى الدليل على أن المراد من الورود الجواز حديث عبد الرحمن بن بشير الأنصاري الذي ذكرناه في أوائل الباب وهو : " من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث لم يرد النار إلا عابر سبيل " يعني الجواز على الصراط ، ومع هذا اختلف السلف في المراد بالورود في الآية فقيل : هو الدخول ، واستدل على ذلك بما رواه أحمد والنسائي والحاكم من حديث جابر مرفوعا : " الورود الدخول لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها فيكون على المؤمنين بردا وسلاما " ، ورواه ابن أبي شيبة أيضا وزاد : " كما كانت على إبراهيم حتى إن للنار أو لجهنم ضجيج من بردهم ثم ينجي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثيا " ، وروى الترمذي ، وقال : حدثنا عبد بن حميد قال : أخبرنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل : " عن السدي قال : سألت مرة الهمداني عن قول الله تعالى : وإن منكم إلا واردها فحدثني أن عبد الله بن مسعود ، حدثهم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يرد الناس النار ثم يصدرون عنها بأعمالهم فأولهم كلمح البرق ثم كالريح ثم كحضر الفرس ثم كالراكب في رحله ثم كشد الرجل ثم كمشيه " هذا حديث حسن ، ورواه شعبة عن السدي، ولم يرفعه ، حدثنا محمد بن بشار قال : حدثنا عبد الرحمن عن شعبة عن السدي بمثله قال عبد الرحمن : قلت لشعبة : إن إسرائيل ، حدثني عن السدي عن مرة عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال شعبة ، وقد سمعته من السدي مرفوعا ، ولكني أدعه عمدا . وقيل : المراد بالورود الممر عليها واستدل على ذلك بما رواه الإمام أبو الليث السمرقندي قال : حدثنا أبو الحسن محمد بن محمد مندوست قال : حدثنا فارس بن مردويه قال : حدثنا محمد بن الفضل ، قال : حدثنا علي بن عاصم قال : حدثنا يزيد بن هارون ، قال : حدثنا الجريري عن أبي السليل ، عن غنيم بن قيس : " عن أبي العوام قال : قال كعب : هل تدرون ما قوله وإن منكم إلا واردها قالوا : ما كنا لنرى ورودها إلا دخولها قال : لا ، ولكن ورودها أن يجاء بجهنم كأنها متن إهالة حتى استوت عليها أقدام الخلائق برهم وفاجرهم ، نادى مناد : خذي أصحابك وذري أصحابي ، فتجيب بكل ولي لها ، وهي أعلم بهم من الوالد بولده ، وينجو المؤمنون ندية ثيابهم " . قوله : " كأنها متن إهالة " ، أي ظهرها والإهالة بكسر الهمزة كل شيء من الأدهان مما يؤتدم به . وقيل : هو ما أذيب من الألية والشحم . وقيل : الدسم الجامد . وقيل : المراد بالورود الدنو منها ، وقيل : الإشراف عليها ، وقيل : المراد به ما يصيب المؤمن في الدنيا من الحمى ، وهو محكي عن مجاهد ، فإنه قال : الحمى حظ المؤمن من النار . وقيل : الورود مختص بالكفار ، واستدل على ذلك بقراءة بعضهم : وإن منهم إلا واردها ، وحكي ذلك عن ابن عباس أيضا ، ويكون الورود على ذلك في الكفار دون المؤمنين ، وقال أبو عمر : ظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: " فتمسه النار " يدل على أن المراد بالورود الدخول ; لأن المسيس حقيقة في اللغة المماسة ، ثم قال : " روي عن ابن عباس وعلي رضي الله تعالى عنهم أن الورود الدخول ، وكذا رواه أحمد بن حنبل عن جابر . انتهى .

                                                                                                                                                                                  ويدل على صحة ذلك ما رواه مسلم من حديث أم مبشر أن حفصة قالت للنبي صلى الله عليه وسلم لما قال : " لا يدخل أحد شهد الحديبية النار أليس الله يقول وإن منكم إلا واردها فقال لها :أليس الله يقول : ثم ننجي الذين اتقوا " الآية ، ويكون على مذهب هؤلاء : ثم ننجي الذين اتقوا بخروج المتقين من جملة من يدخلها ليعلم فضل النعمة بما شاهدوا فيه أهل العذاب .

                                                                                                                                                                                  ذكر إعرابه : قوله : " فيلج النار " منصوب بأن المقدرة تقديره : فأن يلج النار ; لأن الفعل المضارع المنفي ينصب بأن المقدرة ، وحكى الطيبي عن بعضهم إنما تنصب الفاء الفعل المضارع بتقدير أن إذا كان ما قبلها أو ما بعدها سببية ولا سببية هاهنا ; إذ لا يجوز أن يكون موت الأولاد ولا عدمه سببا لولوج أبيهم النار ، فالفاء بمعنى الواو التي للجمعية ، وتقديره لا يجتمع لمسلم موت ثلاثة من أولاده وولوجه النار ، ونظيره ما ورد : " ما من عبد يقول في صباح كل يوم ومساء كل ليلة بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم فيضره شيء " بالنصب وتقديره : لا يجتمع قول عبد هذه الكلمات في هذه الأوقات وضر شيء إياه ، قال الطيبي : إن كانت الرواية على النصب فلا محيد عن ذلك ، والرفع يدل على أنه لا يوجد ولوج النار عقيب موت الأولاد إلا مقدارا يسيرا ، ومعنى فاء التعقيب كمعنى الماضي في قوله تعالى : [ ص: 35 ] ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار في أن ما سيكون بمنزله الكائن ; لأن ما أخبر به الصادق من المستقبل كالواقع ، وقال بعضهم : وهذا قد تلقاه جماعة عن الطيبي، وأقروه عليه ، وفيه نظر ; لأن السببية حاصلة بالنظر إلى الاستثناء ; لأن الاستثناء بعد النفي إثبات ، فكان المعنى أن تخفيف الولوج مسبب عن موت الأولاد ، وهو ظاهر ; لأن الولوج عام وتخفيفه يقع بأمور منها موت الأولاد بشرطه ، وما ادعاه أن الفاء بمعنى الواو التي للجمع فيه نظر. قلت : في كل واحد من نظريه نظر ; أما الأول فلأنا لا نسلم حصول السببية بالنظر إلى الاستثناء ; لأن الولوج هاهنا ليس على حقيقته بالاتفاق ; لأنه بمعنى الورود ، وقد مر أن في معناه أقوالا وقوله : لأن الاستثناء بعد النفي إثبات محل نزاع ، وقد علم في موضعه ، وأما الثاني فأيضا ممنوع ; لأن الحروف ينوب بعضها عن بعض ، ولم يمنع أحد عن ذلك ، ألا ترى أن بعضهم قالوا : إن الاستثناء بمعنى الواو ، أي لا تمسه النار قليلا ولا كثيرا ولا تحلة القسم ، وقد جوز الفراء والأخفش وأبو عبيدة مجيء إلا بمعنى الواو ، وجعلوا منه قوله تعالى : لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم أي ولا الذين ظلموا منهم .



                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية