الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                        3470 حدثنا آدم بن أبي إياس حدثنا شعبة عن الأعمش قال سمعت ذكوان يحدث عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه تابعه جرير وعبد الله بن داود وأبو معاوية ومحاضر عن الأعمش

                                                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                                                        الحديث السادس عشر حديث أبي سعيد .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( سمعت ذكوان ) هو أبو صالح السمان .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( عن أبي سعيد ) في رواية أخرى سأبينها " عن أبي هريرة " والأول أولى كما سيأتي .

                                                                                                                                                                                                        [ ص: 42 ] قوله : ( لا تسبوا أصحابي ) وقع في رواية جرير ومحاضر عن الأعمش - وكذا في رواية عاصم عن أبي صالح - ذكر سبب لهذا الحديث ، وهو ما وقع في أوله قال : " كان بين خالد بن الوليد وعبد الرحمن بن عوف شيء ، فسبه خالد " ، فذكر الحديث وسيأتي بيان من أخرجه .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( فلو أن أحدكم ) فيه إشعار بأن المراد بقوله أولا " أصحابي " أصحاب مخصوصون ، وإلا فالخطاب كان للصحابة ، وقد قال : " أحدكم أنفق " وهذا كقوله تعالى : لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل الآية ، ومع ذلك فنهي بعض من أدرك النبي - صلى الله عليه وسلم - وخاطبه بذلك عن سب من سبقه يقتضي زجر من لم يدرك النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يخاطبه عن سب من سبقه من باب الأولى ، وغفل من قال إن الخطاب بذلك لغير الصحابة وإنما المراد من سيوجد من المسلمين المفروضين في العقل ؛ تنزيلا لمن سيوجد منزلة الموجود للقطع بوقوعه ، ووجه التعقب عليه وقوع التصريح في نفس الخبر بأن المخاطب بذلك خالد بن الوليد وهو من الصحابة الموجودين إذ ذاك بالاتفاق .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( أنفق مثل أحد ذهبا ) زاد البرقاني في " المصافحة " من طريق أبي بكر بن عياش عن الأعمش " كل يوم " قال : وهي زيادة حسنة .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( مد أحدهم ولا نصيفه ) أي المد من كل شيء ، والنصيف بوزن رغيف هو النصف كما يقال عشر وعشير وثمن وثمين ، وقيل : النصيف مكيال دون المد ، والمد بضم الميم مكيال معروف ضبط قدره في كتاب الطهارة ، وحكى الخطابي أنه روي بفتح الميم قال : والمراد به الفضل والطول ، وقد تقدم في أول " باب فضائل الصحابة " تقرير أفضلية الصحابة عمن بعدهم ، وهذا الحديث دال لما وقع الاختيار له مما تقدم من الاختلاف والله أعلم . قال البيضاوي : معنى الحديث : لا ينال أحدكم بإنفاق مثل أحد ذهبا من الفضل والأجر ما ينال أحدهم بإنفاق مد طعام أو نصيفه . وسبب التفاوت ما يقارن الأفضل من مزيد الإخلاص وصدق النية . قلت : وأعظم من ذلك في سببا لأفضلية عظم موقع ذلك لشدة الاحتياج إليه ، وأشار بالأفضلية بسبب الإنفاق إلى الأفضلية بسبب القتال كما وقع في الآية من أنفق من قبل الفتح وقاتل فإن فيها إشارة إلى موقع السبب الذي ذكرته ، وذلك أن الإنفاق والقتال كان قبل فتح مكة عظيما لشدة الحاجة إليه وقلة المعتني به بخلاف ما وقع بعد ذلك لأن المسلمين كثروا بعد الفتح ودخل الناس في دين الله أفواجا ، فإنه لا يقع ذلك الموقع المتقدم . والله أعلم .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( تابعه جرير ) هو ابن عبد الحميد ، وعبد الله بن داود هو الخريبي بالمعجمة والموحدة مصغر ، وأبو معاوية هو الضرير ، ومحاضر بمهملة ثم معجمة بوزن مجاهد ، عن الأعمش أي عن أبي صالح عن أبي سعيد ، فأما رواية جرير فوصلها مسلم وابن ماجه وأبو يعلى وغيرهم ، وأما رواية محاضر فرويناها موصولة في " فوائد أبي الفتح الحداد " من طريق أحمد بن يونس الضبي عن محاضر المذكور فذكره مثل رواية جرير ، لكن قال بين خالد بن الوليد وبين أبي بكر بدل عبد الرحمن بن عوف ، وقول جرير أصح ، وقد وقع كذلك في رواية عاصم عن أبي [ ص: 43 ] صالح الآتي ذكرها ، وأما رواية عبد الله بن داود فوصلها مسدد في مسنده عنه وليس فيه القصة ، وكذا أخرجها أبو داود عن مسدد ، وأما رواية أبي معاوية فوصلها أحمد عنه هكذا ، وقد أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب ويحيى بن يحيى ثلاثتهم عن أبي معاوية لكن قال فيه : " عن أبي هريرة " بدل أبي سعيد وهو وهم كما جزم به خلف وأبو مسعود وأبو علي الجياني وغيرهم ، قال المزي : كأن مسلما وهم في حال كتابته فإنه بدأ بطريق أبي معاوية ، ثم ثنى بحديث جرير فساقه بإسناده ومتنه ، ثم ثلث بحديث وكيع وربع بحديث شعبة ولم يسق إسنادهما بل قال بإسناد جرير وأبي معاوية ، فلولا أن إسناد جرير وأبي معاوية عنده واحد لما أحال عليهما معا فإن طريق وكيع وشعبة جميعا تنتهي إلى أبي سعيد دون أبي هريرة اتفاقا ، انتهى كلامه .

                                                                                                                                                                                                        وقد أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة أحد شيوخ مسلم فيه في مسنده ومصنفه عن أبي معاوية فقال : " عن أبي سعيد " كما قال أحمد ، وكذا رويناه من طريق أبي نعيم في " المستخرج " من رواية عبيد بن غنام عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وأخرجه أبو نعيم أيضا من رواية أحمد ويحيى بن عبد الحميد وأبي خيثمة وأحمد بن جواس كلهم عن أبي معاوية فقال : " عن أبي سعيد " وقال بعده " أخرجه مسلم عن أبي بكر وأبي كريب ويحيى بن يحيى " فدل على أن الوهم وقع فيه ممن دون مسلم إذ لو كان عنده عن أبي هريرة لبينه أبو نعيم ، ويقوي ذلك أيضا أن الدارقطني مع جزمه في " العلل " بأن الصواب أنه من حديث أبي سعيد لم يتعرض في تتبعه أوهام الشيخين إلى رواية أبي معاوية هذه ، وقد أخرجه أبو عبيدة في " غريب الحديث " ، والجوزقي من طريق عبد الله بن هاشم ، وخيثمة من طريق سعيد بن يحيى ، والإسماعيلي وابن حبان من طريق علي بن الجعد كلهم عن أبي معاوية فقالوا : " عن أبي سعيد " ، وأخرجه ابن ماجه عن أبي كريب أحد شيوخ مسلم فيه أيضا عن أبي معاوية فقال : " عن أبي سعيد " كما قال الجماعة ، إلا أنه وقع في بعض النسخ عن ابن ماجه اختلاف : ففي بعضها عن أبي هريرة وفي بعضها عن أبي سعيد ، والصواب عن أبي سعيد لأن ابن ماجه جمع في سياقه بين جرير ووكيع وأبي معاوية ولم يقل أحد في رواية وكيع وجرير إنها عن أبي هريرة ، وكل من أخرجها من المصنفين والمخرجين أورده عنهما من حديث أبي سعيد .

                                                                                                                                                                                                        وقد وجدته في نسخة قديمة جدا من ابن ماجه قرئت في سنة بضع وسبعين وثلاثمائة وهي في غاية الإتقان وفيها " عن أبي سعيد " واحتمال كون الحديث عند أبي معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد وأبي هريرة جميعا مستبعد ؛ إذ لو كان كذلك لجمعهما ولو مرة ، فلما كان غالب ما وجد عنه ذكر أبي سعيد دون ذكر أبي هريرة دل على أن في قول من قال عنه " عن أبي هريرة " شذوذا والله أعلم ، وقد جمعهما أبو عوانة عن الأعمش ذكره الدارقطني وقال في العلل : رواه مسدد وأبو كامل وشيبان عن أبي عوانة كذلك ، ورواه عفان ويحيى بن حماد عن أبي عوانة فلم يذكرا فيه أبا سعيد ، قال : ورواه زيد بن أبي أنيسة عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ، وكذلك قال نصر بن علي عن عبد الله بن داود ، قال : والصواب من روايات الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد لا عن أبي هريرة ، قال : وقد رواه عاصم عن أبي صالح فقال : عن أبي هريرة والصحيح عن أبي صالح عن أبي سعيد انتهى ، وقد سبق إلى ذلك علي ابن المديني فقال في " العلل " : رواه الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد ، ورواه عاصم عن أبي صالح عن أبي هريرة ، قال والأعمش أثبت في أبي صالح من عاصم ، فعرف من كلامه أن من قال فيه عن أبي صالح عن أبي هريرة فقد شذ ، وكأن سبب ذلك شهرة أبي صالح بالرواية عن أبي هريرة فيسبق إليه الوهم ممن ليس [ ص: 44 ] بحافظ ، وأما الحفاظ فيميزون ذلك . ورواية زيد بن أبي أنيسة التي أشار إليها الدارقطني أخرجها الطبراني في " الأوسط " قال : ولم يروه عن الأعمش إلا زيد بن أبي أنيسة ، ورواه شعبة وغيره عن الأعمش فقالوا : " عن أبي سعيد " انتهى . وأما رواية عاصم فأخرجها النسائي في " الكبرى " والبزار في مسنده وقال : ولم يروه عن عاصم إلا زائدة ، وممن رواه عن الأعمش فقال : " عن أبي سعيد " أبو بكر بن عياش عند عبد بن حميد ، ويحيى بن عيسى الرملي عند أبي عوانة ، وأبو الأحوص عند ابن أبي خيثمة ، وإسرائيل عند تمام الرازي . وأما ما حكاه الدارقطني عن رواية أبي عوانة فقد وقع لي من رواية مسدد وأبي كامل وشيبان عنه على الشك ، قال في روايته : " عن أبي سعيد أو أبي هريرة " ، وأبو عوانة كان يحدث من حفظه فربما وهم ، وحديثه من كتابه أثبت ، ومن لم يشك أحق بالتقديم ممن شك ، والله أعلم . وقد أمليت على هذا الموضع جزءا مفردا لخصت مقاصده هنا بعون الله تعالى .

                                                                                                                                                                                                        ( تكملة ) :

                                                                                                                                                                                                        اختلف في ساب الصحابي ، فقال عياض : ذهب الجمهور إلى أنه يعزر ، وعن بعض المالكية يقتل ، وخص بعض الشافعية ذلك بالشيخين والحسنين فحكى القاضي حسين في ذلك وجهين ، وقواه السبكي في حق من كفر الشيخين ، وكذا من كفر من صرح النبي - صلى الله عليه وسلم - بإيمانه أو تبشيره بالجنة إذا تواتر الخبر بذلك عنه لما تضمن من تكذيب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .




                                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية