الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 70 ] باب حكم المبيع قبل القبض وبعده

( أخبرنا الربيع بن سليمان ) : قال أخبرنا الشافعي قال أخبرنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما قال أما { الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يباع حتى يقبض : الطعام } قال ابن عباس برأيه ولا أحسب كل شيء إلا مثله .

( قال الشافعي ) : وبهذا نأخذ ، فمن ابتاع شيئا كائنا ما كان فليس له أن يبيعه حتى يقبضه ، وذلك أن من باع ما لم يقبض فقد دخل في المعنى الذي يروي بعض الناس { عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعتاب بن أسيد حين وجهه إلى أهل مكة انههم عن بيع ما لم يقبضوا وربح ما لم يضمنوا } .

( قال الشافعي ) : هذا بيع ما لم يقبض وربح ما لم يضمن ، وهذا القياس على حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه { نهى عن بيع الطعام حتى يقبض } ، ومن ابتاع طعامه كيلا فقبضه أن يكتاله ومن ابتاعه جزافا فقبضه أن ينقله من موضعه إذا كان مثله ينقل ، وقد روى ابن عمر { عن النبي صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يتبايعون الطعام جزافا فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم من يأمرهم بانتقاله من الموضع الذي ابتاعوه فيه إلى موضع غيره } ، وهذا لا يكون إلا لئلا يبيعوه قبل أن ينقل .

( قال الشافعي ) : ومن ملك طعاما بإجازة بيع من [ ص: 71 ] البيوع فلا يبيعه حتى يقبضه ، ومن ملكه بميراث كان له أن يبيعه ، وذلك أنه غير مضمون على غيره بثمن ، وكذلك ما ملكه من وجه غير وجه البيع كان له أن يبيعه قبل أن يقبضه إنما لا يكون له بيعه إذا كان مضمونا على غيره بعوض يأخذه منه إذا فات ، والأرزاق التي يخرجها السلطان للناس يبيعها قبل أن يقبضها ولا يبيعها الذي يشتريها قبل أن يقبضها ; لأن مشتريها لم يقبض ، وهي مضمونة له على بائعها بالثمن الذي ابتاعه إياها به حتى يقبضها أو يرد البائع إليه الثمن ، ومن ابتاع من رجل طعاما فكتب إليه المشتري أن يقبضه له من نفسه فلا يكون الرجل قابضا له من نفسه ، وهو ضامن عليه حتى يقبضه المبتاع أو وكيل المبتاع غير البائع ، وسواء أشهد على ذلك أو لم يشهد ، وإذا وكل الرجل الرجل أن يبتاع له طعاما فابتاعه ثم وكله أن يبيعه له من غيره فهو بنقد لا بدين حتى يبيح له الدين فهو جائز كأنه هو ابتاعه وباعه ، وإن وكله أن يبيعه من نفسه لم يجز البيع من نفسه ، وإن قال قد بعته من غيري فهلك الثمن أو هرب المشتري فصدقه البائع فهو كما قال ، وإن كذبه فعليه البينة أنه قد باعه ، ولا يكون [ ص: 72 ] ضامنا لو هرب المشتري أو أفلس أو قبض الثمن منه فهلك ; لأنه في هذه الحالة أمين .

( قال الشافعي ) : ومن باع طعاما من نصراني فباعه النصراني قبل أن يستوفيه فلا يكيله له البائع حتى يحضر النصراني أو وكيله فيكتاله لنفسه .

التالي السابق


الخدمات العلمية